كلنا يعلم ان
سعر جالون (4 لترات) هو الآن 4 دولارات في
الولايات المتحدة وان سعر برميل النفط يساوي
135 دولارا. ولكنك اذا كنت تظن أن الحكاية
تنتهي هنا فلا تتحدث مع الاقتصادي جيفري روبين
من بنك الاستثمار (سي اي بي سي وورلد ماركتس).
وفقا لحسابات روبين فإننا بالكاد اجتزنا نقطة
منتصف المسافة في مسيرة متصلة تتجه إلى أعلى
رافعة معها سعر الجالون إلى 7 دولارات وسعر
برميل النفط إلى 225 دولارا بحلول .2012 ويقول
الرجل انه رغم التقلبات الا ان الاتجاه
التصاعدي في الأسعار ستكون له اثار جانبية
متفشية ومدهشة. احد هذه الآثار يتمثل في
استفادة اصحاب الصناعة في امريكا من هذا
الارتفاع في الأسعار لأن التكاليف المتزايدة
للنقل عبر المحيطات والتي تعكس أسعار الوقود
تجعل الواردات أكثر غلاء. كما ان بعض الأنشطة
الإنتاجية ستعود إلى الولايات المتحدة من
الخارج. وأيضا سينتقل جزء من هذه الانشطة
الانتاجية من آسيا إلى بلدان تصدير أقرب
للولايات المتحدة ( المكسيك بدلا عن الصين).
ويقدر روبين انه منذ عام 2000 ارتفعت تكلفة
النقل البحري للحاوية قياس 40 قدماً من شرق
آسيا إلى الولايات المتحدة من 3000 دولار إلى
8000 دولار. وعند معدل سعر 200 دولار لبرميل
النفط فسيكلف نقلها 15000 دولار. وسيصبح
التضخم أشد عنادا ويأبى على الرحيل حينها. وقد
كان بنك الاحتياط الفيدرالي الامريكي يركز على
مدى سنوات على (التضخم الاساس). وهو مصطلح
يعني أسعار السلع والخدمات ناقصا أسعار الطاقة
والغذاء. وتبرير ذلك التركيز هو ان التغيرات
الكبيرة في أسعار الطاقة والغذاء عادة ما تغير
اتجاهاتها (اي ان الأسعار تنزع من تلقاء نفسها
إلى العودة إلى المستويات التي كانت عليها قبل
أن تتغير). ولكنها اذا اتجهت نحو التصاعد
بانتظام فإن هذا المنطق ينهار. يقول روبين:
ربما يحوم معدل التضخم الاساس فوق نسبة 2٪.
وذلك بالطبع شيء جيد لك اذا كنت لا تأكل لا
تقود سيارة.ولكن التضخم الاجمالي (شامل السلع
والخدمات بما فيها الغذاء والوقود) سيكون في
الواقع ضعف ذلك الرقم، اي حوالي 4٪. وستتواصل
معاناة قطاعين اقتصاديين مهمين هما صناعة بناء
المساكن وصناعة السيارات. يقول روبين خلال
عامين سيكون هنالك عدد اقل من الامريكيين
الذين يقودون سيارات. فالأسعار المرتفعة
للوقود تدفع بالناس إلى التحول نحو استخدام
الوسائل العامة للنقل الجماعي أو تقاسم
استخدام السيارات الخاصة. وقد تلقت أسعار
المساكن ضربة اخرى خصوصا في الضواحي البعيدة
التي تتطلب قطع رحلات طويلة للوصول اليها او
الانتقال منها (إلى اماكن العمل). يقول روبين:
ان الناس وقتها لن يتمكنوا من الحصول على ما
كانوا يحصلون عليه. وفي الواقع ليس ثمة داع
للتقليل من شأن تداعيات النفط. ربما يكون
العالم قد وصل إلى مرحلة نفط الذروة حيث لم
تعد احتياطيات النفط المتقلصة تسمح بتحقيق اي
قدر كبير من الزيادة السنوية في الانتاج. وقد
لا يكون ذلك صحيحا بالمعنى الحرفي للعبارة.
