الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

المسؤولية العربية الغائبة في قضية الدولة الفلسطينية
د. عبد العاطي محمد

لو سألت مسؤولا في السلطة الفلسطينية عن توقعاته بأن فرص التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل بنهاية العام حول الدولة الفلسطينية لأكد على الفور بأنه لا يتوقع شيئا من هذا القبيل، وزاد على ذلك بأن الفلسطينيين سيكونون سعداء إذا ما انتهى العام دون التوصل إلى هذا الاتفاق. ومبعث السعادة التي ربما تبدو غريبة في ظل الآمال التي عقدتها السلطة الفلسطينية طوال العامين الأخيرين على ضرورة تحقيق هذا الهدف، هو أن خلاصة مفاوضات عباس وأولمرت عبر عدة جلسات قادت إلى نتيجة لا يمكن قبولها من جانب السلطة الفلسطينية التي هي في ذاتها من أنصار التسوية مع إسرائيل.
وما يكشف عنه مسؤولو السلطة في هذا الإطار هو أن إسرائيل تريد الآن أن تضع حدا للخلاف حول قضايا الحل النهائي بما يحقق مصالحها وينهي تماما شيئا اسمه القضية الفلسطينية إلى الأبد. فسواء كان المطروح اتفاقية أو إطارا للتفاوض مستقبلا فإن قضايا مثل القدس واللاجئين (حق العودة) والمياه والمستوطنات وحدود 67 سيتم إسقاطها والتوقيع على وثائق من جانب الفلسطينيين تؤكد ذلك، وبعدها يمكن الحديث عن شكل ما للدولة الفلسطينية بمواصفات لا تؤهلها لحمل هذا الشرف!. ولذلك فإنه من الأفضل لمفاوض السلطة الفلسطينية ألا يتحقق تمرير هذا الاتفاق أو الإطار بنهاية هذا العام، لأن بقاء الوضع السيئ الراهن أفضل في هذه الحالة من التوقيع على وثيقة تنازل تاريخية بهذا الحجم ودون الحصول على ثمن أيضا.
هذه النتيجة قاتمة السواد التي انتهت إليها جهود الكر والفر طوال الفترة الطويلة الماضية تفرعت عنها نتائج أخرى بالغة الأهمية في مسار القضية الفلسطينية وعلاقات الفلسطينيين بعضهم البعض والمسؤولية العربية عن مسألة لا تزال حاضرة في الوجدان والسلوك هي الصراع العربي - الاسرائيلي وفي جوهره تكمن القضية الفلسطينية. فلم تعد إسرائيل فقط الطرف الذي لا يرغب في إقامة السلام، حيث لا تحتاج هذه الحقيقة إلى بيان وأصبحت شيئا مكررًا ومفهومها ـ وإنما فشل الدور الأمريكي في تحريك المسار الفلسطيني الاسرائيلي ومن ثم خطأ المراهنة عليه وحده مثلما ظهر في ساحة القضية منذ عهد بيل كلينتون إلى عهد جورج بوش أي على مدى 16 عاما. فلم تنجح مفاوضات كامب ديفيد الثانية وترتب على فشلها تداعي المزيد من العقبات والمشكلات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولم يستطع بوش الابن أن يفي بوعده بإقامة الدولة الفلسطينية، بل حصلت إسرائيل في عهده على المزيد من الدعم السياسي والعسكري فاستمر بناء المستوطنات وتمت إقامة الجدار العازل (ضمانات بوش لشارون) إلى أن انتهى الحال بما يمكن أن يسمى أراضي الدولة الفلسطينية المفترضة إلى قطع خبز مليئة بالثقوب لا تمثل إلا ندرا بالغ الصغر من الأرض الفلسطينية المحتلة. ولا يمكن تصديق حجج السلطة الفلسطينية بأن الاستمرار على نهج المقاومة والخلافات مع حماس هما السبب الذي قاد إلى المزيد من خسارة الأرض. فقد أتيحت فرص عديدة من السلطة الفلسطينية وقبل أن تدخل في خلافاتها مع حماس بزمن طويل ـ وقابلتها إسرائيل ـ عبر حكوماتها المختلفة ـ بالاستهانة وحولتها إلى كوارث سياسية ضد السلطة ذاتها والفلسطينيين ككل. ولم تكن حماس ونشاطها المقاوم هي وغيرها من الفصائل عقبة سياسية أمام نجاح مفاوضات السلطة مع إسرائيل في أكثر من مناسبة آنذاك. وبالطبع فإن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا مع وصول حماس إلى السلطة ثم مع وقوع صراعها مع فتح، ولكن قبل حدوث هذه التطورات كانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها لإتمام تسوية فلسطينية إسرائيلية بمنهج فتح وهو ما لم يحدث مرة واحدة، بل عاقبت إسرائيل السلطة، بالمزيد من الاعتداءات على الفلسطينيين سواء في الضفة أو غزة.
