شرفات....

في انتظار تغيير العالم
عائشة السيفي

لا أدري ما هو المميز تحديداً في ذلك المطعم ! ولا أدري إن كان العاملون فيه قد حفظوا شكلي أما أنا فقد فعلت .. في كثيرٍ من الأحيان كان هذا المكان مقصدي المفضل للقاءِ صديقةٍ أو الاجتماع بأفراد من عائلتي وربما كان المميز فيه أنه يحتفظ بالكثير من عذرية المكان التي فقدتها أنحاء كثيرة من مسقط .. وربما كان لاسم المطعم تحديداً خصوصيته.. أذكر أنني دعوت صهري إليه مرةً وقد شاطرني لاحقاً رأيي فيه بل واجتمعنا كثيراً فيه فيما بعد .. قال لي ما الرابط بين اسم المطعم وهُوِيّته؟ والحقيقة أنني ظللت برهة مستغرقة في الربط بينهما وهو ما لم أستطع أن أهتدي إليه..
كان هذا المطعم يحتفظ بخصوصيته كذلك لأنه حمل رائحة بعض الأصدقاء الذين ربما لن تتسنى لي الفرصة أن ألتقي بهم مجدداً دون أن يضع القدر ماكياجه على وجه الزمان والمكان .. أذكر أن سوزان عليوان وصفته حين كانت بمسقط بأنه شرفة لتأمل طفولة مسقط وربما شاطرها الرأيَ لاحقاً أمجد ناصر وعدنان الصائغ اللذين التقيت بهما أيضاً في غداءٍ لطيفٍ جمعني بهم مع عدد من الأصدقاء ..
كانت صديقتي رقية قد عادت من لندن حيث تدرس الجيوفيزياء وكنتُ كذلك قد أنهيت امتحاناتي النهائية في الجامعة فاتفقنا على أن نلتقي للغداء في تلك الشرفة كي نتأمل مسقط ونتأمل معها الكثير من أشياء غير القابلة للمحو من الذاكرة..

بدا الظهر قائضاً وكانت الحرارة شديدة غير أنني فضلت أن أختار مقعدي في الخارج ربما لأنني لا أطمئن كثيراً للأماكن المغلقة، قلت في نفسي: سأؤجل جلوسي لاحقاً حتى أعقد صداقةً مع الحيطان!
كنت أعرف جيداً أنني سأنتظر رقية فيما لا يقل عن نصف ساعة، لأنها وإن احتفظت بمسحة من صرامة اللندنيين وقليلاً من لكنة إنجليزيتهم إلا أنها فشلت كثيراً في استنساخ انضباطهم الخاص بالوقت، ذلك الذي لم تُجدِ عقارب الساعة يوماً على تعديل شراسة الانتظار الذي كنت أغرق فيه دائماً بانتظار رقية ..

قلتُ لعلي أؤنسني بكتابٍ لحين وصولها غير أني تذكرت أنني شحنت كل الكتب بعيدا عن مسقط، ولم أجد ما أسكتُ بهِ نهم الوقت إلا (ما يقول الحب للغرباء) وقد بدا الأقرب فعلاً لذلك ..
لم أنتظر كثيراً رقية فالذي حدث أنني اصطحبت جهاز الآيبود وبدأت في تصفح معاوية الرواحي الذي احتفظت بالكثير من مقاطع قصائده في ذاكرتي .. وكنت أبتسم كثيراً حين أتذكر عادة طالما رافقتني .. وهي أنني حين أحب أغنية ما، أظل أسمعها إلى أن أملّها وقد كنت من عادتي أن أمسح كل الأغاني من الآيبود سوى الأغنية التي لمع نجمها في ساحتي حتى أملّ منها وتحل مكانها أغنية جديدة .. تلك الأيّام كنت أستمتع بصحبة جون ماير الذي ابتسم حظه لي في أغنيتهِ Waitin on the world to change

وحينَ كان جون ماير يعيد نفسه للمرة الخامسة ربما من استماعي لأغنيتهِ فوجئت بصوتٍ يقول: لا ينقصك سوى فنجان قهوة لتكتمل القعدة .. ولذا سأعتبرني فنجان القهوة الذي سيكمل قعدتك ..
الحقيقة أنني ظللت برهةً لأستوعب ملامح هذا الرجل الذي وقف أمامي وربما لعنت الثواني اللاحقة من الصمت وأنا أتفرس في وجهه وربما ما جعلني أدخل في حالة صمت لاحقٍ هو أنني كنت أستوعب إلى أي مدى يبدو هذا الرجل قريباً ليمازحني ويدعو نفسه للمكوث عند طاولتي رغمَ عدمِ دعوتي له بذلك ..
حسم الرجل حالة العصف الذهني الذي حشرني فيه وحين قال لي : شو عاملة الحياة معاك؟ انتبهت لحظتها أن هذه الجملة لا يقولها سوى شخصٌ واحد..
الحقيقة أنني لم أذكر اسمه وإنما استرجعت كل التفاصيل التي أعرفها عن هذا الرجل..

