أواصل الحديث اليوم مع ما بدأته بالأمس مع الذين أعطوا
الشهر الفضيل حقه من العبادة الذين اجتهدوا وثابروا وحرصوا
على كل ثانية من ثواني أجمل أيامهم في العمل على كل ما
يقرب إلى الله تعالى زلفى فجهدوا أنفسهم راكعين ساجدين في
جنح الليل لا تفوت ألسنهتم عن ذكر الله لاهجة بالتسبيح
والتحميد والتقديس ترجو رحمة ربها وتسأله العفو والعافية
وتطلبه من فضله خيري الدنيا والآخرة هكذا قضت أوقاتها في
الثلثين الماضيين من الشهر وها هي اليوم في الثلث الثالث
والأخير تكثف تلك الجهود بكل قوة ونشاط وبقلب ملؤه البشر
والتطلع إلى رضوان الله والفوز بما عنده.
من نعيم مقيم بروح نقية طاهرة زكية خاشعة خاضعة متبتلة
مطمئنة راضية بما أنجزته من عمل راجية من الله تعالى أن
يحقق لها غايتها قائلة (اللهم هذا الدعاء ومنك الاجابة
وهذاالجهد وعليك التكلان لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت
على نفسك نستغفرك ونتوب اليك ونعول في إجابة دعائنا عليك
اللهم لا تحرمنا من قبول أعمالنا ولا تردنا خائبين إنك
واسع المغفرة والرضوان يا رب العالمين راجية منه سبحانه
وتعالى ان يمن لها بالظفر بليلة القدر وتنال ما أعد فيها
من جزيل الثواب والعطاء.
هؤلاء هم المجتهدون الذي مكنهم الله سبحانه وتعالى من
العمل ومن عليهم بالتفرغ لهذه العبادة العظيمة التي يضاعف
فيها الأجر والثواب وقد فازوا إن شاء الله باستغلال
أوقاتهم فيما يقربهم الى الله وفيما أمروا وما ذلك الا
توفيق منه والله يرزق من يشاء بغير حساب.
وهناك من الصائمين المخلصين الذين شغلتهم الحياة الدنيا
والبحث عن لقمة العيش فتحملوا مشاق العمل مع الصوم وصبروا
فهؤلاء أيضا يسيرون في نفس الاتجاه إذ البحث عن لقمة العيش
إنما هو عبادة وجهاد في سبيل الله فالإنسان مطالب بالعمل
وجلب الرزق وهذا داخل في صلب العبادة ومما ينبغي لهؤلاء ان
يحاولوا استغلال أوقاتهم في التسبيح والتحميد والتهليل
والتكبير تلك الكلمات الخفيفة في اللسان الثقيلة في
الميزان عسى أن ينالوا مثل ما نال أقرانهم المتفرغين
للعبادة والذين أغناهم الله من فضله عن العمل فاستطاعوا
التفرغ لها طوال الشهر المبارك وان يحسب الله لهم أجر
عملهم بما لا يقل عن الذين حبسوا أنفسهم في العبادة إذ
العمل من ضمنها وعسى أن يجدوا متسعا من الوقت خلال ما تبقى
من رمضان للتفرغ للعبادة لا سيما في هذه الأيام التي هي
مضنة ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر والتي ذكر المصطفى
صلى الله عليه وسلم وقت التماسها في قوله (التمسوها في
العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر).