«في قلب هذا
التحول الكبير المقبل، في مراكز وأوضاع القوة
في العالم، فإن مفاتيحه هي القدرة على تحقيق
معدلات معقولة في التنمية الاقتصادية، بشرط أن
تتوزع عوائدها بمقاييس العدالة الاجتماعية،
لتنقل الملايين الفقيرة إلى دائرة القوى
المنتجة، لأن الدول التي تعجز عن بلوغ هذه
النتيجة، والتي تمسك بتلابيبها مشكلات يستعصي
عليها حلها. كالبحث عن عمل وغيرها ـ سوف تسقط
من حساب صياغة أوضاع النظام الدولي الجديد،
أما الذين سيصعدون إلى أعلى مراتبه هم
القادرون على الإفلات من قيود السياسات
الاقتصادية والمالية التقليدية التي شهدت
التجارب على عجزها».
تشهد أمريكا حاليا مناقشات تتحدث عن صعود دول
أخرى مهيأة - في ظروف نظام دولي جديد - لتأخذ
المكان الذي تحتله في العالم، في تلميح إلى أن
أمريكا في طريقها إلى النزول عن عرش القوة
الكبرى الوحيدة المهيمنة على العالم. والذين
يتناولون هذا الموضوع، يشد أنظارهم ما يجري في
آسيا، وما أصبح البعض يطلق عليه العصر الآسيوي
المقبل.
وردت إشارات إلى العصر الآسيوي في وثيقة
برينستون التي شارك في صياغتها أكبر خبراء
وعلماء السياسة الخارجية في أمريكا، ومنهم كل
وزراء خارجيتها الذين على قيد الحياة.
وتناوله بالتفصيل في دراسة بالغة العمق المفكر
السياسي الأمريكي المعروف فريد زكريا، وهو من
أصل هندي وأحد المشاركين الكبار في وثيقة
برينستون، في كتابه «عالم ما بعد العصر
الأمريكي».
يقول: إننا نعيش الآن فيما يسمى التحول الكبير
الثالث في أوضاع القوى الكبرى، بعد أن مر
العالم خلال الخمسمائة سنة الماضية، بثلاثة
تحولات في بنية النظام العالمي، أولها ظهور
العالم الغربي، في عملية تدريجية بدأت في
القرن الخامس عشر، وتصاعدت بقوة في نهايات
القرن التاسع عشر، ببروز الولايات المتحدة، ثم
تحولها إلى أقوى دولة منذ الإمبراطورية
الرومانية، وانفرادها بعد زوال الاتحاد
السوفييتي بوضع لا ينافسها فيه أحد في ظاهرة
غير مسبوقة في التاريخ المعاصر.
والسمة الأساسية للتحول الثالث الجاري الآن،
هي ما يسمى «صعود الباقين» نتيجة معدلات نمو
اقتصادي لم يكن من المتصور حدوثه. والتحول
الراهن هو في اتجاه آسيا.
وبالرغم من أن هذا التحول الكبير، هو محل
مناقشات في الولايات المتحدة، إلا أنه ليس
مفهوما بما يكفي للأمريكيين. وان كان الشعور
بهذا التحول ملموسا في عمق المزاج النفسي
للأمريكيين، ففي ابريل 2008 قال 81٪ من
الأمريكيين في استطلاع للرأي، ان بلادهم تمشي
في الطريق الخطأ. وكان التفسير لهذا التشاؤم،
أن سببه مخاوف من ركود اقتصادي تلوح بوادره،
وحرب تبدو بلا نهاية في العراق، وتهديد ماثل
للإرهاب، لكنها أسباب لا تقدم تفسيرا مرضيا
للمزاج التشاؤمي، والصادر من منابع أكثر عمقا،
يكونها شعور أن قوى أخرى في بلاد بعيدة هي
التي تشكل العالم الجديد.
وإذا كان العالم قد شهد على يد المحافظين
الجدد ظاهرة المعاداة للوضع الأمريكي تحول
منها إلى عالم ما بعد امريكÉ The
Post-American World.
إن النظام الدولي تحت التأسيس، لم تعد الدول
الفاعلة فيه، مجرد دول صغيرة أو متوسطة، كان
كل نصيبها في إدارة النظام الدولي، ان تكون
دول متلقية لقرارات اقتصادية وسياسية لقوى
كبرى، عليها أن تنفذها حرفيا، أو أن تجد نفسها
وقد حشرت في مسار لا يسمح لها أن تحيد عنه، في
تحديد مواقفها من القضايا الدولية، أو حتى
إدارة مشاريعها الداخلية من حيث الإنتاج،
وحدود الاكتفاء الذاتي، لكن هذه الدول هي لاعب
مؤثر في النظام الدولي الجديد، بما لها من
استقلالية قرارها سياسيا واقتصاديا.
إن النمو الاقتصادي المبهر، مرئي في آسيا،
لكنه لم يعد مقصورا عليها وحدها. ففي عامي
،2006 و،2007 حققت 124 دولة نموا بمعدل 4٪ أو
أكثر، منها أكثر من 30 دولة في إفريقيا، أي
ثلثي القارة، والمتوقع أن تكون 25 شركة هي
أكبر الشركات النشطة على مستوى العالم، منتمية
إلى البرازيل، والمكسيك، وكوريا الجنوبية،
وتايوان، و3 شركات من الهند، واثنتان من
الصين، وواحدة من كل من الأرجنتين، وشيلي،
وماليزيا، وجنوب إفريقيا.