وتذكرت أنه أضافني مرةً إلى قائمة مضافيه في الماسنجر وأننا تحدثنا مراتٍ قليلة ومن ثم لا أدري ما الذي حدث سوى أنه تحول إلى قائمة المحظورين الكثر في ماسنجري.

أذكر أنه سبق وحضر جلسة فاشلة قدمتها العام الماضي وأنه حضر جزءاً منها ثم غادر سريعاً ولم يكن يحتاج عذراً فأنا ذاتي استغربت كيف استطاع بعض الحضور الصمود والمواصلة لنهاية الجلسة التي مللت أنا ذاتي منها.

لاحقاً حدث وأن أقيم معرض الكتاب الدولي العام الماضي وقد زرته برفقة صديقتي في الكلية .. وبينما كنت أتجول في المعرض صادفته وجهاً لوجه غير أنني تصرفت وكأنني لا أعرفه .. وربما لم يكن هذا الرجل يعرف أنني من أولئك الأشخاص الذين يتعرفون إلى هُويّة الوجوه بسرعة وإن كنت أتظاهر في كثير من الأحيان بأني لا أعرف من حولي في الوقت الذي يعرفونني فيه .. وقد تبدو هذه العادة مقيتة بعض الشيء إلا أنها تبدو مفيدة خاصة مع هذا الضيف الذي فرض نفسه فجأة عليّ ..
التقيت به في المعرض وظل هذا الرجل خلفي مثل ظلي .. ولا أدري ما الذي كان يريده بالضبط والذي كنت أعرفه أنه ظل كلما تصفحت كتاباً تصفحه خلفي .. هل كان يجري تحقيقاً حول نوعية الكتب التي سأختارها .. أذكر أنني وقفت طويلاً عند دار الانتشار العربي وأن الذي قطع هذه الملاحقة الغريبة هي أنني كنت على وشك شراء رواية (المعلقة الأخيرة) لحسين العبري وفي تلك اللحظة سمعت الدكتور حسين يخاطب البائع بالقول .. (هذي لازم تعملها تخفيض) .. وحين التفتّ وجدت الدكتور حسين وبرفقته الدكتور عبدالله الحراصي وانتهزت فرصة لقائه بتوقيعه نسختي التي سأشتريها، وبعد دقيقة استأذنني لينصرف وحين التفتّ حولي كان ذلك الرجل قد اختفى .. أين ذهب وإلى أين غادر .. لقد اختفى فجأة ..
ما رويته الآن مر بسرعةٍ ضوئية على ذاكرتي قبل أن أعلّق بنبرة متكلّفة : لا بأس أهلاً بك .. ولا أدري هل شعر ضيفي الفجائيّ إن كنتُ أرحّب به فعلاً أم أدعوه للانصراف! وفي الحقيقة لم أكن ملامةً أبداً فهي المرة الأولى التي كنت أتشاطر فيها طاولة مع رجلٍ غريب، فكيفَ برجلٍ دعا نفسه دون أن يستأذنني حتّى وربما افترض الرجل أنه بمكوثه ذلك سيقطع عليّ دقائق بطيئة كثيراً ما تفرضها العزلة والبقاء وحيدةً في مطعم كان جميع زبائنه يأتون أزواجاً أزواجا وكنت الوحيدة الفرادى بينهم!
لم أعرف حتى ما الذي ينبغي أن أتبادله معه من حديث فأنا حتى لا أذكر من تفاصيل الرجل أكثر من ذلك اليوم الغريب الذي التقيته فيه بمعرض الكتاب..
بين الحين والآخر كنت أسترق النظر إلى فتاةٍ انضمت لاحقاً إلى زبائن المطعم والحقيقة أنها لفتتني لأنها وصلت مثلي وحيدةً دون رفقة، ما أن وصلت حتى أشارت للنادلة .. وبعد قليلٍ أحضرت لها النادلة عصيراً .. ظللت أحدق بها طويلاً فقد بدتِ الفتاة عمانيةً .. عمانيةً جداً وما أعنيه أنها كانت ترتدي العباءة والشيلة ولم يبد على تقاطيع وجهها ككثيرات من الجنسيات العربية الأخرى اللاتي يترددن دائماً على المطعم وكثيراً ما يلجأن للعباية والشيلة لمنحهن بعض الخصوصية في تصرفاتهن .. كنت أتساءل أي عصيرٍ طلبتْ .. وشعرت برغبة في الضحك وأنا أستحضر الأنواع المفترضة للعصِير الذيْ بدَا قانيَ اللّون .. كانتِ الفتَاة تحتسيْ العصِير بسرعةٍ عجيبَةٍ وتلقمهُ فمهَا مرةً واحدَة .. بدتْ تفعلُ ذلكَ لتبديدِ الكثير من الألم .. ولم تطل الفتاة انتظاري إذ سرعان ما أنهت كأسها الأول وطلبت الثاني
