بغض النظر عن
الجدل الذي شهده العراق الشقيق حول أفضل السبل
للسير قدما نحو تحقيق مزيد من الاستقرار على
امتداد الأراضي العراقية، خاصة بعد الهدوء
النسبي وانخفاض معدلات العنف والتفجيرات في
الأشهر الأخيرة، فإنه يبدو ان هناك من القوى
والأطراف التي لا تريد للعراق ان يستقر، ولا
تريد للشعب العراقي ان ينعم بالهدوء ويستعيد
تجميع قواه وتوجيهها في اتجاه يفيد الحاضر
والمستقبل العراقيين.
ففي الوقت الذي تم فيه الاتفاق على قانون
الانتخابات العراقية – بعد خلافات عديدة
استمرت لفترة غير قليلة - وهو ما نظر اليه على
انه خطوة على جانب كبير من الأهمية استعدادا
للانتخابات القادمة التي ستعيد تشكيل القوى
السياسية العراقية إلى حد غير قليل خلال عام
2010، فإنه يبدو ان هناك أطرافا لها حساباتها
الأخرى والتي تريد الدفع بالعراق في اتجاه آخر
تماما.
ولعل ما يعزز هذا الافتراض ان عمليات التفجير
وأعمال العنف الأعمى عادت مرة اخرى إلى الساحة
العراقية، وذلك عبر تفجيرات مزدوجة، وعبر
اعمال عنف تحصد أرواح عشرات العراقيين من
المدنيين الأبرياء دون تمييز أو رحمة لطفل أو
لامرأة أو شيخ ضعيف. ومما يزيد من خطورة موجة
العنف الأعمى الأخيرة انها تسعى باستماتة إلى
إثارة الخلافات واعمال الانتقام والعنف المضاد
بين الطوائف العراقية، وهي لعبة شديدة الخطر
بالنسبة لحاضر ومستقبل العراق الذي يستمد قوته
من وحدته، ومن تماسك قواه وطوائفه وتجميع
عناصر قوته على صعيد اعادة البناء والإعمار
وتجاوز المحن التي شهدها العراق وطنا وشعبا
على امتداد السنوات الأخيرة.
جدير بالذكر انه بالرغم من ان الأيام الماضية
شهدت حوارا وتبادلا لوجهات النظر بين الحكومة
والبرلمان العراقيين حول أعمال العنف والتفجير
التي جرت قبل نحو اسبوعين، والتي تم إلقاء
اللوم بالنسبة اليها على عاتق أطراف عراقية
تعيش في الخارج وعلى عاتق تنظيم القاعدة ايضا،
فإن العودة إلى ارتكاب تفجيرات تحاكي ما حدث،
من شأنه ان يثير العديد من التساؤلات، وماذا
يمكن ان يترتب على استمرارها، إذا حدث ذلك؟
ومع الوضع في الاعتبار الأهمية الكبيرة
للانتخابات العامة العراقية المقبلة، سواء على
الصعيد السياسي العراقي الداخلي، أو على صعيد
مستقبل الوجود الامريكي في العراق وآفاق تنفيذ
الاتفاقية الأمنية التي تم التوقيع عليها في
ديسيمبر الماضي – أي قبل عام – والتي تنظم
إطار الانسحاب الامريكي من العراق، والعلاقة
بين القوات الامريكية والعراقية، في الظروف
المختلفة، فإن تعمد بعض الاطراف الدفع بالعراق
إلى دائرة عدم الاستقرار أو إلى اهتزاز الأمن،
من شأنه حرمان العراقيين من فرصة لالتقاط
الانفاس وترسيخ الاستقرار بشكل متزايد. ومن
الواضح ان تلك الأطراف لا تتورع عن القيام
بأية ممارسات خدمة لأغراضها الذاتية، حتى لو
دفع الأبرياء من العراقيين عشرات الأرواح من
القتلى والجرحى بين يوم وآخر، لمجرد اثبات
الوجود، أو للادعاء بفشل الامريكيين في العراق
وربما القول بهزيمتهم من منطلق ان استمرار
أعمال العنف تشير في حد ذاتها إلى عدم النجاح
في تحقيق الأمن والاستقرار، حتى ولو كانت كل
مناطق العراق تشعر بأمن متزايد باستثناء مواقع
محددة ومعروفة تشهد تفجيرات وأعمال عنف
متتالية في الآونة الأخيرة.
وإذا كان البرلمان العراقي قد ناقش مؤخرا
أعمال العنف التي جرت في العاصمة العراقية
بغداد، فإنه لن يجدى إلقاء اللوم هنا أو هناك،
لأن الأكثر جدوى هو ان تكون هناك إرادة قوية
وكافية للعمل لوقف تلك الأعمال بشكل ما إن
امكن. ولكن تحقيق ذلك لن يتم من قبل الحكومة
العراقية وحدها، لأنه يتطلب بالتأكيد تضافر
جهود كل القوى والأطراف العراقية لإنقاذ حاضر
ومستقبل العراق بعيدا عن التكتيكات الدامية
للانتخابات. فهل ستلتقي القوى العراقية
المؤمنة بوحدة العراق أرضا وشعبا ومستقبلا
ومصيرا، وتضع أيديها فوق أيدي بعض لاستعادة
امن واستقرار العراق ؟ على اية حال فان هذه
الفترة تعد بالغة الأهمية، لأن العنف ان لم
يتم تطويقه ووقفه الآن، فإن فرص ذلك ربما تقل
مع مرور الوقت واقتراب موعد بات القادمة.
من جانب آخر فإن العراق يحتاج بالفعل إلى كل
مساندة عربية جادة ومخلصة ومجردة من الحسابات
الضيقة لهذا الطرف أو ذاك لأن العراق الأقوى
والمستقر هو اضافة لرصيد القوة العربية في
النهاية.