الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

​مصادر العنف الداخلي في الساحة الفلسطينية​​
​ماجد كيالي

​ لم يكن الفلسطينيون بحاجة إلى مزيد من التنازع والاصطراع والاقتتال، فيما بينهم، إذ يكفي هؤلاء ما يحيق بهم، من بلاوي التشرّد والاحتلال والحرمان والحصار، وأعمال القمع والبطش، التي تنتهجها إسرائيل ضدهم، هذا بالإضافة إلى تعثّر وانهيار مشاريعهم، سواء المتعلقة بالانتفاضة والمقاومة، أو بالمفاوضة والتسوية؛ برغم كل التضحيات والمعاناة التي يبذلونها منذ نصف قرن.
وفي الواقع فإن هذه الحالة تؤدي إلى مفاقمة حال اليأس والإحباط وخيبة الأمل، بينهم، وخصوصا في الأراضي المحتلة، وتفاقم الفوضى في ساحتهم، وتؤدي إلى تآكل قضيتهم، واستنزاف قواهم، وتؤدي خدمة كبيرة لعدوهم.
الأنكى من التقاتل بحد ذاته، أن ثمة قابلية مضمرة له في الثقافة السياسية السائدة، وفي طبيعة علاقات القوى الفلسطينية، التي تطغى عليها الصبغة الميلشياوية المسلحة، وتقديس ثقافة العنف، وضعف الوعي بالتعددية والتنوع في مشروع التحرر الوطني.
طبعا يمكن هنا الاستنتاج بأن سياسات إسرائيل وممارساتها القمعية والقهرية مسؤولة عن تكريس انتهاج الفلسطينيين للعنف، كما لا يمكن استبعاد عمل استخباراتي إسرائيلي، في تأجيج حال الاحتقان والاقتتال بين الفلسطينيين.
لكن مع ذلك ينبغي الاعتراف، أيضا، بأن ثمة مصادر أخرى لهذا العنف، تنبع من المجتمع الفلسطيني ذاته، أي من نمط بناه وعصبياته التقليدية/القبلية (العائلية والعشائرية والمناطقية)، وعلاقاته الداخلية/الأبوية، وخلفياته الفكرية والتربوية.
معلوم أن مجتمعات بلدان العالم الثالث (وضمنها المجتمع الفلسطيني)، ما زالت أقرب إلى مجتمعات ريفية، كونها لم تتعرف إلا في وقت متأخّر، ومشوه، وعبر الاصطدام بالخارج، على قيم الحداثة والعلاقات المدنية؛ المتأسسة على احترام الرأي الآخر والاحتكام للقانون واعتبار دور المؤسسات وإعلاء شأن الفرد والحريات. والإجماع في مجتمعات كهذه لا يصدر عن مجموع الأفراد، الذين يؤلفون الذات المجتمعية، في مؤسسات دولانية شرعية، بقدر ما يصدر عن أولي الأمر (وجهاء العائلات والعشائر وكبار علماء الدين وأصحاب النفوذ)، الذين يشكلون نوعا من سلطة معنوية ووصائية (موازية)، تتمتّع بسلطات مادية أيضا. وهذه المجتمعات تولي العصبيات القبلية مكانة المرجعية، على حساب الدولة، حيث الغلبة لمن يملك مصادر القوة، المباشرة والمداورة.
وهذا الواقع يشكل أحد أهم مصادر تشريع العنف والإكراه في تلك المجتمعات، التي تبدو في حالة تهميش واغتراب إزاء الدولة، التي أقيمت بوسائل قهرية بعيدا عن الاجماعات الوطنية، في أغلب الأحوال.
أيضا، تبيّن التجربة بأن المجتمعات التي تخوض الكفاح العنيف ضد الاحتلال، لا سيما في بلدان العالم الثالث، تصاب بتشوهات سيكولوجية وأخلاقية، أو بمعنى أخر تصاب بلوثة العنف، حتى في إدارة أوضاعها وعلاقاتها الداخلية، بقدر العنف الذي يواجهها به الاحتلال، أو الذي تواجه هي به الاحتلال؛ بحكم ضعف اندماجها الاجتماعي وتطورها المؤسّسي.
وثمة أمثلة تبين أن الجماعات المسلحة التي وصلت إلى السلطة بالعنف، قامت (فيما بعد) بتوجيه شحنة العنف التي تتملّكها نحو الداخل، لحل خلافاتها الداخلية ولإحكام سيطرتها على المجتمع. وقد شهدنا كيف أن تجربة العنف الجزائري ضد الاحتلال انعكست أيضا على سيكولوجية الجزائريين، وأدّت إلى استشراء العنف لديهم، في حل خلافاتهم الداخلية.