ويلاحظ أن نصيب شعوب كانت الملايين فيها تعيش
على دولار واحد أو أقل في اليوم، قد هبطت
نسبته من 40٪ عام 1981 إلى 18٪ عام ،2004
ومقدرا لها أن تهبط إلى 12٪ عام .2015 وأن
مئات الملايين من شعوب 142 دولة قد اجتازوا خط
الفقر، وأفلتوا منه بعد أن استوعبتهم
اقتصاديات نامية ومنتجة. في الصين، والهند،
والبرازيل، وروسيا، وإندونيسيا، وتركيا،
وكينيا، وجنوب إفريقيا.
وخلال العشرين سنة الماضية - وحسب تقديرات
فريد زكريا - اختفت أزمة التضخم الفاحش الذي
كان سببا في تقويض قدرة رقعة كبيرة من العالم
على التقدم والعيش الكريم من تركيا إلى
البرازيل إلى إندونيسيا، بسبب سياسات مالية
ونقدية ناجحة.
والملاحظ أن الإنجاز الاقتصادي في هذه الدول
الصاعدة، قد صاحبه إحساس متعاظم بالكرامة
الوطنية، وتأكيد هذه الدول مصالحها وقيمها.
في آسيا تتصدر الدول الصاعدة بقفزات قوية،
الصين والهند. والصين وحدها تصدر الآن في يوم
واحد، ما يساوي ما كانت تصدره في سنة بأكملها
عام .1978 والمدى الشاسع الذي تتحرك فيه الصين
اقتصاديا يمكنها من تغيير طبيعة اللعبة
الدولية.
في المقابل تسجل الحقائق ان أمريكا ما زالت
أقوى قوة عسكرية في العالم، وهي تنفق في
ميزانية الدفاع ما يساوي ما تنفقه دول العالم
مجتمعة، والناتج القومي الإجمالي لها يمثل 4/1
إجمالي الناتج العالمي، وفيها أفضل تعليم،
وأفضل صناعة، وجامعاتها تمثل أعلى نسبة من بين
أفضل 500 جامعة في العالم.
لكن العالم - كما يقول فريد زكريا - لم يعد
يعيش عصر الصناعة التي كانت فيها القوة
المادية Hand Power هي معيار القوة، لأن
المعيار في عصر ثورة المعلومات هو للقوة
الناعمة Soft Powمْ ويسندها مناخ الثقافة،
والحرية، والديمقراطية.
وهذا هو معيار التغيير المقبل في طبيعة النظام
الدولي.
فعلى المستوى السياسي والعسكري، ما زالت
أمريكا القوة الكبرى الأولى، لكن يجري حاليا
إعادة توزيع مراكز القوة الاخرى مبتعدة عن
مركز السيطرة الأمريكي، والذي كانت لأمريكا
الغلبة في كل مجالاته - لتشكل مع نمو الثروة
في الدول الصاعدة مراكز جذب وتأثير منافسة.
وهذا لايعني - كما يرى فريد زكريا - أننا ندخل
عالما مضادا لأمريكا، لكننا نتحرك إلى عالم ما
بعد العصر الأمريكي.. وعالم تشكله وتديره
أماكن عديدة وشعوب عديدة.
وليس في هذا تجاهل لمشاكل اقتصادية يواجهها
العالم، وندرة في الموارد يجري عليها تنافس
حاد كالبترول والمياه. ولا تجاهل لأزمة الغذاء
العالمية، لكن معيار الأزمة مختلف، ففي الدول
الغنية يتمثل تجاوز الأزمة في المحافظة على
أعلى مستوى معيشي ممكن لشعوبها. لكن ذلك لا
ينفي من ناحية أخرى، ان هناك تقدما اقتصاديا
ووفرة معيشية تتحقق للغالبية - العددية - من
شعوب العالم، التي كانت فقيرة.
في قلب هذا التحول الكبير المقبل، في مراكز
وأوضاع القوة في العالم، فإن مفاتيحه هي
القدرة على تحقيق معدلات معقولة في التنمية
الاقتصادية، بشرط أن تتوزع عوائدها بمقاييس
العدالة الاجتماعية، لتنقل الملايين الفقيرة
إلى دائرة القوى المنتجة، لأن الدول التي تعجز
عن بلوغ هذه النتيجة، والتي تمسك بتلابيبها
مشكلات يستعصي عليها حلها. كالبحث عن عمل
وغيرها - سوف تسقط من حساب صياغة أوضاع النظام
الدولي الجديد، أما الذين سيصعدون إلى أعلى
مراتبه، القادرون على الإفلات من قيود
السياسات الاقتصادية والمالية التقليدية التي
شهدت التجارب على عجزها وأنها تعقد المشاكل
ولا تحلها، وأن يملك هؤلاء القادرون مشروعا
قوميا استراتيجيا، يخرج عن المألوف، وعن
الممارسات المزمنة التي أخفقت، وأمامهم تجارب
الذين سبقوهم إلى النجاح. والآن ـ وعلى ضوء
تلك التوقعات من داخل مؤسسة صناعة السياسة
الخارجية الأمريكية للعالم الجديد، فإن ما لا
يقل أهمية عنه، أن نأخذ في الاعتبار أن
الولايات المتحدة لن تتنازل بسهولة عن فكر
الهيمنة على العالم، من الآن وحتى وقت اكتمال
تشكيل النظام الدولي المقبل متعدد الأقطاب،
فهي فترة ما زالت تتمتع بمحدودية قدرة
«الباقين» على منافستها.. وهي فترة تقدر بما
يتراوح بين 15و 20 سنة.