يواصل
سماحة الشيخ احمد بن حمد الخليلي في هذه الحلقة تكملة
التمهيد الذي بدأه قبل الدخول في تفسير سورة النساء، حيث
ذكر ان هناك ما يدل على ان هناك سورة أخرى شاركت سورة
النساء في الاسم وهي سورة الطلاق ولكن مع تقييد ذلك بسورة
النساء القصرى.
ثم بين سماحته ان سورة النساء اشتملت على كثير مما جاء في
آل عمران، فكثير من القضايا التي جاءت في سورة آل عمران
جاءت ايضا في سورة النساء مع التكامل بينهما من ذلك احكام
الجهاد والتعرض لأهل الكتاب والاشارة إلى غزوة احد التي
تقدم تفسيرها وبيانها.
وأشار إلى ارتباط خاتمة آل عمران بفاتحة النساء من حيث ان
فاتحة النساء جاءت بما جاءت به خاتمة آل عمران من الأمر
بالتقوى.
وذكر سماحته سورة النساء هي اطول سورة بعد سورة البقرة أي
هي ثاني سورة في الطول بعد سورة البقرة وانما تقرب منها
سورة آل عمران وكذلك سورة الأعراف.
وان هذه السورة جاءت لتتعرض لما كانت تتعرض له الأمة
المسلمة التي هي ناشئة ومتكونة في ذلك الوقت جاءت هذه
السورة لتصبغ هذه الأمة بصبغة هذه العقيدة الحقة في
اخلاقها وفي سلوكها وفي معاملاتها وفي سلمها وفي حربها وفي
كل ناحية من النواحي فلذلك جاءت لتقتلع رواسب الجاهلية
التي كانت لا تزال عالقة ببعض الأمة.
وإلى تقديم سماحته عن السورة الكريمة:
سورة النساء هذه هل هي وحدها سميت بهذا الاسم او ان سورة
أخرى شاركتها في هذه التسمية الذي يظهر مما قاله ابن مسعود
رضي الله تعالى عنه انها كانت ايضا تسمى سورة الطلاق بهذا
الاسم ولكن مع تقييد ذلك بسورة النساء القصرى كما في كلام
ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (من شاء باهلته لنزلت سورة
النساء القصرى بعد سورة البقرة) في هذا ما يدل على ان سورة
الطلاق ايضا كانت تسمى سورة النساء مع التقييد في ذلك
الوصف، أي القصرى.
واستنتج من هذا العلامة ابن عاشور بأن هذه السورة كانت
تسمى سورة النساء الطولى مع تصريحه بأنه لم يجده عن احد
وانما استنتج ذلك من كلام ابن مسعود ولا يلزم ذلك، إذ قد
يسمى احد باسم ما ويشيع فيه ويسمى غيره بذلك الاسم مع
التقييد، فقد تسمى سورة من غير وصف بشيء من غير تقييد بوصف
باسم ما وتسمى أخرى بنفس ذلك الاسم مع التقييد لاجل
التمييز ما بينهما. وذكر ايضا عن الفيروز ابادي انه ذكر في
كتابه (بصائر أولي التمييز) ان هذه السورة كانت تسمى سورة
النساء الكبرى وسورة الطلاق كانت تسمى سورة النساء الصغرى
وذكر ابن عاشور بأنه لم يجد ذلك لغيره.
والسورة الكريمة جاءت في الترتيب بعد سورة آل عمران، وقد
سبق ان علماء القرآن اختلفوا في التناسب بين آيات القرآن
والسور، فمنهم من لا يرى البحث في ذلك ويرى ان القرآن نزل
لأغراض متنوعة في مواقف متنوعة في السفر وفي الحضر وفي
السلم وفي الحرب وفي الصيف وفي الشتاء وفي مكة وفي المدينة
ولم يكن ترتيبه بحسب نزوله فذلك يقتضي انه لا يبحث عن
التناسب بين آياته.
وان طائفة من المفسرين وسائر المؤلفين في علوم القرآن رأوا
التناسب بين آيات القرآن منهم من رأى هذا التناسب انما هو
بين آيات السورة الواحدة ومنهم ايضا من رأى التناسب الذي
يربط ما بين السورة والسورة التي قبلها والسورة التي بعدها.
