«بالرغم من قوة التأثير الإسرائيلي ووجود قوى
منظمة ونشيطة من اليهود الأمريكيين، ومعاهد
دراسات وبحوث تعمل لمصلحة وجهة النظر
الإسرائيلية، فإن إسرائيل تضيف إلى ذلك ما
تديره من حملات علاقات عامة، وتبعث بوفود بشكل
منتظم تجري حوارات، وتروج لمعلومات من صنعها.
وفي المقابل نحن نحتاج الى إقامة جسور منتظمة
مع قوى وتيارات المجتمع الأمريكي وكثير منها
على استعداد لأن يسمع ويستوعب ويفهم».
لم يكن خافيا التوتر الذي ألم بالعلاقة
المصرية ــ الأمريكية، في السنوات الثماني
الماضية، وهو توتر صاحبه قلب ميزان العلاقة
الذي كان يبشر بعلاقة متوازنة، نوعا ما، في
فترة حكم كلينتون.
ولما كانت أمريكا دولة لها وزنها ودورها
وتأثيرها عالميا وإقليميا، فإن العمل من أجل
علاقة متوازنة هو أمر في مصلحة الطرفين.
إن مصر تحتاج إلى علاقة جيدة مع أمريكا،
وأمريكا ليست أقل احتياجا لهذا النوع من
العلاقة مع مصر.
مصر لها وضعها الإقليمي الذي كان قد اعترف به
«الحوار الاستراتيجي»، الذي بدأته حكومة
كلينتون مع مصر عام ،1997 وافتتحه وزيرا
خارجية البلدين عمرو موسى، ومادلين أولبرايت،
ليكون إطارا تنظيميا مؤسسيا لضبط حسن العلاقة
وتطورها، وأن يتم من خلال هذا الحوار تنظيم
العلاقة، وأيضا مراجعة أي مشكلات تستجد،
وتتعلق بخلافات حول رؤية كل منها للقضايا
السياسية والاستراتيجية في العالم، حتى إن
كلينتون وأولبرايت وصفا مصر بالشريك
الاستراتيجي.
وكان ذلك اعترافا بحق الاختلاف واعتباره تصرفا
طبيعيا، ومقبولا، في سياق المفهم الأساسي
للعلاقة، وهو الحق الذي أنكرته حكومة بوش التي
حملت فكرة من ليس معنا فهو ضدنا.
وحتى تتوازن العلاقة وتبنى على أسس متينة،
لابد أن يقوم ذلك على استقلالية القرار المصري،
وأن تكون هناك رؤية واضحة لسياسة مصرية لها
أهداف محددة.
وما دمنا ننشد توازن العلاقة فهناك جانبان
لهذه القضية:
أولهما: يختص بالولايات المتحدة:
(1) فهي دولة تحكم سياستها الخارجية قاعدة
ثابتة تقول إن عناصر الاستمرارية أقوى وأكثر
من عناصر التغيير، لكن هذه القاعدة تخضع الآن
لإعادة نظر، على ضوء تحولات في مفاهيم النخبة
والرأي العام، ارتبطت بتحولات جوهرية في
العالم، دفعت أوباما إلى رفع شعار التغيير، مع
الأخذ في الاعتبار أن السياسة الخارجية لحكومة
بوش كانت خروجا على قاعدة الاستمرارية
والتغيير، واعتبرت انقلابا على المعايير
المألوفة والتقليدية للسياسة الخارجية.
وهو تطور لابد أن تضعه السياسات الخارجية
المصرية تحت نظرها، بالتأمل والتحليل واستخلاص
النتائج.
(2) ان الأزمات والمشكلات الإقليمية التي
تتفاقم في المنطقة، لا تعد مصر بعيدة عنها،
سواء ما كان منها مدفوعا بسياسات أمريكية كتلك
المثيرة للفوضى في إطار استراتيجية بوش، أو ما
نشأ منها من اقتحام قوى إقليمية لساحة المصالح
العربية، وكل ذلك يحتاج حضورا مصريا فعالا
للتعامل مع هذا التشابك للمشكلات وللسياسات.
(3) المتوقع أن تشهد بدايات حكم أوباما ضغوطا
داخلية عليه، للتعامل مع الديمقراطية في
المنطقة كقضية أمن قومي للولايات المتحدة،
وهذا المفهوم كان قد استقر في السنوات الأربع
الأخيرة من حكم بوش، وأصبح مبدأ مسلما به لدى
الكونجرس، وقد سبقته مناقشات دارت بين النخبة،
سارت بمحاذاتها استطلاعات للرأي العام، والتقى
الاثنان عند النتيجة نفسها القائلة بأن غياب
الديمقراطية في المنطقة هو مصدر أساسي يهدد
الأمن القومي للولايات المتحدة، لكن هذا لا
يعني أنه سوف يتبنى السياسة نفسها التي سار
عليها بوش، خاصة في فترة ولايته الأولى، بل
سيكون له منهجه الخاص.
(4) فضلا عن أن أمريكا كدولة ومؤسسات تضع في
حساباتها بحق التعامل مع الحكومات، ومدى وجود
الرأي العام القوي، وتأثيره على صانع القرار،
وهذا جزء من الفكر السياسي الأمريكي.
وعلى سبيل المثال كان كلينتون قد بعث بوزيري
الخارجية والدفاع مادلين أولبرايت وويليام
كوهن إلى الدول العربية، لطلب دعمها لقراره
عام ،1997 بتوجيه ضربة عسكرية للعراق، وهي
السياسة التي تراجع عنها كلينتون، وشرح
الاثنان «أولبرايت وكوهن» بعد عودتهما إلى
واشنطن في جلسة استماع بالكونجرس، عدم القدرة
على تنفيذ هذه السياسة، لأنهما، حسب قولهما،
سمعا من الحكام العرب أن الرأي العام ضاغط
عليهم، بسبب غضبه من سياسة الكيل بمكيالين بين
العرب وإسرائيل.
ثانيا: هناك على الجانب الآخر قضايا تختص
بنظرة مصر للعلاقة، ومن المفيد أن تطرح الرؤية
المصرية ما حدث من خروج الإدارة الأمريكية على
سياسات كان قد التزم بها رؤساء أمريكيون،
وحملوا بها أنفسهم مسؤوليات أدبية وسياسية.
فأمريكا في عهد بوش الأب وكلينتون قد ألزمت
نفسها بدور الوسيط النزيه، وهو أمر حدث انتهاك
له من حكومة بوش الابن، ووصفه خبراء أمريكيون
لهم وزنهم، منهم أولبرايت، بالقول: «نحن لم
نعد وسيطا نزيها».
وبينما كان بوش الأب وكلينتون قد اعتبرا أن
السلام العادل والشامل على كل المسارات هو
مصلحة أمن قومي للولايات المتحدة، فقد تراجع
هذا المبدأ في عهد بوش الابن إلى تجميد
المسارين السوري واللبناني، والاقتصار على
اللعب على المسار الفلسطيني، وهو ما شمل أيضا
تراجعا كاملا عن حل مشكلات الوضع النهائي
بالتفاوض، وقيام الدولة المستقلة، وتحول
مبادرات السلام الأمريكية إلى مجرد كلام
وتضييع للوقت.
كما أن مؤسسات صنع السياسة الخارجية في
الولايات المتحدة تجمع الآن على أن العداء
لأمريكا الذي انتشر بين الحلفاء، وتفشي في
الدول العربية والإسلامية، هو خطر على الأمن
القومي للولايات المتحدة، وتلح هذه المؤسسات
على المطالبة بإيجاد نهاية لهذه الظاهرة، وأن
هذا البند ضمن أولويات عهد أوباما، فإن من
المهم من جانبنا طرح جميع أبعاد هذه الظاهرة،
وضمنها أن السياسة الخارجية الهجومية، والتحيز
الكامل لإسرائيل، من الأسباب الرئيسية للغضب
العربي والإسلامي، وأن علاجه يتطلب تغييرا في
هذه السياسة، واتخاذ موقف موضوعي ومتوازن من
النزاع العربي - الإسرائيلي، وهذه في حد ذاتها
مصلحة أمريكية.
ويبقى أن توازن العلاقة لن يكون مجال العمل
فيه محصورا في إطار العلاقة الرسمية مع مؤسسات
الدولة في أمريكا، بل بالتحرك في الساحة
الأوسع للمجتمع والحوار مع قواه المؤثرة،
بالنظر إلى أن قرار السياسة الخارجية ليس في
يد الرئيس وحده، أو حتى الكونجرس الشريك له
بحكم الدستور، بل هناك قوى يسمح لها النظام
السياسي بأن تؤثر في القرار: الإعلام، والنخبة،
ومراكز البحوث، وقوى الضغط، وجماعات المصالح،
والرأي العام.
وبالرغم من قوة التأثير الإسرائيلي ووجود قوى
منظمة ونشيطة من اليهود الأمريكيين، ومعاهد
دراسات وبحوث تعمل لمصلحة وجهة النظر
الإسرائيلية، فإن إسرائيل تضيف إلى ذلك ما
تديره من حملات علاقات عامة، وتبعث بوفود بشكل
منتظم تجري حوارات، وتروج لمعلومات من صنعها.
وفي المقابل نحن نحتاج الى إقامة جسور منتظمة
مع قوى وتيارات المجتمع الأمريكي وكثير منها
على استعداد لأن يسمع ويستوعب ويفهم.