إشراقات....
الدين والحياة في خطاب معاصر

تنبيهات
الرشوة.. (2)
إبراهيم بن ناصر الصوافي


لعنة الرشوة تنال دافع الرشوة وآخذها والساعي بينهما، وهذا لأن من منهج الإسلام أنه إذا حرم شيئا حرم كل الطرق الموصلة إليه ويدل على هذا قول الله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
كما يدل عليه الحديث الذي رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: أهدى رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- راويتي خمر فقال له: أما علمت أن الله حرمها فقال: لا، فسار إنسانا فقال له -صلى الله عليه وسلم-: بم ساررته، فقال له: أمرته أن يبيعها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الذي حرم شربها حرم بيعها ففتح المزادتين وهما الراويتان حتى ذهب ما فيهما.
وعن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الخمر وبائعها ومشتريها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها».
وعن أَبي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ.
فهذه الأدلة وغيرها تدل دلالة واضحة أنه يحرم على المسلم الدخول في أي معاملة محرمة ولو كان لا يستفيد منها شيئا.
وعلى هذا فعلى المسلم أن يحذر من الرشوة والدخول فيها.
وإنما اختلف العلماء فيما لو اضطر الإنسان إلى دفع الرشوة بحيث لم يستطع الوصول إلى حقه المعلوم المتيقن إلا بها، فقيل: بعدم جواز ذلك، أخذا بعموم الأدلة المحرمة لدفع الرشوة، ولأن الظلم لا يسوغ للإنسان الوقوع فيما حرم الله، فلو لم يستطع الإنسان الوصول إلى حقه إلا بشهادة الزور، لم يحل له أن يُشِهد أحدا زورا، ولم يحل لأحد أن يَشهَد له زورا، فكذلك الرشوة.
وذهب بعض العلماء إلى جواز الدفع عند الضرورة، وعدوا ذلك من باب ما أخذ عنوة وقهرا.
وعلى المسلم أن لا يتساهل في هذه القضية فيسارع إلى دفع الرشوة لأدنى سبب بحجة الضرورة، بل عليه أن يطلب حقه بالطرق المشروعة ويصبر على ذلك، فإن لم يجد إلى ذلك سبيلا، وكانت تلحقه مضرة كبيرة في جسمه أو ماله فله أن يترخص بدفع ما يرفع عنه المضرة، ولا ينوي الرشوة بذلك وإنما ينوي به أنه مال أخذ منه قهرا وظلما.
أما آخذ الرشوة فإن إثمه في هذه الحالة أشد لأنه جمع بين أكل مال غيره بالحرام وبين منعه لحقوق الناسِ.