حوار: محمد الحضرمي
خالد بن علي المعمري شاعرمطبوع، يكتب وكأنما يرسم بالقلم
صورا شعرية باذخة الجمال، لغة شفيفة، تنساب مع الوزن في
سياق أنيق، حيث لا تشعر بتكلف وهو يكتب قصيدة القافية، كما
لا تشعر بتطويل وإسهاب في كتابته لقصيدة التفعيلة، وحيثما
تكتمل الصورة يضع نقطته ويتوقف. صدر للشاعر مؤخرا مجموعة
شعرية حملت عنوان (وقال نسوة في المدينة)، التي يبدوا فيها
مشبعا بسور القرآن الكريم كما يعترف هو بذلك، ويؤكد
المعمري في هذا الحوار الذي أجراه معه شرفات أن المدن
البعيدة عن الحواضر شكلت فضاء ممتداً أمام الأدباء والكتاب
في محاولة للنأي عن كتابات «التمدن أو المدنية». ويبدو في
مجموعته الشعرية مسكونا بهاجس الموت، لذلك لا يرى المعمري
أنها سلبية، إذ أنَّ الموتَ هو ما يولِّدُ الحياة ويعيد
التجدد للروح، ويعد خالد المعمري أحد الأصوات الشعرية
الشابة التي ظهرت بقصيدة مقفاة متميزة، تختلف لغة وأسلوبا
عن القصيدة التقليدية، لذلك فهو لا يفكر في كتابة النص
النثري، لأنه حسب قوله: يستوجبُ اشتغالاً قوياً، وقليلون
الذين نجحوا في ممارسة هذا النوع من الكتابة.. ومع تفاصيل
هذا الحوار.
(وقال نسوة في المدينة).. الباكورة الشعرية الأولى لك ..
ما هي قصة هذا العنوان؟
القصة تكمنُ في داخل النص، والعنوانُ بوابةٌ أولى له،
استحضرتُ هذا العنوان في محيط داخلي كان النص يعيشه في
الواقع، وكأن الزمن هو الزمن نعيشه في الماضي، وفي الحاضر،
وسنعيشه في المستقبل، نسوة المدينة إحدى الأطراف التي عملتْ
على تشكُّلِ هذا النص، وساهمتْ في إيجاد قاعه الشعري،
تداخلتْ في صُلبِ الحكايةِ فكانت حكايتهن تنمُّ عن «رحيلٍ
أبدي»، العنوان يحيلُ إلى صراعٍ داخلي لحظة ولادة النص،
ربما يكشف شيئا مما غاب منه، واحتفظ ببقية أسراره لوقتٍ
آخر.
في هذه النص تأثر قرآني كبير بسورة يوسف.. كيف استطعت أن
تجمع بين الصورة والمعنى القرآني في صياغة نصك الشعري؟
هناك تناصٌ كبيرٌ مع المعاني القرآنية في أغلب نصوصي وليس
في هذا النص فقط، لا أنكرُ ذلك، فهو ما يولّده الحضور
القرآني لديَّ لحظة الكتابة الشعرية، في هذا النص بالتحديد
حاولتُ أن أكوّن صورة حية وعلاقة مستمرة بين الصورة التي
أحاول رسمها، وبين المعنى القرآني، فكانت ولادةً مترابطة
بين الاثنين، مثل:
ما بالها ..
تهوى حكاياتِ الفراغ برحلتي
وتقـول اني :
- حينما كانت تلـم ضياءها -
«راودْتُها عن ظلها»
وبالتالي أحاولُ أنْ أجعلَ هذا الحضورَ بهياً عند تكوّنه،
فلا تكون الصورةُ جامدةً أو مستنزفةً لحظة التشكل.
أنت تسكن في لوى، ومن مدن الأطراف البعيدة عن مسقط ظهر
شعراء وأدباء كثر.. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟
كثيرا ما شكلتْ القرى البعيدة عن المدينة فضاءً ممتداً
أمام الأدباء والكتاب في محاولة للنأي عن كتابات «التمدن
أو المدنية» إن صح التعبير، فظهرت ملامح البيئة في نصوصهم
الأدبية، لا نستطيع أن ننكر أنَّ هناك كُتّابا من هذه
المناطق البعيدة عن مسقط أبدعوا في كتاباتهم، ورسموا
لأنفسهم مساراً مميزا، وبعضهم تأثر بمحيطه الجغرافي
وموروثه الخاص فشكل نصوصا تتحدث عن تجربة مختلفة، وإبداعاً
مميزاً لم يصل إليه الكثيرون من غيرهم.
محيط القرية وفضاء الكتابة
ما هو تأثير مدينتك لوى على شعرك؟
كما ذكرتُ أنَّ محيط القرية يكوّنُ فضاءً ممتداً أمام
الكاتب وقتَ الكتابة، أحاول أن أستجمع كل العناصر التي
تتميز بها ولايتي لأكوّن بُعداً خاصا لنصي، أستجمع (البحر،
الجبال، النخيل) حتى مشهد القرية أحاول أن أكوّن من خلاله
حضورا مستفيضا داخل النص، وبالتالي فإن التأثير كبير في
كلِّ شيء، فضائها، عالمها الخاص، موروثها، أصوغ من خلاله
نصا شعريا جديدا.
٭ في نصوصك التي ضمنتها مجموعتك الشعرية حضور طاغ لصور
الموت، كما في (فواصل مدينة تحتضر)، و(شموع لنافذة الموت)،
و(مواويل في كفن التاريخ)، وغيرها من النصوص.. لماذا هذه
السلبية؟
ليست سلبية كما تتصورها، في رأيي الشخصي أنَّ الموتَ هو ما
يولِّدُ الحياة ويعيد الروح متجددة، ألا ترى أنَّ الموت هو
حياة أبدية، وعليه تأتي أغلب نصوصي مسكونة بهذا الهاجس؛
لأنَّ الموتَ يضفي عليها حياة جديدة، ويُلْبسُها ثوباً
آخر، وبعيداً عن ذلك، الموتُ يمنحُ الفكر صوراً وأخيلةً من
خلال فلسفة التأمل، يستطيع الشاعرُ من خلالها المزاوجةَ
بين وجهين، وجهِ الحياةِ الذي نراه، ووجهِ الموتِ الذي
نهربُ منه، وبالتالي يستطيع الشاعر أن يرسم لوحته الشعرية
في قالبٍ فلسفي مختلف.
٭ هل تخشى الموت وأنت في ريعان الشباب؟
بل أفكّرُ فيه باستمرار، هل هو كما يراه الشعراءُ؟ أو كما
يراهُ الآخرون؟ هل يلبسُ جُبَّةً بيضاءَ؟ أم كوجه الليلِ
لا شاطئ له؟ عذرا على هذا التفكير ولكنك تسأل شاعرا، لذلك
النظرة تختلف كثيرا حول الموضوع!!
٭ لو كان الموت رجلا .. هل تقتله أم تصادقه؟
بل سأسأله لماذا هو متهمٌ بالعدائية؟ ومحاطٌ بالكُرهِ؟
أجدُ صورتي في الشعر
٭ لماذا الشعر فحسب هو كل نتاجك؟.. أعني هل جربت كتابة
المقالة؟.. وهل لك محاولات في اشتغالات أخرى؟
كلُّ ما أُنْتِجه غير الشعر هو رهين الأدراج، يبقى الشعرُ
وحدَه ما يبصرُ النور، أكتبُ ما يخطر على بالي، ولكن إلى
الآن لا أجدُ صورتي المقابلة إلا في الشعرِ، ربما أكون
حذراً كثيراً عند محاولة تقديم أي نتاجات أخرى، لأنه سيكون
ثوباً جديداً أرتديه لأول مرةٍ، دعني الآن أفكر في الشعر
وأؤجلُ أي مشاريع أخرى للمستقبل، وحده الشعر ما أجالسه
الآن وأحاوره بيني وبين نفسي.
٭ العمانيون أمة نصفها يقول الشعر ونصفها الآخر يتذوقه،
ومع ذلك فالنتاج الشعري المعاصر ضعيف جدا ولا يعكس تلك
المقولة.. هل أنت مع هذا الرأي؟.