الآن يبدو أن الفلسطينيين يتعرضون، بشكل أو بأخر لنفس الأعراض المرضية العنفيّة، إذ بات العنف الموجّه ضد الاحتلال ينعكس سلبا (بشكل أو بآخر) على الفلسطينيين ذاتهم؛ خصوصا أن عنفهم هذا بات، على الأغلب، وكأنه غاية في ذاته، غير مقنّن ولا مسيّس، وغير مسيطر عليه بطريقة صحيحة؛ وهذا يتبع لتدني مستوى تطور المجتمع الفلسطيني وضعف علاقات الديمقراطية والمشاركة في حركته السياسية. والواقع فإن تفشي روح العسكرة في بنية الحركة الفلسطينية، وتغييب مؤسسات الإجماع الوطني يسهم في تغليب لغة القوة والعنف كوسيلة لحل الخلافات الداخلية، ولإحكام السيطرة، لفرض أغراض أو أهواء سلطوية أو فصائلية بمعزل عن ملاءمة ذلك لحاجات ومصالح الشعب الفلسطيني.
في التجربة التاريخية، لا يبدو أن مشهد العنف الداخلي، الذي برز مؤخرا في الساحة الفلسطينية، لحل الخلافات البينية فيها، ليس بجديد عليها، فهو غير معزول عن التجربةالسابقة، إبان الكفاح ضد الانتداب البريطاني لفلسطين. ففي تلك المرحلة انقسم الفلسطينيون بين تيارين: المجالسية، بزعامة الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى (وهو مفتي فلسطين)، والمعارضة بزعامة راغب النشاشيبي، رئيس بلدية القدس.
وقد اتّسم الصراع بين هذين الطرفين، اللذين استقطبا الوطنية الفلسطينية، بالتوتّر والعنف وبتخوين كل طرف للآخر. وعندما اندلعت الثورة الفلسطينية الكبرى (1936ـ1939) قامت فصائل المقاومة المسلحة باغتيال عديد من الشخصيات المحسوبة على المعارضة، بدعوى بيوع الأراضي وغير ذلك، في حين شكلت المعارضة ما سمي «فصائل السلام»، التي أخذت على عاتقها مهمة ضرب فصائل المقاومين، وتصفية قياداتهم، بالتعاون مع الجيش البريطاني.
والواقع فإن هذه القوى لم تتوجه نحو الوحدة إلا بنتيجة ضغوط خارجية، فقط، ولكن ذلك لم يمنعها من الاستمرار في التنابذ، رغم تعاظم خطر ضياع الوطن الفلسطيني لصالح المشروع الصهيوني!
ولم تسلم التجربة المعاصرة من هذه الأعراض المرضية، فلطالما شهدت هذه الساحة نوعا من الاقتتال الداخلي والاحتكام للسلاح بين رفاق الخندق الواحد.
وكانت أبرز محطات الاقتتال والاحتكام للسلاح، حصلت في عام ،1983 في مرحلة انشقاق مجموعة من فتح، قامت بشنّ نوع من الحرب ضد حركة فتح الأم في بيروت والبقاع وطرابلس، في محاولة منها لإجراء حسم انقلابي/عسكرتاري في الحركة لصالحها؛ وهو ما لم توفّق به، لأسباب داخلية وخارجية. وقد استعيد مظهر الاقتتال الفلسطيني في لبنان، في ما سمي حرب المخيمات (في النصف الثاني من الثمانينات).
كذلك فإن الانتفاضة الفلسطينية الأولى شهدت نوعا من القتل غير الشرعي، الذي لجأت إليه بعض مجموعات المقاومة المسلحة بحق بعض المتعاونين مع إسرائيل، إذ تبين فيما بعد أن العديد من التصفيات تمت عن غير تحقيق وعن غير وجه حق. وعند قيامها، بنتيجة اتفاقات اوسلو (1993) حاولت السلطة حسم الأمور لصالحها، في مواجهة الفصائل المعارضة، فلجأت إلى المبالغة بتعزيز دور الأجهزة الأمنية، على حساب البني الأخرى، كما لجأت إلى استخدام لغة الزجر والتهميش والقمع مع المعارضة، بدلا من استخدام لغة الحوار والمشاركة والاحتكام للشعب ومؤسساته الشرعية.
وكما قدمنا فإن واقع غلبة البنية العسكرتارية على الفصائل، على حساب البنية التنظيمية، ونوع الثقافة السياسية السائدة، وحرمان المجتمع من المشاركة السياسية، أسهم في تغذية العنف كشكل لحل الخلافات الداخلية.
فالسلطة والمعارضة (سيان) تفرضان نوعا من وصاية على المجتمع، وتمتلكان سلطة لا تستمد شرعيتها تماما من الشعب ذاته، ولا من المؤسسات التمثيلية المنبثقة عنه.
عموما فإن الاقتتال الداخلي مدمر للحركة الوطنية، هو بمثابة جريمة سياسية وأخلاقية تعبر عن استهتار الطبقة السياسية السائدة بمعاناة وتضحيات الفلسطينيين؛ لا سيما أن الصراع يجري على سلطة في وضع لا سلطة فيه فوق سلطة الاحتلال، وفي وضع ما زالت فيه أراضي الضفة والقطاع تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي السياسية والعسكرية والاقتصادية، وفي وقت تجري فيه التهدئة مع العدو! وهذا علامة على موت السياسة، وأفول مشروع التحرر الوطني ذاته. ​​

  رجوع