الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

السيطرة على روسيا الجديدة تحتاج إلى فكر جديد

إن التطورات التي ينبغي أن تحدث في أوسيتيا الجنوبية باتت واضحة على المدى القصير على الأقل. ينبغي على روسيا أن تنفذ اتفاق وقف إطلاق النار مع جورجيا. وينبغي انسحاب القوات الروسية إلى مواقع ما قبل اندلاع الصراع الحالي. كما ينبغي على الطرفين السماح لقوات حفظ السلام بدخول المنطقة، وينبغي على الطرفين أيضا استئناف المفاوضات حول الوضع النهائي للإقليم. وينبغي وقف الهجوم الجورجي على الانفصاليين، ويتحقق هدف روسيا الظاهر من الحرب.
إن رفض موسكو اتباع هذا المسار يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن أهداف الحرب كثيرة وأكبر مما هو ظاهر. إنها تهدف إلى تغيير ميزان القوة في أوروبا.
من السهل على المرء معرفة السبب الذي يجعل الكرملين يريد حدوث هذا التحول. ففي نهاية الحرب الباردة، فقد الكرملين السيطرة على كتلة اقتصادية سياسية شاسعة. وخسر أراضي كثيرة للدول المجاورة، وشاهد ظهور تحالف عسكري منافس وهو يتقدم على الحدود الروسية. ليس من السهل على الدول التعايش مع هذا الانحدار الشديد في المكانة العالمية.
على الرغم من أن بريطانيا تعرف مدى صعوبة وقسوة فقدان الإمبراطورية، إلا أن مقارنة وضع روسيا مع ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى له دلالة أكبر. لقد تعرضت ألمانيا إلى الإذلال، وسقطت في أزمة اقتصادية أعقبها ظهور حاكم شمولي تعهد باستعادة الكرامة الوطنية.
وفي ضوء المقارنات الكثيرة، ليس غريبا أن تشعر معظم الدول الصغيرة التي كانت تابعة لموسكو بالتوتر والعصبية. إن هذه الدول ترى في تدخل روسيا في أوسيتيا الجنوبية فجوة برية كبيرة. ويرون في قول الكريملين إنه يسعى إلى حماية السكان المحليين أصداء كلام هتلر وقلقه بشأن رفاهية وحياة الألمان قبل التوجه إلى تشيكوسلوفاكيا.
تتفق الولايات المتحدة مع هذا التفسير إلى حد ما. لقد جاء رد واشنطن على أزمة أوسيتيا الجنوبية بتصميم جديد على تأديب روسيا. أما الوسيلة إلى ذلك فهي متابعة خطط ضم جورجيا وأوكرانيا إلى معاهدة حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، ونشر أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ الباليستية في بولندا وفي جمهورية التشيك. عندما أعربت روسيا عن شكواها في الماضي من النظام المعروف «بابن حرب الكواكب»، أصرت الولايات المتحدة على قولها أن الهدف منه هو ردع إيران. أما ما يحدث حاليا فهو تصعيد بأسلوب الحرب الباردة القديم.
هنالك فرق أساسي بين المواجهة الحالية بين الشرق والغرب والحرب الباردة، يتمثل الفرق هذه المرة في أن العلاقات الاقتصادية التي تربط الطرفين أقوى عنها في الماضي. روسيا تحتاج إلى الدخول إلى الأسواق الغربية، أما الغرب ـــ وأوروبا بوجه خاص ـــ فهو بحاجة إلى النفط والغاز الروسيين. هذا يوفر فرصة للاتحاد الأوروبي ـــ الذي يعد أكبر سوق في العالم ـــ لأن يلعب دورا مهدئا ومعتدلا، ويقود المناقشات بعيدا عن المواقف العسكرية ويتجه بها نحو المفاوضات الاقتصادية.
بيد أن هناك عاملا مقلقا آخر يميز حالة العداء الحالية عن الوضع خلال الحرب الباردة. ففي عهد الاتحاد السوفييتي السابق، كان كثيرون من الروس يشاركون الغرب في رؤيته لزعماء الاتحاد السوفيتي كسفاحين. أما طبقة المفكرين والمثقفين الروس الذين أعربوا عن إعجابهم بالديمقراطية فقد قام فلاديمير إما بسحقهم أو باستيعابهم تحت عباءته.
وعلى عكس المبادئ الماركسية اللينية التي عفيعليها الزمن، تتمتع نزعة بوتين القومية بدعم شعبي حقيقي.
إن دولة كهذه لن تذعن للناتو بسبب احترامها لوضع الدول الأعضاء كديمقراطيات، لكنها ربما تكون مقتنعة بحكمة تسوية النزاعات من خلال المؤسسات الدولية بدلا من اللجوء إلى المغامرات العسكرية. ومن الحتمي أن يثير ذلك الكثير من المزاعم الخاصة بالنفاق الغربي. أشارت روسيا في تبريرها لحملتها العسكرية في أوسيتيا الجنوبية إلى أفعال الغرب في كوسوفو والعراق. ولا شك أن هذا كلام بارع من روسيا، لكنه يدعو للسخرية إذا ما استخدمته روسيا كمبرر للهجوم على جورجيا. إن زعم روسيا بأنها تسعى إلى المحافظة على السلام في أوسيتيا الجنوبية يدحضه اقتحام الجيش الروسي لمناطق جورجية غير متنازع عليها، وبالكثير من المزاعم الموثوقة بأنها تسهل الانتهاكات والتجاوزات التي ترتكبها الميليشيات المعارضة لجورجيا.
لا ينبغي مكافأة روسيا على هذا العدوان. لكن مزايدات الحرب الباردة التي تتبعها روسيا الآن لن تجعل جيرانها يشعرون بالأمان، كما أنها لن تؤدي إلا إلى تعزيز رؤية الكرملين بأن الدول الصغيرة مجرد بيادق في لعبة استراتيجية.
لقد تمثل أفضل ضمان للأمن والسلام في أوروبا منذ الحرب الباردة في التكامل الاقتصادي الذي تحقق في الاتحاد الأوروبي. إن بروكسل وليس واشنطن هي التي لديها الفرصة الحقيقية لإقناع روسيا بتغيير أساليبها.

افتتاحية الأوبزيرفر

  رجوع