«المسألة لا
تكمن في الصلاحيات بقدر ما تكمن في الوعي
السياسي على الصعيد الشعبي والتفريق الجوهري
بين الخاص والعام في الممارسة البرلمانية.
ولعل من النقاط التي تستحق النقاش والحوار
ضرورة تغيير بعض القوانين التي تخص العضوية من
خلال عدم الربط بين الترشح لعضوية المجلس
وانهاء الخدمة في الحكومة لأن ذلك سوف يشجع
المزيد من الكوادر المثقفة ذات المؤهلات
العلمية والتي يزخر بها الجهاز الإداري للدولة
للدخول في الحياة البرلمانية لإثراء التجربة
وبعد ذلك يمكن العودة إلى العمل مجددا دون فقد
الوظيفة أو التقاعد كما هو مطبق الآن»
في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها
السلطنة على صعيد تفعيل العمل الوطني خاصة على
صعيد تثبيت دولة القانون والمؤسسات بعد صدور
المرسوم السلطاني رقم 101/1996 حول النظام
الأساسي للدولة فإن المرحلة تتطلب تحليلا
دقيقا حول آفاق ان تكون المؤسسة البرلمانية
تسير وفق تدرج منطقي بعيدا عن المجازفة
والتسرع الذي قد يأتي بنتائج عكسية على ضوء ما
نراه في تجارب بعض الدول البرلمانية الأخرى.
ولعل تجربة مجلس الشورى والتي انطلقت منذ عام
1991 تستحق الدراسة والتأمل ومن خلال رؤية
حيادية من خلال التدرج الذي ساهم في استقرار
التجربة والتي لا شك تحتاج إلى تعزيز في
المرحلة القادمة على صعيد المهام والاختصاصات
بشكل خاص على اعتبار ان المجلس في نهاية
المطاف لا بد ان يكون مجلسا له دوره الرقابي
وهذه مرحلة حاسمة وضرورية وفق رؤية جلالة
السلطان قابوس بن سعيد المعظم والذي أشار في
احدى كلماته السامية الى ان المجلس وجد ليبقى
ويتطور.
وفي ظل تزايد النغمة من هنا ومن هناك سواء على
الصعيد الشعبي أو على صعيد النخبة المثقفة حول
آليات عمل المجلس وضرورة انتقاله إلى مرحلة
أقوى وأشمل على صعيد العمل البرلماني والرقابي
فإن ثمة تساؤلات موضوعية لا بد ان نضعها في
الحسبان حتى يمكن الوصول إلى قناعات تعطي
المبرر لتلك الانطلاقة التي يتطلع اليها
البعض.
من المعروف ان المجالس البرلمانية الرائدة
خاضت نضالا غير مسبوق للوصول إلى ما هي عليه
من أداء راق يخدم الأوطان والشعوب وليس مسألة
مفارقة ومناكفة الحكومات من خلال ايجاد الأسس
والقوانين والتوعية السياسية للناخبين والتي
تعد من الأمور والقضايا الحيوية.
فالمفهوم لدى البعض ان المجلس أو البرلمان في
أي دولة لا بد ان يدخل في صراع مع الحكومات
لانتزاع مصالح الشعب وان يكون رقيبا أمينا في
إطار الصلاحيات الممنوحة له من قبل المشرع
ولكن في الدول النامية حديثة العهد بالتجربة
البرلمانية تبقى مسألة الحوار والتعاون بين
المجلس هي الصيغة المثلى في إطار من الشفافية
والوضوح رغم ان عقبات مؤكدة سوف تعترض ذلك
التفاعل من خلال رؤى مختلفة واجتهادات وشعور
البعض بأن الجانب التشريعي يقلل من حركة
الحكومة وهذا أمر غير صحيح.
ولتقريب الصورة أكثر فإن مضي اقل من عقدين من
عمر مجلس الشورى ليست بالفترة الكبيرة
وبالتالي فإن الوصول إلى تجربة اعمق واشمل لها
علاقة بالتعليم والوعي السياسي والثقافي
وارتفاع نسبة الاقبال على الانتخابات ووصول
مرشحين على قدر كبير من الثقافة والتأهيل
العلمي ووجود بيئة اعلامية تساند التجربة في
ظل زخم مجتمعي يوفر الانطلاقة لأي تجربة
برلمانية حديثة ومن هنا فإن مسألة الملاحظات
التي قد توجه إلى تجربة مجلس الشورى لا بد ان
تأخذ المسألة المجتمعية بعين الاعتبار.
الجميع مدرك لأهمية العمل البرلماني والرقابة
المؤسساتية على اعتبار ان السلطنة ومن خلال
الفكر المستنير لجلالته - حفظه الله - تواصل
النهج الذي يؤسس لدولة القانون ويجعل المجتمع
محكوما بمرجعية قانونية تنظم حركة المجتمع
والمحافظة على مصالحه ولكن لا بد من التذكير
بأن التدرج في مرحلة التشريع هي مرحلة أساسية
في ظل الواقع المعاش وفي ظل السعي الحثيث
لإيجاد الحراك السياسي الشعبي من خلال تنامي
الوعي بين أفراد المجتمع.
