«من
المعروف أن هناك مصلحتين استراتيجيتين لهما
أولوية عليا لأمريكا فى الشرق الاوسط ـ هما
البترول وإسرائيل».
وأضيفت إليهما
الحرب على الإرهاب بعد إعلان بوش استراتيجية
الأمن القومي الجديدة في 20 سبتمبر ،2002 لكن
تجربة الحكم في عهد بوش، أوجدت تيارا مضادا
لسياسته، تتبناه غالبية النخبة، وتسير في
محاذاته استطلاعات الرأي العام، وهو تيار
يتبنى عقيدة نشر الديمقراطية في العالم العربي،
باعتباره الركن الرابع في المصالح
الاستراتيجية للولايات المتحدة.
المناقشات الدائرة حول مشاكل الحاضر والمستقبل
وهي جزء من الحياة اليومية في أمريكا، والتي
تديرها النخبة المتربعة على قمة التفكير
والمشاركة في صناعة سياسات الدولة. ولاتخلو
هذه المناقشات الآن من حديث عن الذي سيقود
التحول التاريخي في سياسة أمريكا، بعد أن
اتفقت غالبية المناقشات على أن التحول واقع لا
محالة.
ومن مؤشرات هذا التحول، الانتصار الساحق الذي
أحرزه أوباما كمرشح للحزب الديمقراطي للرئاسة،
باعتبار ذلك أمرا تاريخيا في حد ذاته، حين
أعطى الأمريكيون أصواتهم لمرشح لا تنطبق عليه
المقاييس الثابتة والتقليدية المعمول بها
تاريخيا، لمن يختارونه ليسكن البيت الأبيض.
السيناتور جاري هارت الذي كان مرشحا في
السبعينات للرئاسة، وصف ما يجري بأن الحملة
الانتخابية الحالية تمثل احتمال حدوث دورة
جديدة في تاريخ أمريكا. وتعبير الدورات
التاريخية في أمريكا أول من تحدث عنه هو
المؤرخ المعروف أرثر شليزنجر، واسماها دورات
الإصلاح، ودورات تثبيت الأوضاع.
ولن يكون أوباما هو صانع الدورة التاريخية لكن
دوره تمثل في إدراكه مجيئها، وهو ما كان وراء
رفعه شعار التغيير، والذي جذب إليه ملايين
الشباب حتى من البيض، هذه الدورة تحركها قوتان
أساسيتان، الأولى النتائج السلبية للكوارث
التي جلبتها سياسة بوش، وعلى رأسها المحنة
العسكرية في العراق، وما تأكد لهم من أن
مفاهيمه عن الحرب على الإرهاب قد ضاعفت من حجم
الإرهاب، فلم يصبحوا أكثر أمانا.
والقوة الثانية ـ خارجية ـ ظهرت مع بوادر
تشكيل نظام عالمي جديد تتدخل في صنعه قوى
جديدة منها الصين والهند، وانتشار تنبيه واسع
من النخبة بعدم الصدام مع النظام الدولي
الجديد.
المرشح الجمهوري ماكين لم يستطع أن يلحق بفكره
بهذا التحول، وظل في حملته الانتخابية الحالية،
يتحرك داخل دائرة ما هو قائم ومستقر، وكثير من
مواقفه المعلنة لا تبتعد عن إطار سياسات بوش،
فهو يؤيد استمرار الوجود العسكري في العراق،
حتى ولو استمرت الحرب، لمائة سنة قادمة، على
حد قوله، وتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وتأييد
التعذيب للمعتقلين في قضايا الإرهاب. وكلها
مواقف تتفق مع تاريخ ماكين السياسي، وانتمائه
الى الحزب الجمهوري بتوجهاته المحافظة، وإن
كان المحافظون الجدد يرفضونه لأنه ليس منهم.
وأن ما يدعم وضع أوباما في مواجهة هذا التحول،
أن 80٪ من الأمريكيين الذين جرى استطلاع
آرائهم، قالوا إن بلادهم تسير في الاتجاه
الخطأ. وإن 28٪ فقط قالوا إن الرئيس يؤدي عمله
جيدا. كما أن الديمقراطيين يتقدمون بعشرين
نقطة على الجمهوريين في استطلاعات الرأي.
وبالرغم من استعداد الأمريكيين للتغيير في
الاستراتيجية، وطبيعة دور أمريكا في العالم،
يظل لديهم عدم استعداد للتخلي عن قيم أساسية
تعبر عن ثقافتهم وتقاليدهم، مثل دور الدين في
الحياة العامة، والتجارة والسوق الحرة، والحق
في حمل السلاح في الداخل، وخصوصية حياة الفرد،
واحترام القانون، وما دخل في مفهومهم عن الأمن
القومي من أن غياب الديمقراطية في الشرق
الأوسط، أصبح خطرا على أمنهم القومي،
والاعتقاد بأن هذه المسألة يجب أن تحتل
أولويات أي رئيس قادم.
هذا المفهوم صار متفقا عليه بين الخبراء من
النخبة في مناقشاتهم التي تدور في مراكز
البحوث، والمعاهد الأكاديمية، بعد أن تمت
بلورة هذا المفهوم في إطار كونه مصلحة
استراتيجية لأمريكا.
وهذا تطور ملحوظ فيما يتعلق بارتباط هذه
النظرة بالشرق الأوسط، فقد كان مستقرا بينهم
أن هناك مصلحتين استراتيجيتين لهما أولوية
عليا لأمريكا ـ هما البترول وإسرائيل.
وأضيفت إليهما الحرب على الإرهاب بعد إعلان
بوش استراتيجية الأمن القومي الجديدة في 20
سبتمبر ،2002 لكن تجربة الحكم في عهد بوش،
أوجدت تيارا مضادا لسياسته، تتبناه غالبية
النخبة، وتسير في محاذاته استطلاعات الرأي
العام، وهو تيار يتبنى عقيدة نشر الديمقراطية
في العالم العربي، باعتباره الركن الرابع في
المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.
والنقطة الأخيرة شهدت جدلا داخل إدارة بوش في
فترة ولايته الثانية منذ عام ،2005 بعد فوز
حماس في الانتخابات الفلسطينية، وظهور اتجاه
داخل حكومة بوش يقول:
ما فائدة الديمقراطية، إذا كانت ستأتي لنا
بحكومات معادية لسياسة ومصالح أمريكا؟
لكن حتى ولو وازنت السلطة التنفيذية بين
قناعاتها وبين المصالح، فأبطأت من حماسها
للديمقراطية، فسوف يظل هناك تيار قوي، يقاوم
التراجع عن سياسة نشر الديمقراطية، موجودا
بقوة في الكونجرس، وبين النخبة والرأي العام،
وسوف يكون له تأثيره على الرئيس القادم، وعلى
الاستراتيجية الجديدة التي ستحل محل
استراتيجية بوش.
والمعروف أن المحافظين في أمريكا أكثر عددا من
الليبراليين، وبالتالي فإن التوجهات التي يؤمن
أصحابها باحتفاظ أمريكا بوضع القوة الكبرى
الوحيدة، وبالهيمنة على العالم، تظل قوية لا
يمكن التهوين منها، ومن نفاذها داخل مؤسسات
الدولة، رسمية وغير رسمية، مقابل اعتراف من
قوى عديدة الكثير منها من المفكرين والمشاركين
في صناعة السياسة الخارجية، بأن التحول الجاري
له طبيعته التاريخية، وأنه قد بدأ بالفعل، ولن
تستطيع أمريكا مهما تكن قوتها وثراؤها
وتقدمها، أن تمنع دورة التحول التاريخي في
العالم.