شرفات....

التـأثر في الـرواية العـربية
حمود حمد الشكيلي

إن للمويلحي دورا هاما في تجنيس النص السردي الطويل، فمنذ أن نشر عمله متفرقا على صفحات «مصباح الشرق» )1( أواخر سنة 1898 والعمل يلاقي اهتماما من قبل القراء عامة، والباحثين خاصة. قام المويلحي بجمع ما نشر، واصدر كتابه بعنوانين (2) أحدهما بخط كبير، والآخر بخط صغير، عنوان الخط الكبير كان لجملة «حديث عيسى بن هشام» وعنوان الخط الصغير كان لجملة «أو فترة من هذا الزمان»
إن قراء حديث عيسى بن هشام، فطنوا إلى أن عيسى بن هشام هو راوي مقامات بديع الزمان الهمذاني، فذاك يحيل إلى مفتاح تأثر المويلحي ببديع الزمان خاصة، وبالمقامات العربية عامة، يتضح هذا من لغة المويلحي، إن هذا التأثر استطاع أن يعطيه نصا غنيا بالأحداث، وبنقد المجتمع الذي عاش فيه، كما أن العنوان الصغير الذي قد يحيل إلى رواية منبتها عربي، فالمويلحي استفاد مما لم يستفد منه غيره من روائيي القرن العشرين، عدا قلة قليلة، منهم مثلا الروائي التونسي محمود المسعدي في روايته الشهيرة «حدث أبو هريرة قال».
التأثر

في حالة أن آمنّا بأن الرواية العربية متأثرة بالآداب الأجنبية، ينبغي علينا قبل الاقتناع بالتأثر ودرجاته، أن نسعى إلى تحديد أول رواية عربية، حيث إن النقاد ومنظري الرواية العربية قد اختلفوا في أمر أول رواية عربية:

«يذهب «محمد يوسف نجم» إلى أن أول محاولة كبيرة في القصة الاجتماعية كانت على يد سليم البستاني الهيام في جنان الشام 1870م. يؤكد «منصور قيسومة» إلى أن المرحلة الأولى من تاريخ الرواية العربية تبدأ مع ظهور «علم الدين» لعلي مبارك سنة 1882 . في الوقت الذي يذهب جابر عصفور إلى أن أول رواية عربية هي «غابة الحق» لفرنسيس المراش سنة .1865
وبعد أربع سنوات من اكتشاف جابر عصفور لأول رواية عربية يأتي حلمى النمنم باكتشاف آخر وهي رواية غادة الزهراء لزينب فواز سنة 1899» «3»

بينما يذهب محمد سيد عبد التواب إلى أن أول رواية عربية هي رواية «وي .إذن لست بإفرنجي» لخليل أفندي الخوري، وقد حصل على طبعتها الثانية، وكانت تلك الطبعة قد صدرت 1860م، وهو بهذا الاكتشاف جعلها تتصدر قائمة الروايات العربية بغير منازع.

وتذهب آراء الكثيرين إلى أن رواية زينب أول رواية عربية، وقد أكد محمد حسين هيكل في مقدمة روايته «زينب» مناظر وأخلاق ريفية أنه نشرها سنة 1914م، وفي طبعتها الأولى نشرها باسم فلاح مصري، كما أكد أنه بدأ كتابتها سنة ،1910 وفرغ منها في مارس ،1911 فهو يرى أن روايته محظوظة، فقد كتب جزء منها بباريس ولندن وجنيف، هذا ما أكده في مقدمة الطبعة الثالثة.
وعندما نؤكد أن رواية زينب متأثرة بالأدب الفرنسي، فذلك واضح من خلال ما قرأه مؤلفها من نتاج الأدب الفرنسي، أثناء دراسته بباريس في العقد الأول من القرن العشرين:
«وكنت ولوعا يومئذ بالأدب الفرنسي أشد ولع، فلم أكن أعرف منه إلا قليلا يوم غادرت مصر وبضاعتي من الفرنسية لا تتجاوز الكلمات عدا. فلما أكببت على دراسة تلك اللغة وآدابها رأيت فيها غير ما رأيت من قبل في الآداب الإنجليزية وفي الآداب العربية» «4»
فهو أكد أنه كتبها تحت تأثير الحنين لبلده مصر، كتب في مقدمة روايته أن الرواية لمصر ولأخته «زينب إذن ثمرة حنين للوطن وما فيه، صورها قلم مقيم في باريس مملوء مع حنينه لمصر إعجابا بباريس وبالأدب الفرنسي». «5»

يرى حلمي بدير في كتابه «دراسات في الرواية والقصة» إن رواية زينب تمثل نقطة التقاء ثقافتين:
«محاولة هيكل في زينب تمثل ثمرة اللقاء بين الفكر العربي وأدبه، والفكر الفرنسي وأدبه على وجه الخصوص، فهي لم تستطع التحرر تماما من قيود البيئة المتمثلة في الطبيعة الشرقية، وطبيعة الأسلوب الغالب على الكتابة الأدبية من ناحية، ثم محاولة اللجوء لوصف الطبيعة أحيانا، والتقريرية أحيانا لإرضاء الذوق المحلي ... رغم سعة ثقافة كاتبها واطلاعه على ثقافة الفرنسيين وكتابهم وتوقفه على بعض كتابات جون ستيوارت ميل في الحرية والعدل لهربرت سبنسر والأبطال لتوماس كارليل التي كانت بعض ما لفت الفكر العربي في الفكر الغربي» «6»