في الإطار السابق لن يكون من المفيد للسلطة الفلسطينية أن تواصل المراهنة على الإدارة الأمريكية المقبلة وحدها، حيث يتعين أن تعي الدرس جيدا بعد أن تم استنزاف وقت طويل تعويلا على الدور الأمريكي. لا يعني ذلك أن تعلن القطيعة السياسية معها، فذلك ليس من ضرورات السياسة الواقعية، وانما أن تراجع منهج التعامل مع المسار الفلسطيني مستقبلا وتبحث عن منهج مختلف لا يصطدم بالدور الأمريكي ولكن لا يصبح تطبيقًا حرفيا لما يعرضه هذا الدور. وإذا قيل إن الإدارة المقبلة يمكن أن تسلك منهجا مختلفا في إطار القيام بعمل جاد لإتمام صفقة سلام عادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين استنادا إلى ما اعتاد عليه العقل العربي بالمراهنة مرارا على من يأتي جديدا في البيت الأبيض، وتوقع أن يسلك طريقًا أفضل من سابقه خصوصًا إذا كان السلف قد فشل فشلا ذريعًا كما هو الحال بالنسبة لإدارة بوش الابن، فإنه يمكن تذكير السلطة الفلسطينية بأن هذه الأحلام كانت قائمة مع إدارة بيل كلينتون بل مع إدارة بوش ذاتها في فترتها الأولى ولم يجد الفلسطينيون سوى النذر القليل من الدعم وكان ما نتج عن مسايرتهم للدور الأمريكي بمثابة قبض الريح.
لقد عشنا مع أحداث 4 مسارات مختلفة في التعامل مع القضية الفلسطينية منذ قيام السلطة، وتحديدًا منذ أوسلو ،1993 وكلها لم يكتب لها النجاح إلى أن وصلت القضية إلى الوضع الراهن المتمثل في إمكانية الحصول على أرض صغيرة ممزقة تقام عليها دولة هزيلة منزوعة السلاح، وخلاف فلسطيني - فلسطيني يهدد بفصل الضفة عن غزة لتصبح أمام إمكانية قيام دولتين أشد ضعفا متناقضتين سياسيا ومنفصلتين اقتصاديا إحداهما في الضفة والأخرى في القطاع بما يمثل كارثة سياسية أشد قوة على الفلسطينيين من نكبة 1948 ذاتها.
أول هذه المسارات كان الحل التصفوي الذي أرادته إسرائيل بإصرار من خلال استمرار الاحتلال ومواصلة القمع والتشديد على الشعب الفلسطيني مع ابتلاع المزيد من الأرض كل يوم من خلال التوسع في الاستيطان بالإضافة إلى تهويد القدس وإغلاق الطريق أمام حق العودة. واستندت في ذلك إلى قوة الاحتلال وفرض الأمر الواقع. ولكن المقاومة الفلسطينية بكل شرائحها وبما فيها الجماعات المحسوبة على فتح ذاتها رفضت منطق التصفية وفعلت ذلك بمواصلة المقاومة وإيجاد سبل عديدة للصمود، وكان من نتيجتها أن اضطر شارون إلى الانسحاب أحادي الجانب من غزة، ولكن الحل التصفوي من جانب إسرائيل ومواجهته بالمقاومة والصمود يجعل الطرفين يعودان دائما إلى نقطة الصفر دون إنجاز حقيقي لمستقبل القضية الفلسطينية ويرشح لاستمرار الصراع لسنوات طويلة مقبلة يدفع فيها الشعب الفلسطيني تضحيات تلو الأخرى ويصبح محروما من حق الحياة.
وثانيها هو الحل الانفرادي الذي تمثل في حصر المسار الفلسطيني داخل دائرة التفاوض المباشر المنفرد بين السلطة وإسرائيل. وقد وجد هذا الحل دعما أمريكيا استنادا إلى ان الطرفين هما الأقدر على فهم بعضهما البعض وما يرتضيانه يمتلك فرص التطبيق والالتزام بغض النظر عن قيمة ما يتم الاتفاق عليه. واستند هذا المسار إلى أن التدخل الخارجي في القضية الفلسطينية ــ والمقصود به هنا الدور العربي وكذلك التدخل الأمريكي والغربي عموما تجاه إسرائيل، يؤدي إلى تعقيد الموقف ويرفع المسؤولية عن الطرفين المباشرين أي إسرائيل والسلطة، ومن ثم فإن أي اتفاق يمكن التوصل إليه لن يحظى بإمكانية التطبيق. ولكن هذه الحجج كانت ستارا لتسويق منطق الحل المنفرد الذي هو في الواقع الحل الاسرائيلي بالنظر إلى عدم توازن القوى بين الطرفين. ومن حيث الواقع فإن هذا المبدأ (أي عدم التدخل) لم يتم احترامه، فالدور الأمريكي ظل عمليا من مظاهر التدخل ولكن الذي يخدم إسرائيل أو يدعمها ويخصم من قوة الطرف الفلسطيني بغرض المزيد من الضغوط عليه. وعربيًا ظل الدور العربي محصورا في النصح والإرشاد وجمع المساندة الدولية للموقف الفلسطيني التي تنحصر في التعاطف وليس المشاركة الحقيقية التي تنصر الحق الفلسطيني. وتأثرت الرؤية العربية في هذا الصدد بتاريخ القضية منذ أواسط ستينيات القرن الماضي، حيث كانت تتأثر بالمناخ العربي صعودا وهبوطا فدفعت ثمنا غاليا، ولم تشأ الأطراف العربية المعاصرة أن تكرر الخطأ أي أن تدس أنفها في الشأن الفلسطيني إلى حد التأثير على القرار فيه، وإذا أخذنا بالنتائج فإن الطرف الفلسطيني لم ينجح في استخدامه للحل المنفرد، كما أن سبل الدعم المحدودة وعلى استحياء من الجانب العربي والاكتفاء بإعلان المواقف العامة وبيانات المناشدة بالصمود والاستنكار للمواقف الإسرائيلية، كلها لم تحرك الموقف شيئا بل وجدتها إسرائيل فرصة للعمل بحرية في سياق الحل المنفرد.
وثالثها هو الحل المؤقت الذي ينبني عمليا على الحل السابق أي الانفراد وبمقتضاه جرى تعامل السلطة مع إسرائيل في فترة عهد بوش ويقوم على تخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني أي التوسع فيما يمكن تسميته الحل الإنساني وذلك بالحصول على المزيد من الدعم الاقتصادي والإنساني من العواصم الأوروبية والولايات المتحدة والسعي إلى تثبيت أركان مؤسسات السلطة. كخطوة ضرورية لإقامة الدولة في المستقبل، وإيقاف تداعيات الاحتلال عند الحد الذي يجعل فرص هذه الدولة ممكنة حتى لو خرجت هزيلة إلى النور ويدخل في ذلك العمل المستمر على الحد من الاستيطان وعرقلة مشروعات تهويد القدس، والقبول بحدود ما بعد 67 وإيجاد حل لقضية اللاجئين يتمثل في تعويض من تركوا إسرائيل عام 1948 واستيعاب من يرغب في العودة داخل حدود الدولة الفلسطينية المفترضة. ولكن حتى هذا التصور لم يحدث فيه تقدم يذكر. وكان من أسوأ نتائج الفشل في تحقيقه صعود قوة حماس واستيائها على غزة بكل ما قاد إليه من مظاهر دامية في العلاقة بين أبناء الدم الواحد.
كل هذه المسارات لم تنجح وهذا يستدعي المسؤولية العربية مرة أخرى ليس في إطار طرح العديد من المبادرات، فما أكثر ما صدر في هذا الاتجاه، وإنما على صعيد الساحة الفلسطينية ذاتها. فلم تعد صور التعاطف المعتادة مجدية، وأصبح الفشل في حل القضية الفلسطينية عاملا أساسيا من عوامل عدم الاستقرار في المنطقة العربية ككل بكل ما يعنيه ذلك من إيقاع الضرر بالأطراف العربية على نطاقها الخاص قبل العام، ولا يحتاج العرب إلى جديد في علاقاتهم بإسرائيل لأنهم اعترفوا بها صراحة وضمنا وقالوا إنهم مستعدون للتعايش وإقامة العلاقات الدبلوماسية معها عند زوال الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية، ولكنهم يحتاجون إلى تعميق علاقاتهم بالفلسطينيين وطنا وشعبا وإلى مشاركتهم في التسوية مع إسرائيل. وليس من قبيل المبالغة لأن المسافة واسعة بين الجانين العربي والفلسطيني على عكس ما تشير إليه البيانات الرسمية.
ومن الأفضل للفلسطينيين وللعرب ككل أن تتحدد بدقة وبسياسات عملية للمسؤولية العربية في إقامة الدولة الفلسطينية. وفى اعتقادي أن ذلك لا يتحقق إلا من خلال قمة عربية أو أكثر تخصص فقط لتحديد نقاط الاتفاق بين العرب والفلسطينيين حول إنجاز تسوية تاريخية مع إسرائيل، ومع تحديد هذه النقاط تتحدد المسؤوليات على هذا الطرف العربي أو ذاك وكذلك بالنسبة للطرف الفلسطيني، وسيكون من المؤسف ألا يصل العرب إلى صيغة مع الفلسطينيين حول هذه التسوية مع أنهم ناجحون في إيجاد صيغة سياسية مختلفة للتعاون مع هذه العاصمة الغربية أو تلك في علاقاتهم الثنائية وشبه الجماعية، وبعيدا عن الأسف فإن اللامبالاة العربية أو التعامل باستحياء مع الوضع الفلسطيني الذي وصل إلى أسوأ حالاته سيؤدي أي منهما إلى هزيمة سياسية تاريخية للعرب ككل لن تقل نتائجها الوخيمة عن خسارة الأندلس.

  رجوع