من المثقفين العرب من يقترن عندهم معنى
التوحيد الوطني (والقومي) بالادماج القسري
للجماعات والمناطق المختلفة في الكيان الجامع.
وبعضهم لا يكتفون بالنظر الى فعل القسر في
جوانبه السياسية والقانونية، بما هو مجموع
الاجراءات التي تتخذها الدولة لتكوين مجال
وطني (او قومي) جامع وموحد وتفرضها على جميع
رعاياها بمن فيهم من ليسوا يرغبون في الوحدة،
بل يتفهمون (المثقفين اعني) ان تلجأ الدولة
الى انماط من القسر اشد كاستعمال العنف لبناء
الوحدة.
وغالبا ما يجدون لانفسهم ما يبررون به موقفهم
هذا من قبيل الهدف الاسمى والمصلحة والتضحية
بالجزئي من اجل الكلي وما في معنى ذلك فإذا
كان التوحيد هدفا جليلا لشعب او امة لا قيام
لهما ولا استمرار من دونه، فلا يجوز اسقاطه او
تعطيله متى ما توفرت امكانيته بدعوى انه يصطدم
مع مصالح فئات ما في المجتمع غير راغبة فيه
واذا لم يكن ممكنا تحقيقه الا بواسطة القسر
والاكراه فليكن ذلك طلبا لفوائده ومن دون
التفات الى مضاعفاته الجانبية.
لكن المثقفين اولاء لا يعبرون في هذا الشأن عن
موقف خاص بهم اي كمثقفين عرب وانما يحرصون على
بيان اتصال هذا الموقف بحصيلة تجارب التوحيد
القومي في التاريخ الانساني الحديث، وهي تجارب
كشفت عن الاثر الكبير الذي كان لدينامية العنف
فيها وفي تمكينها من التحقق التاريخي. في عقل
كل مثقف من المتمسكين بهذه الرؤية طيف نابليون
او بسمارك او جالباردي ومثال عمليات التوحيد
في اوروبا وفي امريكا الشمالية انها النموذج
المرجعي الكوني ولا نموذج غيره، ومن يدعو
العرب الى عدم نهج السبيل عينه الذي نهجته امم
العالم وشعوبه في هذا المضمار انما يدعوهم الى
تعطيل فريضة التوحيد ان على الصعيد القومي
العام او على الصعيد القطري (الوطني) الخاص
هكذا لسان حاله يقول وهو يتحجج بسوابق التاريخ
مفحما خصمه من المتشككين والمثبطين.
وليس ثمة ما يدعو الى التشكيك في صحة اسانيده
التاريخية اذا كان ثمة ما يدعو الى التشكيك في
وجاهة دعواه وموقفه اذ لا مرية في ان تجارب
التوحيد القومي الانسانية تدلنا على ما كان
فيها من كبير اثر لدينامية القسر والعنف، فما
كاد وطن او كيان قومي يقوم إلا من طريق
الاخضاع المسلح: اخضاع مركز الكيان لاطرافه
واستدخالها تحت سيطرته هكذا قامت الدولة ـــ
الامة في القرن التاسع عشر: عصرها الذهبي،
وعلى هذا المنوال استوت نظريات التوحيد القومي
في الفكر السياسي الحديث التي نهل منها
المفكرون القوميون والوطنيون العرب غير ان
الذي يتجاهله المدافعون عن هذه الرؤية ان تلك
التجارب وليدة حقبة من التاريخ الانساني
محكومة بظروفها الزمنية وبشروطها المكانية ولا
تمثل مختبرا علميا لانتاج قوانين عامة وشاملة
للتوحيد القومي، على نحو ما افترض ذلك نديم
البيطار مثلا، وان محاولات التوحيد القومي ـــ
في القرن العشرين ـــ افرجت عن امكانات ووسائل
اخرى غير تلك التي توسلتها تجارب التوحيد
السابقة وقطعا هم يتجاهلون سمة العصر اليوم (منذ
الحرب العالمية الاولى وخاصة منذ خمسينيات
القرن العشرين) وهي: صيرورة الديمقراطية وسيلة
رئيسية في بناء الكيانات القومية وفي فرطها
ايضا او في توسيعها الى منظومات اقليمية.
