قال الله عز وجل:(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا
لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم
يتفكرون).
سنة الله تعالى في الخلق أن يكون بقاء النوع وتكاثره من
زوجين اثنين: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)،
وتكوين الأسرة الإنسانية بقدر تماسكه وصلاحه بقدر ما يقوى
بناء المجتمع ويشتد عود الأمة بأسرها أو يضعف؛ لأن الأسرة
نواة المجتمع، وكل من الزوجين سكن للآخر يأوي إلى ظله،
ليهنأ باله، ويستقر فؤاده، ويرتاح ضميره، وتسكن نفسه، ويجد
من يبادله أفراحه وأتراحه، يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويحب
الواحد للآخر ما يحبه لنفسه، ويشتركان معا في بناء جيل
جديد، مؤهل للقيام بجميع الوظائف الإنسانية، قادر على تحمل
أعباء المعيشة، وتكاليف الحياة، ومتطلبات المبادئ
الإنسانية والإيمانية والأخلاقية والاجتماعية.
وقد يفضل بعض الناس أن يعيش الواحد عزبا، ولكن أرى أن هذا
هو الهروب من السكن إلى القلق والاضطراب النفسي، وأقرب إلى
أن يفقد الواحد معنى المودة والرحمة، ولربما احتج بعضهم
بالسيد المسيح عليه السلام، ولكنك عندما تحيط معرفة بأحوال
حياته عليه السلام ستجد أن أعداءه تعجلوا مماته، قبل أن
يهنأ بالعيش في ظلال الزوجية، فرفعه الله تعالى إليه، وأعد
له في جنته أزواجا من الحور العين، والله تعالى هو القائل:
(ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية).
ولما كانت الأشياء تمتاز بأضدادها؛ فقارن ما بين النكاح
وما بين السفاح من قبل تلك الجهات الثلاث التي جمعتها
الآية الكريمة وهي: السكن والمودة والرحمة، ليتبين لك أن
السفاح ليس هو اللقاء الطبيعي الموافق للفطرة، وأنه أمر
نشاز، وانحراف عن المنهج السوي، يأباه العقل السليم، وتنفر
منه الطباع القويمة، فما هو إلا قضاء وطر، وتلبية للشهوة
البهيمية، ليس فيه شيء من معاني السكن والمودة، إن هو إلا
خداع وتضليل، وأي رحمة اشتمل عليها قلب الزانيين، وقد
اجتمعا على سفح الماء بغير حق، ووأد ما يتولد من اللقاء
المحرم، وإن خرج إلى الحياة عاش عيشة البؤساء، وعالة على
مؤسسات رعاية الطفولة في الدولة، ولربما غدا نقمة على
مجتمعه وأمته، وأما اللقاء بين الزوجين في ظلال عش الزوجية
الهانئة، واجتماعهما بالطريقة المرضية، فهو الذي جعله الله
تعالى آية من آياته، وبين أنه نعمة لها ثلاث شعب: سكن
ومودة ورحمة، وكما بين سبحانه وتعالى هنا أن الزوجة سكن
للزوج بين في موضع آخر أنها له لباس كما أنه لها سكن ولباس،
يقول تعالى: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)، وكأن المعنى:
أن كل واحد من الزوجين بالنسبة إلى الآخر هو السكن واللباس
الحقيقي له، وفي نسبة السكن إلى الزوج استعارة مكنية في
الآية التي نحن بصددها، وفي الوصف باللباس تشبيه مرسل في
الآية الأخرى.
وفي قوله عز وجل:(من أنفسكم) إشارة إلى اتحاد الأصل الذي
يجتمع فيه كل من الذكر والأنثى، كما في قوله عز من قائل: (يا
أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها
زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء)، وقد ورد في الحديث
الشريف: (يا أيها الناس كلكم لآدم وآدم من تراب)، وفي حديث
آخر يقول صلى الله عليه وسلم: «النساء شقائق الرجال»، ولا
يعني هذا عدم وجود الاختلاف في خلقة كل من الذكر والأنثى،
فذلك أمر منصوص عليه ومعلوم بالضرورة، يقول الله عز من
قائل: (وليس الذكر كالأنثى)، بل في قوله تعالى: (من أنفسكم
أزواجا لتسكنوا إليها) دلالة واضحة على أن كل واحد من
الزوجين مكمل للآخر ومتمم له، ولذا ورد في حديث النبي صلى
الله عليه وسلم: «من أحصن فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في
النصف الآخر».
بقي أن نرجو هنا أولياء أمور النساء أن لا يبالغوا في
مهورهن، فلو كان في ذلك منقبة أو مكرمة لكن بنات رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- وأزواجه أولى النساء بذلك، ورد من
طريق أبي سلمة قال: سألت عائشة -رضي الله عنها- عن صداق
النبي صلى الله عليه وسلم نساءه؟، فقالت: «اثنتي عشرة
أوقية، ونشا»، قلت لها: وما النش؟، قالت: «نصف أوقية»،
وورد عن الفاروق عمر-رضي الله عنه- قال: «ما ساق رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى أحد من أزواجه، ولا بناته أكثر من
اثنتي عشرة أوقية»، قال الزهري: «كان صداق كل امرأة من
نساء النبي صلى الله عليه و سلم اثنتي عشرة أوقية ذهبا،
فذلك أربعمائة وثمانون درهما»، (لقد كان لكم في رسول الله
أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا).