الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

الدور الإقليمي التركي في العلاقات السورية - الإسرائيلية
د. عبد الله الأشعل
اكاديمي وسفير مصري سابق

«حتى لو انتهى الدور التركي عند حدود تقديم العرض الإسرائيلي للسلام مع سوريا، فإن تركيا حققت بالفعل هدفها من هذه المهمة وهي القدرة على العمل بين كل الفرقاء ونجاحها في انتهاج سياسة إقليمية مقبولة من الأطراف الإقليمية والدولية على السواء».
في خطوة مفاجئة ظهر رئيس الوزراء التركي على المسرح السياسي في المنطقة لكي يعلن أنه يقوم بدور جوهري في بدء المفاوضات بين سوريا وإسرائيل على أساس عرض حملته إسرائيل لأردوغان. هذه الخطوة تدفع الى دراسة عدد من النقاط المهمة المرتبطة بسياسات حكومة حزب العدالة والتنمية الذي يواجه تحديا داخليا خطيرا حيث تبحث المحكمة الدستورية في دعوى إبطال الحزب بتهمة العمل ضد أهم ركائز تركيا الحديثة وهو النظام العلماني.
النقطة الأولى تتعلق بدور تركيا في عدد من الوساطات في المنطقة أقربها الى الذهن اللقاء بين وزيري خارجية باكستان وإسرائيل في اسطنبول عام 2005 لتطبيع العلاقات بين البلدين. ولكن بعض الدراسات تشير الى أن الدور الإقليمي ارتبط مباشرة بتباعد المسافة بين تركيا وواشنطن رغم أن الدور التركي في الحالتين مع كل من باكستان وسوريا ومع حماس من قبل حيث رفضت إسرائيل هذا الدور مع حماس، بينما هي التي وسطت تركيا مع باكستان وسوريا لسبب واضح وهو أن إسرائيل بحاجة ماسة الى احتواء سوريا وإلى اختراق العالم الإسلامي من خلال باكستان.
وقد نجحت الوساطة التركية مع باكستان لأسباب كثيرة أولها أن الدولتين حليفتان للولايات المتحدة وأن هذا التقارب مع إسرائيل جزء من الاستراتيجية الأمريكية وثانيها أن باكستان وتركيا دول إسلامية خاصة في عهد حزب العدالة والتنمية وتوجهاتة الإسلامية رغم أن تركيا الحديثة قامت على أساس العلمانية بينما نشأت باكستان على أساس الفرز الديني الإسلامي. وثالثها أن تركيا هي أول دولة إسلامية اعترفت بإسرائيل وأقامت معها علاقات دبلوماسية كاملة في اطار تحالفها الغربي وظلت علاقاتها مع عدد من الدول العربية متأثرة حتى سبعينات القرن الماضي فالمؤهلات التركية للوساطة وجذب باكستان التي يتوق نظامها الى شكل من أشكال العلمانية السياسية والدينية كافية خاصة وأن علاقات تركيا بإسرائيل تثرى بهذه الأدوار التركية.
أما في حالة سوريا، فما هي مؤهلات تركيا وضمانات نجاح الدور بصرف النظر عن نتيجة؟ وهل تفيد النتائج تركيا وتخدم مصالحها أيضا؟
الثابت أن تركيا تريد أن ينشط دورها حتى تكون ساحة بديلة للساحة الأوروبية، وأن تكون في الوقت نفسه ورقة للتأهل للانضمام الى الاتحاد الأوروبي. من ناحية اخرى، هي بحاجة الى هذا الدور لتجد له أرضية مشتركة ولكنها أضعف بكثير من الأرضية التي أرستها في علاقات باكستان بإسرائيل لسبب واضح وهو أن الصداع السياسي والعسكري بين سوريا وإسرائيل واحتلال الأراضي السورية في الجولان ومناهضة سوريا في لبنان وعزلها في العالم العربي لا نجد نظيراً له في العلاقات الباكستانية- الإسرائيلية، ولذلك فالمهمة أصعب بل محفوفه بالمخاطر. من ناحية اخرى فإن العلاقات التركية الإسرائيلية وإن كانت تؤهل تركيا للتوسط إلا أنها ليست أساسا واضحا للاعتقاد بأن تركيا يمكن أن تقدم أي ضمان لحدية الموقف الإسرائيلي. من ناحية ثالثة، فإن العلاقات السورية - التركية المتنامية منذ تسليم سوريا لعبدالله اوجلان عام 1998 وتوسط مصر مع البلدين، ثم تأييد سوريا لموقف تركيا من تعقب حزب العمال الكردستاني في شمال العراق تمثل أرضية صالحة لتركيا للوساطة مع سوريا وان كانت سوريا داخلها شك عميق تجاه تركيا لسبب عبور الطائرات الاسرائيلية لاجوائها في الغارة الإسرائيلية على دمشق في سبتمبر 2007 والتي اتهمت فيها سوريا واشنطن بالضلوع فيها. ولكن هذا الشك يدخل إطار الحذر السوري المألوف من تركيا التي كانت المشاكل معها تتفاقم سواء بسبب تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل وتصدي سوريا دائما لهذا الملف وإحراج تركيا أو بسبب الخلاف الحاد على مياه نهري دجلة والفرات أو أمن الحدود أو عضوية تركيا في الناتو وتحالفاتها الغربية، ونتيجة ذلك كله تدرك سوريا أن تركيا أقرب الى إسرائيل عند الخيار والمفاضلة، ويهم تركيا تحقيق مصالحها دون أن يتطابق ذلك بالضرورة مع مصالح سوريا.
في ضوء ما تقدم، من الواضح أن الدور التركي ترحب به سوريا وإسرائيل ولكن هذا الدور لا علاقة له بنجاح المسعى التركي حتى لو كانت المفاوضات بين سوريا وإسرائيل تتم تحت رعاية تركية. يترتب على ذلك أن تركيا سوف تلتزم منتهى الحذر في هذا حتى لا توظف سوريا أو إسرائيل هذا الدور لصالحها، كما أنه دور تباركه قطعا الولايات المتحدة التي قررت في الوقت نفسه تصعيد الضغط على سوريا أملا في نجاح المهمة التركية لصالح إسرائيل. وحتى لو انتهى الدور التركي عند حدود تقديم العرض الإسرائيلي للسلام مع سوريا، فإن تركيا حققت بالفعل هدفها من هذه المهمة وهي القدرة على العمل بين كل الفرقاء ونجاحها في انتهاج سياسة إقليمية مقبولة من الأطراف الإقليمية والدولية على السواء.

  رجوع