من المؤسف ان التمسك بهذه الرؤية البسماركية
لعملية التوحيد، من قبل قطاع عريض من المثقفين
العرب، يسدي خدمة مجانية للنخب السياسية
الحاكمة من اجل المزيد من افساد عملية التوحيد
فهي اذ تقدم تنظيرا سياسيا لتوحيد قومي معطل
منذ ما يزيد عن اربعين عاما ولا وجود ماديا
لقواه ولحوامله السياسية والاجتماعية اليوم
تضع نتائج ذلك التنظير في ايدي نخب الدولة
الوطنية (القطرية) تبرر به سياساتها الداخلية
الخرقاء في مضمار التوحيد الوطني، وقد تلتمس
لتلك السياسات اعذارها حين يأخذها الشطط الى
اقتراف الخطيئة!
قد يقال هنا ان المثقف الحقيقي التاريخي
الملتزم هو الذي لا يساوم على وحدة الوطن
والشعب والامة ولو كان الثمن هو التضحية
المؤقتة بالحريات والديمقراطية وان مثال هذا
المثقف وجد في الغرب ابان المعارك الكبرى من
اجل اقامة الدولة القومية ولكن ماذا لو كان
ثمن الدفاع عن ذلك النمط النابذ من التوحيد هو
تدمير فكرة الوحدة ذاتها، هو تمزيق الشعب
والوطن والدولة؟!
ليس صحيحا ان الشكل الوحيد الممكن للتوحيد
الوطني والقومي هو ذلك الذي شهدته اوروبا في
عهد ثوراتها القومية في القرن التاسع عشر وليس
مما يشرف صاحب رأي ان يعتقد بأن فعل التوحيد
الوطني، الذي اطلقته النخب العربية الحاكمة
وقادته منذ عقود هو الممكن الوحيد الذي تتيحه
الاوضاع العربية او هو افضل الممكن مما تتيحه
تلك الاوضاع.
فلقد كان في وسع مجتمعات عديدة في القرن
العشرين ان تنجز وحدتها الوطنية والقومية من
طريق الاندماج الديمقراطي والتفاهم والتشارك
في اطار دولة اتحادية وكان في وسع اية دولة
عربية - ولا يزال - ان تعيد النظر في نمط
التوحيد القسري وان تطلق ديناميات اندماج
اجتماعي يجيب المطالب ويفكك التعبئة الداخلية
ويطمئن سائر الجماعات على حقوقها في الوطن وفي
السلطة من طريق تحقيق المشاركة السياسية.
ربما كان في عداد المسلم به ان نمط السلطة في
كثير من البلاد العربية، كسلطة مستبدة اي
كسلطة لا تتمتع بالشرعية الديمقراطية
والدستورية والشعبية، وان طبيعة النخب الحاكمة
وثقافتها السياسية والتكوين الذي تستند اليه
قوتها الاجتماعية.. لا تسمح بغير هذا النمط من
التوحيد القسري النابذ الذي يكرس غلبة جماعة
كبرى على جماعات صغرى لكن الذي ليس يقبل
التبرير ان يرتضي المثقفون تأجير عقولهم
وألسنتهم للدفاع عن توحيد لا يقود المجتمع الا
الى انقسام وتذرر وحروب اهلية باسم قدسية
المعركة من اجل الوحدة الوطنية نعم هي معركة
مقدسة كما الدفاع عن الدولة وبقائها ومنعتها
واجب وطني مقدس، لكن الدولة التي لا تدرك ان
سياساتها القيصرية تعود عليها بالمضار وقد
تهدد وجودها تحتاج الى النقد الصريح لا الى (الزغاريد
الفكرية)!