مصطلح الثقافة من المصطلحات
التي كثر الحديث حول دلالتها، فهناك من يرى أن هذا المصطلح
مبتدع مخترع لمنافسة العلم وسدنته من الفقهاء، وهناك من
يرى أن هذا المصطلح ليس له أصل في اللغة فلهذا هو مشكل ولا
يخلو من الالتباس، وهناك من يرى أن هذا المصطلح لا يشذ عن
غيره من المصطلحات المتأثرة بالبيئة التي نبتت فيها، ومع
تقديرنا لأصحاب هذه الأراء جميعاً إلا أننا نرى أن هناك
مساحة للاختلاف مع أصحابها، فالثقافة ليست مصطلحا مبتدعاً
كما أنها لم تنبت في بيئة غير بيئتنا وإن كنا نعترف بأن
دلالته قد تم تفعليها عند الآخرين أكثر مما تم عند العرب.
يقول ابن منظور في لسان العرب: (ثقِفَ الشيءَ ثقفاً
وثِقافاً وثقوفة: حَذَقَه. ورجل ثَقْفٌ وثقِفٌ وثقُفٌ:
حاذق فهم. ابن السكيت: رجل ثَقْفٌ لقفٌ إذا كان ضابطاً لما
يحويه قائماً به. ويقال ثقِفَ الشيءَ وهو سرعة التعلم).
فالثقافة هي الحذاقة وحسن الفهم وسرعة التعلم. وقد وردت
مفردة (ثقف) في القرآن الكريم في ستة مواضع وكلها تتحدث عن
(الظفر والتمكين) كما في قوله تعالى «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
ثَقِفْتُمُوهُمْ{البقرة: .191 وهي لا تخرج عن المعنى
اللغوي الذي يتحدث عن الظفر بالمعرفة والتمكين من العلم.
فمصطلح الثقافة إذاً هو مصطلح أصيل في العربية، كما أن
للمثقف دلالة قرآنية ظاهرة وهي الظفر والتمكين وهي لا تكون
إلا للمتمرس المقتدر.
في العقود الأخيرة بدأ مصطلح الثقافة يصاب بشيء من
الهلامية في الدلالة بسبب اشتباك مدلول مصطلح الـ
«Culture» الأوربي مع مصطلح الثقافة العربي، فمهموم الـ
(Culture) يُعبر في البيئة الغربية التي نشأ فيها عن
العادات والتقاليد والأعراف والمنتجات الصناعية والفنية
والأدبية لشعب ما. ولم يجد المترجم العربي مفردةً تقرتب في
دلالتها من مفهوم الـ (Culture) سوى مفردة زالثقافةس، وفي
تصوري أن المترجم العربي لم يسعفه فهمه للمصطلح الغربي
فأساء تأويله، كما خانته حافظته للألفاظ العربية فلم يحسن
الاختيار، فصارت مفردة زالثقافةس مرتبطةً عضوياً ونسيجياً
بـمصطلح الـ (Culture)، وصار من الصعب الفصل بينهما مما
فرخ حالة من الهلامية والالتباس في مفهوم الثقافة.
لقد شحن ابن خلدون مقدمته بمصطلحات اجتماعية غاية في الدقة
والكمال مثل الطبائع والعوائد، والعادات، والعمران،
والتمدن، والحضارة، ولعل مصطلح الحضارة هو أقرب الجميع إلى
مفهوم الـ (Culture)، ولكن هذا المصطلح قد تم استنزافه
مسبقاً من قبل المترجمين للتعبير عن المفردة الأوربية (Ctivilization)
التي تعبر في جوهرها عما يعبر عنه ابن خلدون بـ زالتمدنس،
ومصطلح ابن خلدون التمدن هو أقرب من مفردة «الحضارة»
للتعبير عن المصطلح الأوربي (Ctivilization) التي تعني
بالتحديد المدنيّة، لكن سيف الترجمة الخاطئة سبق العذل،
واستقرت المفاهيم بالتباسها الذي نعيشه. إن ما نريد الخلوص
إليه من هذه المعمعة الدلالية أن مفهوم الثقافة هو
بالتحديد: الحذاقة في الفهم وسعة التمكين في العلم.
والمثقفون بالتالي هم النخبة من المتعلمين الذين يتصفون
بصفة التمكين في العلم مع حكمة وحذاقة في الفهم.