لم يطل الرجلُ الانتظار فسرعان ما أشار إلى النادلة التي أعرفها جيداً .. والتي كانت في كل مرة ألتقيها بذات الهيئة حتى تصفيف الشعر الذي كانت تحب أن تقسم مقدمته إلى نصفين ليلتقيا في مؤخر رأسها حيث تطلق بقية شعرها للوراء في انسجام بديع.. وفي تلك اللحظة كنت أحدق في الفتاة التي طلبت كأسها الثالث وقد شعرت بالشفقة الكثيرة عليها .. أعتقد أنها ربما فعلت ذلك إثر نكسة عاطفية مؤلمة .. ربما كان وراءها رجل .. أو لأنها خسرت في سوق البورصة .. لا لا، لابد أن وراء احتسائها المفرط هذا رجلاً ما .. طلب ضيفي فنجان قهوة ثمّ علّق سائلاً عن الأغنية التي أسمعها من الجهاز؟
أخبرتهُ فعلّق ضاحكاً: وأخيراً! ثم أكمل : شيئان تغيّرا فيك بعد عام .. أصبحتِ تسمعين الأغاني الغربية بعد أن كنت لا تطيقينها ونظّاراتك .. والحقيقة أن تعليقه أضحكني بشدة: لأنه ذكرني مباشرة بصديقةٍ كانت تشاطرني مقعدي أيام الدراسة الثانوية والتي حين التقتني تملّت فيّ طويلا ثم علقت وهي تتفرس في وجهي: أشعر أنك أصبحت علمانية .. وقد استغرقت يومها في ضحك هستيري للحد الذي شعرَتْ فيه محدثتي بأن أختكم قد سمعت واحدة من نكات عادل إمام السخيفة في مسرحياته الأخيرة..
لم أملك نفسي من الضحك على تعليقه الذي ألقاه عليَّ بكل ثقة، قلت له: شايف كيف؟ بس ما أدري هل هذا يعدّ إطراءً أو ذماً .. سكت محدثي ولم يعلّق وإنما اكتفى بتحريك الطرف الأيمن من فمه والذي كانت محدثتكم من الذكاء بحيث أنها لم تفهم ما تعنيه هذه الإشارة ..
وبما أن ذلك اليوم كان يوم الأربعاء فقد علّق ضيفي على مقالي بجريدة الوطن بالقول: لا تجيدين لعب دور المدافعة عن المواطنين.. أعتقد أنك تجيدين لعبة إحياء الموتى أكثر وقد فسرت عبارته الأولى بمقالي الذي طرحته في تلك الأربعاء بعنوان: يحدث في عمان، وأما النصف الآخر فقد بدا أنه يشير إلى مقالي: ناصر غيّرَ عاطفته القديمة ..
قلت له ببرود: الأمر هو وجهات نظر، وإليك أمي مثلا، فهي تحب أن أضرب في مقالاتي على وتر مواطنتي أكثر من إحيائي للموتى كما تقول ..
لم يترك لي فرصة إكمالي وجهة نظري وقاطعني بقصة غريبة للغاية لم أجد لها تفسيراً منطقياً حتى هذه اللحظة .. حكى لي: في إحدى الكنائس البريطانية وقف كاهن لأداء قداس الأحد ومن بعيد كان يلمح كل يومٍ في آخر سطر من المقاعد طفلا صغيراً كان يحضر بشكلٍ دائم .. ذلك اليوم قرر الكاهن أن يسأل الطفل إن كان ثمة ما يريد البوح عنه .. قال له الطفل أنه قتل كلباً وأنه كان يسأل إن كان سيدخل النار على إثر ذلك .. وحين سأله الكاهن: لم قتلته؟ قال: لأنه عضّ خدّ أخته.. فقال له الكاهن وما أكثر ما يخيفك؟ فأجابَ الطفل : أن أجد الكلب ينتظرني وأنا في الجحيم ..
سألني بعدها، لا تكتبين لأجل المواطنة، تكتبين لأجل ردة فعل المواطنين ..