وذكرنا فيما سبق ان من العلماء المحدثين من زاد النظام وهو
ادق من التناسب فإن التناسب هو مجرد وجود مناسبة ما بين
آية وآية، واما النظام فهو ادق لأنه يبحث عن مجيء هذه
الآية في هذا الموضع بحيث سبقت على الآية التي بعدها
وتأخرت عن الآية التي قبلها فالنظام هو أدق من التناسب،
وعليه فإن الذين لا يبحثون التناسب بين الآيات القرآنية
ويرون ان القرآن يتعذر ان يبحث احد عن التناسب بين آياته
لعدم تتابع نزولها حسب ترتيبها في المصحف الشريف هؤلاء لا
يبحثون ايضا فيما بين السور عن شيء من التناسب الذي يربط
ما بين السورتين المترتبتين أما القائلون بالتناسب فهم كما
ذكرنا مختلفون.
وعليه، فالقائلون بعدم التناسب هنا لم يبحثوا قط ولم
يتعرضوا لما يربط ما بين هذه السورة والسورة التي قبلها
وهي سورة آل عمران.
اما القائلون بالتناسب فإنهم ربطوا ما بين هذه السورة
وسورة آل عمران وذلك من خلال ما بين آخر سورة من آل عمران
من الأمر بالتقوى واول آية في هذه السورة من نفس هذا الأمر،
فإن الله تعالى اختتم سورة آل عمران بقوله (واتقوا الله
لعلكم تفلحون) وافتتح هذه السورة بقوله (يا أيها الناس
اتقوا ربكم) وهذا يشبه ما يسمى في الشعر عند علماء البديع
بتاشبه الأطرف ويسمى ايضا التسبيغ كما قالت ليلى الأخيلية
في مدح الطاغية الحجاج بن يوسف ووصفه بسفك الدماء:
إذا نزل الحجاج أرضا مريضة
تتبع اقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها، تتبع اقصى دائها فشفاها
في البيت الأول شفاها.
شفاها من الداء العضال الذي بها
غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فأرواها بشرب سجالها
دماء رجال حيث نال حشاها
هذا يسمى بتشابه الأطراف ويسمى التسبيغ فالتسبيغ أو تشابه
الأطرف في الشعر انما هو ان ترتبط خاتمة البيت بفاتحة
البيت الذي تأتي من بعد، وكذلك ارتبطت هنا خاتمة آل عمران
بفاتحة النساء من حيث ان فاتحة النساء جاءت بما جاءت به
خاتمة آل عمران من الأمر بالتقوى.
فإذا هذا نوع من الربط أو من التناسب، ثم بجانب ذلك اشتملت
سورة النساء على كثير مما جاء في آل عمران، كثير من
القضايا التي جاءت في سورة آل عمران جاءت ايضا في سورة
النساء مع التكامل بينهما من ذلك احكام الجهاد والتعرض
لأهل الكتاب والاشارة إلى (غزوة احد) التي تقدم تفصيلها
وبيانها في سورة آل عمران ذلك في قوله تعالى (فما لكم في
المنافقين فئتين) إلى ما بعدها وكذلك اشارت هذه السورة إلى
غزوة (حمراء الأسد) التي تقدم بيانها في آل عمران وذلك في
قول الله تبارك وتعالى (ولا تهنوا في ابتغاء القوم ان
تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما
لا يرجون) مع ان هذه القصة (قصة حمراء الأسد) سبقت في قول
الله تبارك وتعالى (الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا
لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان
الله) فإذا ما هنا وما هنا انما بينهما ترابط وتناسب.
كذلك بالنسبة إلى التعرض للمنافقين والتعرض لاهل الكتاب
ومحاجة اهل الكتاب فإن ذلك كله مما وجد في سورة آل عمران
ووجد في هذه السورة فإذا هذا مما يعد تناسبا ما بين
السورتين عند من يقول بالتناسب بين آيات القرآن وسوره.
