الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

​عودة الحرب الباردة​​
​ سمير عواد​​

​فيما يجري دفن القتلى بعد نهاية المعارك العسكرية في القوقاز عقب اندلاع حرب قصيرة غير متكافئة بين جيورجيا التواقة للارتماء في حضن حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وبين روسيا العائدة إلى مكانتها السابقة كقوة كبرى حانت ساعة السياسيين الذين يدلون حاليا بتصريحات حادة إلى حد توصف بأنها نارية بحيث تذكر الأجواء بزمن الحرب الباردة بين الشرق والغرب التي انتهت بسقوط جدار برلين في نوفمبر عام .1990 لكن ما يختلف في عام 2008 عن عام 1963 حين كانت الحرب الباردة في اوجها ، مجموعة من البلدان التي كانت إبان الحرب الباردة تنضوي تحت مظلة الاتحاد السوفييتي السابق، تسعى اليوم للاحتماء بمظلة الغرب وهذا يحصل في مرحلة استعادت روسيا قوتها بفضل امتلاء خزائنها المالية بسبب الارتفاع العالي لأسعار النفط والغاز، ولان هناك في موسكو رئيس وزراء اسمه فلاديمير بوتين عازم على أن يدخل التاريخ بوصفه الرجل الذي رد الاعتبار لروسيا.
لا يشك اثنان أن بوتين هو الرجل القوي في روسيا الجديدة وليس الرئيس سيرجي ميدفيدييف الذي اختاره بوتين ليكون خليفته ثم عندما جرت الانتخابات كان تأكيده في منصبه مجرد مسألة روتينية أولا لعدم وجود منافس قويا له إذ سعى بوتين لإجهاض نفوذ المعارضة. وبوتين يستغل القوة الجديدة لروسيا جيدا وما زال كما فعل في حرب الشيشان يخاطب الأمريكيين بلغتهم. فقد كانت واشنطن أول من بدأ الحروب الوقائية بحجة حماية مواطنيها من الإرهاب بعد وقت قصير على هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وغزت على رأس ائتلاف من المتعاونين قامت بتشكيله دون موافقة الأمم المتحدة، أفغانستان في نهاية عام 2001 ثم العراق في مارس عام 2003 فيما يدعو الصقور في إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش إلى القيام بحملة عسكرية على إيران وتدمير منشآتها النووية.
ومثلما وصف بوتين حربه الخاصة في الشيشان بأنها حرب ضد الإرهاب، وصف الحملة العسكرية المتواضعة على جيورجيا بأنها عملية تدخل لحفظ السلام وحماية مناطق يحمل مواطنوها الجنسية الروسية. وردا على الانتقادات من واشنطن بالذات قال رئيس الوزراء الروسي القوي أنه لا يستطيع أن يفهم كيف سعى الأمريكيون إلى إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بينما الفضيحة الكبرى التزامهم الصمت على الرئيس الجيورجي ميخائيل ساكاشفيلي الذي تسبب في هذه الحرب التي أسفرت عن سقوط آلاف القتلى والجرحى وتهجير عشرات الآلاف من ديارهم، إضافة الى لأنها وضعت ثماني طائرات نقل لحمل جنود جيورجيين يتمركزون في العراق إلى جيورجيا للمشاركة في الحرب. ليس بوتين وحده يرى ساكاشفيلي الذي يجلس في حكومته وزيران إسرائيليان، الرجل الذي أشعل نار الحرب الجديدة في القوقاز لأنه كان يعتقد أن الغرب سوف يهب لمؤازرة جيورجيا الضعيفة. فقد صرح المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر لمجلة(دير شبيجل) أن ساكاشفيلي الذي تسبب في زحف القوات الروسية إلى أوستيتيا الجنوبية وأبخازيا وحذر الغرب من الاستعجال في ضم جيورجيا إلى منظومة حلف شمال الأطلسي خاصة على ضوء الأحداث الأخيرة. وحذر شرودر من محاولة عزل روسيا وقال أنها جزء من أوروبا لا يمكن حل مشكلات العالم دونها. عقب نشر هذه التصريحات تعرض شرودر إلى انتقادات من صحف ألمانية اتهمته بالتحيز إلى بوتين الذي تربطه معه علاقة شخصية حميمة علاوة على أن المستشار الألماني السابق يعمل مستشارا لشركة طاقة روسية لعب بوتين دورا في ضمان هذه الوظيفة لصديقه الألماني. لكن بعض المعلقين الألمان يجدون صعوبة في الدفاع عن ساكاشفيلي واكتشفوا مثل بروس أندرسون المعلق السياسي في صحيفة(ذي إندبيندنت) اللندنية أن ما حصل في القوقاز مؤخرا كشف عن قيام القادة الغربيين بأخطاء جسام إن كانت دبلوماسية أو استراتيجية أو جيوسياسية أهمها تشجيع جيورجيا على ضمها للناتو وعدم إدراك حساسية أن حدود الحلف العسكري الغربي سوف تصل إلى حدود