إشراقات....
الدين والحياة في خطاب معاصر

ثقافة قانونية​​
قانون القوانين​​
ناصر بن عبدالله الناعبي​​


كل جماعة إنسانية منظمة لا بد وأن تحكمها بعض القواعد التي بوجودها توصف الجماعة بأنها منظمة . وبغير وجود هذه القواعد مهما كانت قليلة لا يكون لتلك الجماعة رابط أو ضابط ، ويتعذر حتى وصفها بوصف الجماعة ، إذ أنها عند ذلك لا تعدو أن تكون نوعاً من التجمع الإنساني المكون من عدد من الأفراد الذين لا تربطهم صلة واضحة مستقرة ولكن ذلك التجمع ينتقل إلى مرحلة الجماعة المنظمة أو المجتمع المنظم عندما تستقر فيه قواعد معينة تربط أبعاد ذلك المجتمع وتحدد العلاقات على نحو أو على آخر .
فأفراد الناس عندما يذهبون إلى محل عام ، ولا توجد قواعد معينة تنظم علاقتهم ببعض ، وتحيلهم من مجرد أفراد إلى جماعة لها نوع من الكيان المتعلق بها ، ذلك على حين أن مثل هؤلاء الأفراد عندما يجتمعون في جمعية هم أعضاء فيها أو حتى في ناد رياضي يشتركون فيه يخضعون لنوع من القواعد التي تنظم علاقتهم ببعضهم وتنظم كيفية اتخاذ قرار معين في تلك الجمعية أو ذلك النادي .
وأفراد الناس الذين يشتركون في الجمعية أو في النادي يمكن أن ينظر إلى مجموعهم كاملاً وأن يعامل ذلك المجموع عن طريق ممثليه في مجلس الجمعية أو مجلس إدارة النادي وفقاً للقواعد الموضوعية في هذا الشأن .
هذه القواعد التي تنظم هذه الجماعات الإنسانية يطلق عليها أحياناً لفظ (الدستور) فيقال دستور الجمعية أو دستور النادي . وعلماء الاجتماع عندما يدرسون ظاهرة الأسرة والقواعد المتعلقة بشؤونها وتطورها يتحدثون عن دستور الأسرة .
ولكن الدراسات الفقهية الدستورية لا تهتم أساساً بالدستور بالمعنى السابق ، وإنما تهتم بمعنى أكثر تحديداً وأكثر تخصيصاً للدستور ... والدستور بهذا المعنى يتعلق أولاً بالدولة باعتبارها مؤسسة المؤسسات السياسية ، وهو يتعلق بتنظيم السلطات العامة في الدولة من حيث كيفية تكوينها واختصاصاتها ببعضها وعلاقاتها بالمواطنين ، فالدستور يأتي على القمة بالنسبة للقواعد القانونية جميعاً في الدولة الحديثة وهو الذي يعطي للقواعد القانونية الأخرى سند شرعيتها ويبين السلطة المختصة بإصدارها . ويتعين أن تأتي تلك القواعد القانونية مطابقة لأحكام الدستور غير متعارضة معه وإلا كانت غير دستورية وفقدت السند الذي يعطيها قوة النفاذ .
إن الدستور هو الذي يحدد فلسفة نظام الحكم وأسسه وقواعده في الدولة وكل ما بني على هذه الفلسفة والأسس والقواعد يجب أن يكون متفقاً معها غير خارج عليها ، ذلك أنه هو قانونها الأساسي أو هو قانون القوانين ، ولا شك أنه يعكس فلسفتها السياسية والاجتماعية أياً كانت تلك الفلسفة ، ومن ثم فإنه على ذلك يعتبر الأساس الشرعي لكل الأنظمة القانونية في الدولة .
ويتبين من كل هذا الذي تقدم أن السمو الموضوعي للدستور يؤدي إلى اتساع نطاق مبدأ المشروعية . وإذا كان ذلك المبدأ يعنى ضرورة احترام النصوص القانونية العادية سواء من جانب الأفراد أو من جانب السلطات العامة ، فإن السمو الموضوعي للقواعد الدستورية يعنى أن تكون كل القواعد القانونية التي تتضمنها التشريعات العادية وكل تصرفات سلطات الدولة في إطار الحدود والقواعد التي وضعها الدستور .​​