والسورة الكريمة نزلت على أي حال كما قلنا في المدينة
المنورة وجو المدينة يختلف بطبيعة الحال عن مكة المكرمة،
لان مكة المكرمة كانت الدعوة فيها تواجه صعوبات وتحديات من
قبل المشركين الذين كانوا يتربصون بها الدوائر وكانوا
محيطين بها إذ كان المسلمون قلة مضطهدة ولم يكن لهم سلطان
إذ لم تكن لهم دولة تحميهم ولم تكن لهم جماعة قوية مترابطة
يمكن ان تظهر امرها بخلاف الحال بعد هجرة الرسول صلى الله
عليه وسلم إلى المدينة، فقد وجدت الدعوة في المدينة
المنورة جوا ملائما تتنفس فيه وفي مكة المكرمة كان الاعداد
لتكوين الجماعة الاسلامية من خلال ايجاد التصور الصحيح
وذلك ان القرآن في مكة انما كان ينزل هادما لمعتقدات
المشركين الذين كانوا يتخذون مع الله آلهة أخرى، كانوا
يشركون بالله سبحانه وتعالى ما يتخذونه من الأنداد له وكان
القرآن يأتي هادما لهذه العقائد ومقررا لعقيدة التوحيد.
وفي المدينة المنورة كانت الظروف مواتية لتربية الجماعة
المسلمة تربية على قيم الاسلام واخلاق الاسلام وفضائل
الاسلام وان كان هذا الجانب (جانب الاخلاق والفضائل) لم
يهمل بمكة إلا ان القضية التي كانت شاغلة هناك انما هي
قضية العقيدة فلذلك كان الوضع متفاوتا بين مكة والمدينة
المنورة، فمن هنا جاءت السور بالمدينة المنورة لها صبغة
خاصة، فنحن نجد السور المكية غالبها تكون سورا قصيرة لان
قضية العقيدة انما تؤخذ بإيجاز القول لا تحتاج إلى بيان
مسهب وتفصيل واسع كما هو الشأن في الأحكام وكما هو الشأن
فيما يبين من قضايا متنوعة تعود إلى تكوين الجماعة المسلمة،
فلذلك كانت السور التي نزلت بالمدينة فيها الاسهاب، فيها
التطويل لأنها تتناول قضايا كثيرة، وسورة النساء من بين
هذه السور فهي اطول سورة بعد سورة البقرة أي هي ثاني سورة
في الطول بعد سورة البقرة وانما تقرب منها سورة آل عمران
وكذلك سورة الأعراف ومع هذا ايضا جاءت هذه السورة لتتعرض
لما كانت تتعرض له الأمة المسلمة التي هي ناشئة ومتكونة في
ذلك الوقت، جاءت هذه السورة لتصبغ هذه الأمة بصبغة هذه
العقيدة الحقة في اخلاقها وفي سلوكها وفي معاملاتها وفي
سلمها وفي حربها وفي كل ناحية من النواحي فلذلك جاءت
لتقتلع رواسب الجاهلية التي كانت لا تزال عالقة ببعض الأمة،
لان الآيات المكية انما كانت معنية كما قلنا بالعقيدة
فهناك رواسب للجاهلية من العادات كانت لا تزال في الأمة
وانما القرآن بتدفق طهوره كان يطهر هذه الأمة من هذه
الرواسب ويخلصها من شوائبها لتكون أمة قرآنية أمة نقية.
فمن ذلك ما جاء فيما يتعلق بأمر اليتامى من انصاف اليتامى
وعدم اكل مالهم لان من عادة اهل الجاهلية انهم كانوا
يأكلون اموال اليتامى فشددت هذه السورة في اكل اموال
اليتامى وجعلته اكلا للنار انما يأكلون في بطونهم نارا
وسيصلون سعيرا وامرت بإيتاء اليتامى حقوقهم كاملة غير
منقوصة كما امرت بإنصاف يتامى النساء بحيث لا يكون
لأوليائهن سلطان عليهن في أمر زواجهن وامر اموالهن بل
ينصفوا، وكذلك كان الوضع الاجتماعي في المجتمعات العربية
يقتضي ان يوفر للرجل وان تمتهن المرأة ومن ذلك ان ميراث
المرأة ايضا كان في عهود الجاهلية امر صعب في مقاييس اولئك
القوم انما يرث من حمى الحريم ومن خاض الوطيس ودافع عن
القبيلة وبنى الأمجاد وغزى وفعل وفعل هكذا كان احوال اهل
الجاهلية، المرأة لا تعطى شيئا ولئن نالت شيئا من الفتات
المتساقط من ايدي الرجال فإنما يجني عليه ايضا أولئك الذين
يعضلون يتامى النساء عن الزواج حتى يفتدين منهم بما ورثنه
كانوا يحاولون ان يغمطوا المرأة حقها.