فالتقديرات الخاصة بوجود خزانات نفط ضخمة لم
يتم اكتشافها بعد تعني اننا على مبعدة عقود من
مرحلة نفط الذروة. ولكن الحكومات التي تسيطر
على 75٪ او اكثر من الاحتياطيات المكتشفة
والمعروفة تتصرف وكأن مرحلة نفط الذروة قد
حلّت سلفا. فهي تقوم بتخزين سلعة نادرة
(النفط) من خلال وضع حد لعمليات الاستكشاف
الجديدة لها. وفي ذات الوقت فإن الانتاج في
بعض الحقول القديمة يتدهور بسرعة. لقد تم
استنزاف القدرات الاحتياطية مع تفوق الطلب على
الإمدادات الجديدة. وتتولى الأسعار المرتفعة
سد الفجوة. ان المستقبل الكئيب للأسعار الذي
يرسمه روبين وآخرون يفترض استمرار الوضع
الحالي. بالطبع قد يكونون مخطئين إذا أدت
الأسعار المرتفعة إلى هبوط حاد في الطلب
وزيادة غير متوقعة في الامدادات. لقد ألمحت
السعودية مؤخرا إلى امكانية قيامها بإحداث
زيادة متواضعة في الانتاج. وفي الولايات
المتحدة فقد ادت الأسعار سلفا إلى التقليل من
حجم قيادة السيارات. ففي مارس الماضي قل معدل
قيادة السيارات على الطرق السريعة بنسبة 4,3٪
مقارنة بما كان عليه الحال قبل عام. وتغيرت
انماط شراء السيارات. فخلال شهر مايو هبطت
مبيعات السيارات الكبيرة (اس يو في) بنسبة 31٪
مقارنة بمبيعات الشهر نفسه في العام الماضي
وذلك وفقا لارقام موقع (وارزاوتو.كوم). كما
يخيم الركود على الطلب على النفط في اوروبا
واليابان ايضا. ولكن ارتفاع الطلب من البلدان
النامية ومن منتجي النفط أنفسهم يعوض ويوازن
تناقص الطلب في الدول الغنية. وسيرتفع
الاستهلاك في الدول النامية والمنتجة بنسبة 3٪
في عام 2008 بحسب تقديرات وكالة الطاقة
الدولية. لقد حدث نقل ضخم وهائل للنفوذ إلى
منتجي النفط. وحتى عند سعر 100 دولار للبرميل
فإن السعودية والكويت والامارات ستحصل على ما
يقارب 8 تريليون (الف بليون) دولار في شكل
ايرادات نفطية في الفترة من الآن وحتى عام
2020 وفقا لتقديرات معهد مكنزي الدولي (مكنزي
جلوبال انستيتيوت). والاكثر ازعاجا هو المغزي
السياسي لذلك التحول. يقول لاري جولدشتاين ،من
مؤسسة ابحاث سياسة الطاقة ، ان هذا الوضع قد
أدى حقا إلى تقوية الايرانيين والروس
والفنزويليين بحيث دفعهم إلى ان يتخذوا مواقف
اكثر استفزازا في السياسة الدولية. وعلى الرغم
من ان الحكومات تسيطر على امدادات النفط الخام
الا ان الشركات الخاصة تهيمن على التوزيع. فكل
احد يستطيع شراء النفط إذا دفع السعر المطلوب.
والآن يمكن ان يصبح النفط سلعة سياسية تمنح
للاصدقاء بسعر خصم ويحرم منه المنافسون. كيف
يمكننا استعادة بعض نفوذنا المفقود؟ اول شيء
يلزمنا فعله هو ان نخرج من حالة انكار الواقع
وان نكف عن لوم شركات النفط والمضاربين. ثم
بعد ذلك يلزمنا التوسع في عمليات حفر ابار
النفط والغاز الطبيعي داخل البلاد (الولايات
المتحدة) بما في ذلك منطقة الاسكا. وعلى الرغم
من اننا لا يمكننا (حفر) مخرج لنا من هذه
المشكلة الا اننا بمستطاعنا زيادة امدادات
النفط للتقليل من آثار الأسعار. قد يحتاج
الامر إلى 10 اعوام او اكثر لأن المشروعات
الجديدة هي في الواقع اعمال ضخمة. ولكن
تأخيرها من شأنه فقط ان يفاقم من مشاكلنا في
المستقبل. وأخيرا فإننا لانحتاج إلى ان ندرك
ان الأسعار المرتفعة للنفط قد تحفز على انتاج
وقود حيوي جديد من نشارة الخشب وبقايا الطعام
والعشب المجزوز. ويقول ديفيد كول من مركز
ابحاث السيارات ان تكلفة انتاج هذه الانواع من
الوقود قد تكون في حدود دولار واحد للجالون.
واذا كان ذلك صحيحا فإن هذه التكلفة تقل كثيرا
عن أسعار الجملة للبنزين. ويري كول انه لطمأنة
المنتجين الجدد وتأكيد عدم تضررهم في حالة
هبوط أسعار النفط يجب علينا ان نضع سعرا أدنى
للنفط يتراوح بين 50 و 80 دولاراً للبرميل.
ويمكن القيام بذلك بوضع رسوم احتياطية يتم
تنشيطها فقط في حالة هبوط الأسعار إلى عتبة
الأسعار الأدنى المحددة سلفا. ان أسعار النفط
لا يمكن التنبؤ بها واذا حدث انهيار في
الأسعار فيجب عدم تضليل وخداع المواطنين
الامريكيين بأننا قد عدنا وإلى الأبد إلى أيام
رخص الطاقة. لقد ارتكبنا ذلك الخطأ من قبل.
روبيرت سامويلسون
واشنطن بوست
ترجمة قاسم مكي
قسم الترجمة- عمان