شرفات....

قريباً من الأرض .. قريباً من الحياة
دمشق: د. محمود شاهين

كان الريف ولا يزال موضوعاً أثيراً للفنون عموماً والفن التشكيلي والضوئي على وجه الخصوص. فقد عالج الموضوعات الريفية عدد كبير من التشكيليين والمصورين الضوئيين والرسامين والحفارين في رسومهم ولوحاتهم ومحفوراتهم وصورهم الضوئية، ومن جوانب عدة، أكدوا من خلالها، الجماليات الوديعة الهادئة والمريحة للريف: طبيعة وإنساناً وعمارة وحرفاً.
ومثلما تتنوع المظاهر الطبيعية والجغرافية والإنسانية للريف، من منطقة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، تتنوع بالمقابل طرائق التعبير عن هذه المظاهر، وفقاً لخصائصها ومقوماتها المتفردة.
إن لكل ريف في العالم فرادته وعاداته وتقاليده، رغم ما يتسم به الريف عموماً، من وحدة عامة تتمثل في جملة من العادات والتقاليد والمفاهيم والقيم التي تأتي انعكاساً ورداً على البيئة وتوافقاً معها.
وما جعل الريف يستأثر باهتمام الفنانين، على اختلاف وسائل تعبيرهم، التعقيد الذي لحق بالمدينة الحديثة، رغم ما أوجده العلم والتكنولوجيا للإنسان المعاصر من وسائل حياتية كثيرة ومتنوعة، سهلت تعامله مع العديد من الأمور الحياتية اليومية، لكنها من جانب آخر، أسدلت الستار على جوانب إنسانية كثيرة مهمة من هذه الحياة، تأتي في مقدمتها: البساطة، العفوية، ومباشرية التواصل مع الطبيعة بكل ما فيها من متع تلقائية نقية وحقيقية.
هذا الجانب من الحياة الذي أسدل الستار عليه أو يكاد، عصرنا البلاستيكي البارد المحكوم بالعطالة الفكرية والجسدية والخواء الروحي، لا يزال يناضل من أجل البقاء و لا زال يتبدى في بعض مظاهر الريف الحنون الوادع والطبيعة المتحولة من فصل إلى آخر.
الريف بصورته هذه مساحة تتنفس من خلالها الروح، كلما انتصبت حولها الجدران وافتقدت الضوء والهواء النظيفين، ويأوي إليها القلب كلما تكاثرت عليه الهموم والمشاكل والضغوط.
من المؤكد أن الحياة البسيطة الجميلة المسكونة بالهدوء والنظافة والعافية والوداعة، والمنسحبة من حياتنا المعاصرة شيئاً فشيئاً، شهدتها المدينة القديمة بمجتمعها المتعاضد المتآلف، كما شهدها الريف المتعاون والمتكافل، غير أنها في الريف، تنفرد بطعم خاص ونكهة متميزة بسبب التصاق حياته بشكل واسع ومباشر بالطبيعة البكر النقية المتنوعة الأشجار والأزاهير والتضاريس.
وفي الريف، يبقى الإنسان أكثر إدراكاً وملاحظة لتبدل الفصول واستمتاعاً بها لكونه يعيش في المحرق من عملية التبدل هذه، والتي لا يدرك عمقها وسحرها وسعادتها مثل الفلاح اللصيق بأرضه، والمراقب الدائم لما يطرأ على موجوداتها من تبدلات وتغيرات من فصل لآخر، تطال الطير والشجر والنبات والمياه والغيوم والمناخ والحيوان وتالياً الإنسان.
بناء على تقدم كان الريف ولا يزال منتجعاً لكل عليل الروح والجسد، وفضاءً رحباً من الفرح لكل كئيب ومناخاً ممتازاً لتفتح الفكر والإبداع والموهبة، فيه يركن الشاعر بعمق لملهماته، والفنان لتأملاته وصوره، والفيلسوف لأفكاره في الحياة وما وراءها، والعالم لاختراعاته ونظرياته.
الريف البسيط الهادئ الجميل .. مخدة الرأس المتعب، وفضاء الروح المأزومة، وملاعب القلب المفتوحة على آفاق مليئة بشلالات الضوء، وهواء الحقول النظيفة، والألوان السعيدة المبهجة. نلوذ إليه كلما دقت الغصة حلوقنا، وتراكم الصدأ فوق أحاسيسنا وغطى الرماد جمر الحياة في أيام العمر الهارب إلى النهاية بسرعة عجيبة.