أنا مع النصف الأول من المقولة، ولست مع النصف الآخر
وتحديداً «ضعيف جدا»، فلا أعتقد أن النتاج الشعري بتلك
الدرجة من الضعف، وإن كان يحمل شيئا من ذلك في مرحلة
سابقة، فإنه وفي هذه المراحل بدأ يتجاوز كل ذلك، ويتقدم
أشواطاً إلى الأمام، ليؤكد شطر المقولة الأول، الشاعر
العماني يبرهن على نفسه يوما بعد يوم، وتجربة إثر تجربة،
يلوح برايته الشعرية في ميدان الشعر الكبير.
٭لو لم تكن شاعرا ماذا تود أن تكون؟..
حالماً، يحلم يوما بقصيدة تأتيه في الفجر، تغريه أن يكون
شاعرا
نصوصي بدأت تتسع
٭شاركت في مهرجانات ثقافية وشعرية، وحزت على جوائز عديدة..
كيف تصف تلك المشاركة؟.. هل أنت راض عنها؟
مشاركاتي في المهرجانات المختلفة تجربة جيدة خرجتُ منها
بحصيلة رائعة، استفدتُ كثيرا في كتاباتي الشعرية اللاحقة،
أحسُّ أن نصوصي بدأت تتسع، وتأخذ حيزا لا بأس به من
التأمل، أحسُّ ذلك وأنا أجد لي نصاً يدفعني لكتابة نص آخر،
كلّ ذلك لم يأتِ من فراغ بل من مشاركاتٍ توقفتُ عليها
فخرجت منها حاملا قصيدة جديدة تبقى طويلا وطويلا، أما عن
المراكز فهي تذهب وتجيء، وما يبقى للشاعر هو الشعر فقط.
٭في داخل كل منا ندم على شيء ما.. على ما تندم؟
ندمتُ على لحظةٍ كانت تغريني بكتابة نص شعري، فهجرتُها،
وعندما عدتُ أبحثُ عنها لم أجدها!!
٭ شيء ما كلما تذكرته تكتب فيه قصيدة.. ما هو؟
الفراق..
وليت الشعر يستطيع أن يصفه، كثيرون هم الذين نفارقهم، وما
أحسسنا بهم إلا ونحن نكتب عنهم، نقرؤهم في أحلامنا،
نتذكرهم في داخلنا أزمنة طويلة.
٭شيء ما كلما تذكرته.. شعرت بفرح؟.. ما هو؟
طفولتي..
التي أبحث عنها الآن بين أوراقي المبعثرة، إنها البراءة
التي تسكن أعماقنا، تخلينا عنها في لحظة وهم!!
٭ أهديت ديوانك الأول إلى: (إليها تشدو الحروف.. وترقص
طربا في محراب أنسها الطاهر).. إلى من يعود الضمير في هذه
الجملة الشعرية؟
بل أهديتُ ديواني الأول «إليهما»، إنهما والداي اللذان
يسكنان داخلي مع كل حرف أضعه على السطر، وكل قلم أمسكه.
حلم وفضاء ..
٭ تكتب قصيدة القافية والتفعيلة.. في أي منهن تجد حضورا
لروحك الشعرية؟
حضوري أجده في الاثنين معاً، أجدُ حُلمأ متسعاً مع
القافية، وفضاءً أرحب مع التفعيلة، كائنان يسكنان روحي
الشعرية، زوجان لم يفترقا من مخيلتي ولا أظنهما يفترقان،
أترجمهما على أديم الورق نصا يقترب كثيرا من قلبي..
٭ هل تفكر أن تتخلص من الوزن، وتكتب نصا نثريا مفتوحا على
مدى اللغة؟.
حاليا لا أعتقد ذلك، لأني أميل للأول كثيرا، ثم إنّ أدوات
الكتابة النثرية ليست سهلةً كما يعتقدها البعض، فالنص
النثري يستوجبُ اشتغالاً قوياً داخله، وقليلون الذين نجحوا
في ممارسة هذا النوع من الكتابة، لا أقول ذلك هروبا منه،
ولكن أعتقد أن النصوص النثرية التي نراها اليوم تعمل على
إدانة أصحابها بصورة كبيرة، فليس كل نص نثري يحمل إبداعات
النص الحديث، هي ممارسات متشتتة هنا وهناك تحلم بقشة
لتتمسك بها.