ولعل إلقاء نظرة فاحصة على جوانب العملية
الانتخابية وعلى مدى الفترات الست الماضية وما
صاحبها من ظاهرة سلبية محددة على صعيد
الممارسة الشعبية ومسألة الولاء القبلي وغيرها
من الممارسات تعطي مؤشرا أن المجتمع يحتاج إلى
مزيد من الوقت حتى تختفي مسألة التقكير الضيق
والانحياز إلى مفهوم المصلحة الضيقة.
الجميع يتطلع إلى مرحلة متقدمة على صعيد العمل
البرلماني والرقابي في مجلس الشورى ولكن لا بد
ان تكون الموضوعية هي سيدة الموقف لأن المسألة
ليست بتلك البساطة عندما نتحدث عن مسألة دور
المجلس الرقابي نظرا للتبعات الكبيرة والتي
تتطلب نمطا معينا من الممارسة البرلمانية
ووصول النضج السياسي الشعبي إلى مرحلة متقدمة
تفرز في نهاية المطاف توليفة من الكوادر
البشرية المؤهلة لاستيعاب ذلك الانطلاق
الحيوي.
صحيح ان هناك عقولاً أكاديمية ومؤهلة وصلت إلى
قبة المجلس ولكن نحن هنا نتحدث عن منظومة
متكاملة وليست مجموعة من الأفراد رغم ان
الجميع يبذل جهده على ضوء قدراته ونظرته
للأمور من واقع تجربته الحياتية ومعايشته
المجتمع، فأي صلاحيات مهما وصلت على صعيد
التشريع لا تفرز تجربة أقوى في ظل غياب الظروف
الموضوعية التي تحدثنا عنها وبالتالي فإن
المسألة لا تكمن في الصلاحيات بقدر ما تكمن في
الوعي السياسي على الصعيد الشعبي والتفريق
الجوهري بين الخاص والعام في الممارسة
البرلمانية. ولعل من النقاط التي تستحق النقاش
والحوار ضرورة تغيير بعض القوانين التي تخص
العضوية من خلال عدم الربط بين الترشح لعضوية
المجلس وانهاء الخدمة في الحكومة لأن ذلك سوف
يشجع المزيد من الكوادر المثقفة ذات المؤهلات
العلمية والتي يزخر بها الجهاز الإداري للدولة
للدخول في الحياة البرلمانية لإثراء التجربة
وبعد ذلك يمكن العودة إلى العمل مجددا دون فقد
الوظيفة او التقاعد كما هو مطبق الآن.
كما ان مسألة تغيير اللائحة الخاصة
بالانتخابات تعد من الأمور الحيوية وربما تكون
مسألة الدوائر او أي صيغة أخرى قد تعطي زخما
جديدا وتخفي بعض الامور التي شابت الانتخابات
في بعض مراحلها بالإضافة إلى ضرورة ربط
الولايات من الناحية التقنية حتى لا يحدث
تكرار مسألة التصويت.
الطموح كبير للوصول إلى مجلس ذي دور رقابي
ولكن وعلى ضوء المحددات الحالية فإن المسألة
تحتاج إلى مزيد من التدرج وإلى اعطاء التجربة
مزيدا من النضج ويكون هناك المزيد من الوعي
الشعبي والذي يعد المحرك الأساسي لانطلاق أي
تجربة برلمانية.
ولاشك ان ما يقوم به المجلس حاليا هو امر مهم
وهناك العديد من القضايا والموضوعات الوطنية
والتي ترفع للحكومة وقد لا تكون معروفة
اعلاميا لأنها في إطار الدراسة بين المجلس
والحكومة.
صحيح ان ضغوط الحياة والمتغيرات الاقتصادية
وما يمر به المجتمع من ظواهر تدخل في إطار
التطور الطبيعي لأي مجتمع في اطار المنظومة
الأوسع والذي يجعل الالحاح والضغط لممارسة
أكبر هو أمر مفهوم ومقدر ولكن تبقى المسألة
الرقابية على جانب كبير من الاهمية وهي تتجاوز
في كثير من الأحيان ذلك الالحاح الشعبي والذي
ينطلق في بعض الاحيان من خلال دوافع عاطفية
ورغم ذلك فإن الحكومة والمجلس في المحصلة
النهائية مطالبان بخدمة مصالح المواطنين في ظل
التوجيه السامي للطرفين بايجاد مزيد من
التفاعل والشراكة لخدمة عمان وشعبها وهي
مسؤولية لا بد من انجازها على الوجه الأكمل في
ظل تحديات اجتماعية واقتصادية حقيقية تتطلب
مواجهة وحلولا متكاملة. قبل أقل من عقدين لم
يكن هناك مجلس الشورى ولم ير أحد المناقشات
الطويلة بين الوزراء وأعضاء المجلس في كل هموم
الوطن وقضايا المواطنين وربما يكون الأمر بعد
عقدين من الان مختلفا بشكل دراماتيكي المهم هو
البناء والاستعداد بشكل صحيح لمرحلة تتجاوز في
نظرتها الشأن المحلي لما هو أوسع جغرافيا في
ظل مفاهيم العولمة الجديدة والسماوات
المفتوحة.