روسيا. واتفق المعلقون على أن الهوة زادت عمقا بين الولايات المتحدة وروسيا مما سيكون لذلك إذا استمر نتائج سلبية على نزاعات أخرى لا سيما النزاع النووي مع إيران وكذلك الشرق الأوسط حيث من الصعب وضع حل لأي من النزاعين دون مشاركة روسيا. ويرى رأي آخر أن الغرب أخطأ في تقدير حساباته إذ ينبغي عليه الآن التفكير بكيفية التعامل مع الجمهوريات السوفييتية السابقة خاصة وأن الحرب بين روسيا وجيورجيا دلت كم من السهل أن تجر إحدى هذه الجمهوريات الصغيرة حلف الناتو إلى نزاع مع روسيا. كما يتوجب على الغرب البحث منذ اليوم عن مصادر أخرى للطاقة في العالم بدلا من الاعتماد على روسيا بشكل رئيسي كما هو الوضع بالنسبة لألمانيا. كل ما يحدث الآن يؤكد أن حربا باردة جديدة بدأت. فقد أبرمت واشنطن اتفاقية مع بولندا إحد ألد أعداء روسيا لبناء درع واقية للصواريخ قيل لكي تقي بولندا هجوما بالصواريخ من إيران لكن المعني هنا هو روسيا. كما تستمر جيورجيا في حملتها الدعائية ضد روسيا وتتهمها بالاعتداء على جمهورية صغيرة. ويفكر الصقور في واشنطن وموسكو بطريقة تزعج الآخر عبر تجميد اتفاقيات تعاون. ويؤدي بوش خدمة كبيرة من خلال التصعيد مع روسيا لصديقه مرشح الحزب الجمهوري الأمريكي جون ماكاين الطامح لأن يكون رئيس الولايات المتحدة رقم 44 إذ أن النزاع مع روسيا يخدم فكرته التي تدعو إلى إنشاء ما يسمى (جامعة الديمقراطيين) وهي مجموعة من الدول الغربية وما يسمى الديمقراطيات الجديدة في أوروبا الشرقية للعمل بدلا من الأمم المتحدة تحت قيادة الولايات المتحدة في حكم العالم.
يقول دبلوماسي غربي: لو كانت فكرة ماكاين قائمة لكانت أفواج جيوش التدخل التابعة لجامعة الديمقراطيين في طريقها إلى القوقاز. علاوة على أن ماكاين كان على الفور قد لجأ إلى تحقيق هدفه بطرد روسيا من مجموعة دول الثماني. من ينظر اليوم إلى وضع العلاقات بين الغرب وروسيا يلاحظ فورا أن العالم يعيش حربا باردة جديدة في أغسطس .2008 بعد أن احتاج بناء الثقة بين الجانبين إلى سنوات طويلة وتم إبرام اتفاقيات تعاون تم تجميدها. بينما صورت وسائل الإعلام الغربية ولا تزال روسيا بالدب المعتدي فإنها تعاطفت منذ البداية مع مفتعل الحرب ساكاشفيلي الذي وفرت له محطة ٴNN الأمريكية منبرا ليخاطب الرأي العام العالمي لإظهار جيورجيا في صفة الضحية وأنها تدفع ثمن تطلعها إلى تحقيق الديمقراطية رغم أنف روسيا. كل هذا حصل وسط غياب تام لهيئة الأمم المتحدة. لكن من يتحمل مسؤولية انهيار النظام العالمي الجديد؟ كانت شعوب العالم خاصة في الشرق الأوسط المثقل بالنزاعات وآسيا وإفريقيا تأملان بمستقبل أفضل. تبع حرب الخليج الأولى عام 90/1991 تفاؤل حذر بأن تقوم واشنطن بالضغط لتحقيق السلام بين العرب وإسرائيل. ثم جاءت هجمات 11/9 وتبعها غزو أفغانستان لكن خطط اليمينيين المتشددين في إدارة بوش بدأت تنجلي بعد غزو العراق في عام 2003وبدأت القوة الكبرى تسعى لتحقق أهدافها الخيالية في السيطرة على العالم. وشجع انفرادها في الحرب قوى أخرى. فقد راح أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد هجمات 11سبتمبر 2001 يزعم بأن إسرائيل تحارب الإرهاب ليسلب الشعب الفلسطيني حقه المشروع في النضال من أجل استعادة بلده السليب. كما شجع الصين على اضطهاد الأغوريين ومنع استقلال التيبت علاوة على أن واشنطن أبرمت اتفاقية تعاون نووية مع الهند التي تخوض بدورها حربا باردة مع باكستان النووية. واكتشفت إيران ضعف الغرب وعدم وجود إستراتيجية دولية تشجعها على العدول عن برنامجها النووي لأغراض عسكرية. عندما قررت واشنطن غزو العراق في عام 2003 دون موافقة مجلس الأمن الدولي بدأت الهيئة الدولية تخسر هيبتها وسلطتها. لكن هذه ليست نهاية النزاعات. في عام 1957 سئل هارولد مكميلان رئيس الوزراء البريطاني بعد وقت قصير على استلامه منصبه عن النهج الذي ستعتمده حكومته فأجاب قائلا: الأحداث سوف تحدد هذا النهج يا أعزائي.
أمس العراق، وحرب إسرائيل مستمرة في فلسطين منذ ستة عقود،وبالأمس القريب القوقاز مرة أخرى، فأين تكون ساحة النزاع القادم؟​​

  رجوع