والحقيقة أنني ترددت في الإجابة كثيراً ليس من أجل السؤال بل من أجل ربط القصة بالسؤال .. قلت له بعد أن شعرت بأن الرجل سيتكهن إثر تأخيري في الإجابة بأنني غير قادرة على إجابته فأسرعت في القول : أعتقد أن ردة فعل المواطنين مبرر كافٍ لمواطنتي ! رد بسرعة: وتكتبين من أجلهم هم لا من أجلك .. قلت له: في كثيرٍ من الأحيان نعم، وفي النهاية فعمودي مفتوح على جميع الخيارات ..

الحقيقة أن أسلوبه في الحديث ذكرني بأسلوبي سابقاً في إصدار أحكام مسبقة حول الأشخاص الذين أحدثهم فأنا أطلق الحكم دون أن أسألهم رأيهم أولاً ثم أعلّق وقد ذكرني ذلك مرةً حينَ جمعني ذات المطعم بأمجد ناصر بحضورِ عدد من الشعراءِ والشاعراتِ في مأدبة غداءٍ ولأن أمجد ناصر من الأردن فقد قلت له في نبرة سؤال ممزوجة ربما بحكم مسبق .. قلت له: الرقابة الثقافية في الأردن متعِبَة قليلاً .. ويبدو أن الرجل استاء من حكمي فقال لي: تتكلمين وكأنك في الهايد بارك .. وقد أطلقت الصديقة ريم اللواتي التي كانت تستمع لحديثنا لحظتها ضحكة كانت تحاول بها تلطيف الجو ربّما، قلت له: لا أدري! أعتقد أننا لم نصل في عُمان لمرحلة أن يتحدث خطباء الجوامع بالاسم عن مثقف وينزلوا فيه شتماً وتقريعاً وتكفيراً أمام المصلين كما حدث أكثر من مرةٍ لديكم، ولم نشهد في عمان سلسلة المحاكمات الدينية التي يتعرض لها مثقفو مصر بشكلٍ متواصل..
ولا أدري كيف قضينا يومها على تكهرب الجو، لكني أذكر أنني تعلمت من يومها ألا أفتي أمام مثقفٍ عن بلدهِ قبل أن يفتي الرجل عن بلدهِ..
فجأة ألجمني سؤاله حين قال: هل تعرفينني؟
تجرعت كثيراً قبل أن أجيبه : نعم أعرفك .. فرد بسرعة : من أكون؟

قلت له: ذلك الرجل الذي التقيته بمعرض الكتاب ..
توقف الرجل عن احتساء القهوة وظل يحدق بي طويلاً، ثم انفجر ضاحكاً: يعني كنتِ تعرفينني يومها؟ قلت له: بالتأكيد، فقط تظاهرت بعدم معرفتك .. ضحك كثيراً ثم وقف وحرك اصبعه تجاهي قائلاً: يا ملعونة .. ثم وقف وغادرني فجأةً كما فرض نفسه فجأة عليّ تاركاً إياي في حالةٍ من الدهشة والصدمة فمحدثي لم يكتفِ بدعوة نفسه لاحتساء القهوة على طاولتي التي لم أدعُه إليها بل وودّعني بألطف تحية وداع صادفتها في حياتي، وكان عليّ أن أمضي الدقائق اللاحقة في استيعاب أنني تعرضت لتوي ولأول مرةٍ للعنِ أمام وجهي ..
ظللت لحظاتٍ هكذا إلى أن قطعت رقية لحظات صدمتي بقولها : مالك تحكي ذقنك مثل المصفوعة .. قلت لها بنبرةٍ غاضبة: لأنك يا عزيزتي عرضتني بتأخيرك هذا للعنِ لأول مرةٍ في حياتي وليس هذا إلا بفضلك..
ضحكتْ كثيراً وعلقت بانجليزيّة بريطانية : what a lucky girl I am ..«يالي من فتاة محظوظة» عانقتها طويلاً وكنت أفكر في تلك اللحظة، بأن اللقاء الذي جمعني مع ذلك الضيف الذي لم أعرف اسمه حتى هذه الدقيقة لم يكن بذلك السوء .. على العكس .. استمتعت بوجوده كما استمتع هو بفنجان القهوة الذي احتساه سألتني صديقتي ما جديدي من الأغاني في جهاز الآيبود.. قلت لها لا شيء سوى جون ماير .. فغرت فاهها وتمتمت: يا شيطانة !! وماذا فعلت في النصف ساعة التي تأخّرتها؟ قلت لها: لا شيء .. فقط Waitin on the World to Change .. «كنت انتظر تغيير العالم» وغرقنا في الضحك معاً !.