وإلى أي مدى يصح اعتبار «زينب» لمحمد حسين هيكل رواية، أم أنها عبارة عن مناظر وأخلاق ريفية، يتساءل سيد البحراوي في كتابه محتوى الشكل في الرواية العربية، ويطرح سؤالا يؤكد فيه هل زينب هي أول رواية مصرية؟

يناقش الرواية ويستنتج زاعما بتحليلاته إلى أن نص «زينب» ليست رواية على الإطلاق، «أشارت التحليلات السابقة إلى أنها تبعده عن أن يكون رواية بالمعنى الدقيق، وعن أن يكون رواية مصرية حقيقية كما زعم بعض النقاد» «7»
كما أن سيد البحراوي يتساءل، فيما إذا كان محمد حسين هيكل استطاع أن يكتب رواية عربية توازي ما تأثر به من الأدب الفرنسي فيرى:
«بصرف النظر عن العلاقة التي يحاول بعض النقاد إقامتها بين زينب وبعض الروايات الفرنسية (8) لأن القضية ليست قضية تأثير كمجال من المجالات التقليدية في الأدب المقارن، بل قضية تبعية ذهنية تغوص إلى الأعماق السحيقة لدى أبناء هذا الجيل من المثقفين البرجوازيين، فربما اطلع هيكل على جولي أو هلويز الجديدة أو غيرها (9) وربما تأثر ببعض عناصرها أو بإطارها العام . لكن هل نجح في أن ينتج رواية في قامة ما تأثر به؟ يستحيل لأن مثل هذا الإنتاج كان يحتاج إلى شروط أخرى تماما، أولها أن لا يكون همه أن ينقل هذا النص أو هذا الإطار، بل أن يستفيد منه إذا أمكن، بعد أن يكون قد عايش تجربته هو الشخصية في مجتمعه هو وحلمه العميق النابع من الاتصال الحميم بأحلام البشر لا أن يحلم حلما مزيفا مفروضا عليه من الخارج ويحاول هو أن يفرضه على جماعته وعلى لغتهم وعلى شخصياتهم وأحداثهم التقليد لا ينتج فنا بل صورة مشوهة وإنتاج نوع أدبي جديد لا يتم بنقله عن الآخرين، وإنما بوعي عميق بإمكانيات الأنماط الأدبية الممكنة في الواقع»«01»
فإذا كان هذا هو الحال في زينب لمحمد حسين هيكل، فما الأسباب التي جعلت منظري الرواية ونقادها يزعمون أنها أول رواية عربية ومن هؤلاء مثلا:
محمود تيمور، ويحيى حقي، وعبدالمحسن طه بدر، وبينما هم يذهبون إلى تأكيد هذا الرأي، تجاهل الكثيرون رواية، وي. إذن لست بإفرنجي لخليل أفندي الخوري، وتم تهميشها، رغم أن قارئ دراسة محمد سيد عبد التواب يرى أنها الأولى والأحق بأن تتزعم الروايات العربية .

حيث إنها تصدرت الروايات العربية قاطبة من حيث سنة الصدور، فيرى محمد سيد عبدالتواب في دراسته لهذه الرواية أن كاتبها «كان يمكن أن يكون من أهم المراحل الانتقالية لولا تهميشه وعدم إدراك النقاد لهذا الكاتب الفذ أو لهذا الرائد المجهول المجدد على حد تعبير مارون عبود» «11»
إن رواية خليل الخوري كانت ستشكل منعطفا في تاريخ الرواية العربية، لكن الإهمال الذي قابلته جعل الكثيرين ينسون فضل صاحبها، حيث خرجت الرواية في سردها أفضل عما في رواية زينب لمحمد حسين هيكل، في هذه الفكرة نفسها يذهب محمد سيد عبد التواب ويقول «كان يمكن لهذا النص أن يؤثر في تاريخ الرواية العربية لو اهتم بها الكتّاب فقد تميز هذا النص بالعمق في تجسيد الأحداث والشخصيات تجسيدا واقعيا مترابطا في لغة عصرية بسيطة وغير معقدة على مستواه الفني أما من ناحية المضمون فقد نجح الخوري فيما فشل فيه كثيرون بعده في الوعي بالهوية العربية، وذلك من خلال معرفة الذات العربية وفهم احتياجاتها وبذلك استطاعت هذه الذات أن تتخلص من التبعية للغرب وهي بذلك تبدأ خطواتها الحقيقية في طريق الهوية العربية وهذا ما رصده لنا الخوري من خلال أحداث الرواية» «21»
خلاصة الرأي هو أن الرواية العربية لا تخلو أبدا من كونها متأثرة بالآداب الأجنبية، وذلك نتيجة أسباب عديدة، فقد ساهمت حملة نابليون على مصر في فتح آفاق عديدة، ونتيجة لهذه الحملة ظهرت عوامل مهمة كانت السبب في بروز وظهور الرواية العربية الحديثة في الشكل والمضمون، وهي الرواية المتشكلة بالوعي الفني والتقني، وقد تشكلت هذه الرواية مع أول عهد للروائي المصري، العربي نجيب محفوظ