الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

الإعلام الفضائي.....أزمة المستقبل
الدكتور إبراهيم بدران

«مع الإيمان الكامل بالاقتصاد الحر الا أن هناك العديد من المفردات كالغذاء والدواء والفكر والثقافة والأخلاق والأذواق لا يجوز أن تعامل على انها مجرد سلع. انها اساسيات المجتمع الإنساني المتحضر. الأسئلة كثيرة والإجابات تتطلب التريث والبحث والتفكير والنظر إلى المستقبل. ولكن المستقبل قريب جداً».
يتواصل الإعلام الفضائي نمواً واتساعاً وتنوعاً، إلى الدرجة التي أصبحت فيها المحطات الفضائية التي يمكن أن يشاهدها أي فرد في العالم تعد بالمئات، وأحياناً بالآلاف. وبالتالي أصبح المشاهد معرضاً لآلاف الساعات من المواد الإعلامية الفضائية، التي توشك أن تصبح مصدر العلم والثقافة والخبر والفن والأعمال والتعليم، وكل شيء تقريباً. وبين آلاف الساعات هذه مواد اعلامية شتى، تتفاوت في النوع والقيمة والاتجاه والتفاصيل، من أعلى مستوى ممكن من الرقي والموضوعية، إلى أدنى درجة من الانحياز والابتذال والهبوط والرخص التجارية البغيضة. بكل ما يحتوي ذلك من اغراءات ومحسنات واقنعة تخفي وراءها ذلك الجشع الذي يتاجر فـي أذواق الناس وعقولهم ومشاعرهم.
والسؤال: هل ينبغي أن تترك هذه المسألة على علاتها هكذا؟ تترك لقوى السوق وديناميكية العرض والطلب؟ ولمسؤولية المشاهد؟ باعتباره حراً ومسؤولاً عن قراره وحريته واختياره؟
إن الإجابة المتسرعة قد تقول نعم. هذه مسألة حرية. وكل امرئ يختار من المشاهدة ما يشاء. وهو أدرى بمصالحه وأكثر قدرة على الإنتقاء. ولا يريد أحد فرض رقابة أو منع محطة. ولا يريد أحد للحكومات أن تأخذ دور الرقيب فتمنع الآراء، وتخفض سقف الحرية والفكر، بحجة الدفاع عن الفضيلة.
ومع هذا فلا بد من الاعتراف، بل والإدراك بأن المسألة أعقد من ذلك بكثير. وهناك تجارب معاصرة اضطر المجتمع والدولة، بل والمنظمات الدولية، للتدخل في قضايا خطيرة، قيل عنها قبل خمسين سنة انها مسألة حرية شخصية، لا يجوز التعرض لها. فالتدخين والذي كان يمثل جزءا لا يتجزأ من الحرية الفردية، ويترك أمر انتشاره إلى قوى العرض والطلب، وقوى السوق والوعي والتربية، أصبح الآن محل انتقاد شديد، وتصدر من أجل حظره القوانين على شتى المستويات. وهناك أمثلة كثيرة، كالمخدرات والقمار، وتلويث البيئة، وثاني أكسيد الكربون والضوضاء، بل وحتى أنواع معينة من المأكولات أو ما يشبهها. والسؤال هو ينبغي الانتظار حتى يصبح الإعلام الفضائي الهابط» ظاهرة عامة؟ وأزمة مجتمعية طاغية؟ ومدخلاً للانحلال والجريمة؟ ومن ثم تستيقظ المجتمعات نحو التحرك السريع من أجل حل الأزمة؟ ووضع الضوابط لمنع كارثة انسانية قد تقع هنا وهناك؟
هل يمكن التفكير باساليب «غير حكومية وغير سياسية» تتبناها منظمات المجتمع المدني؟، ويساهم في صنعها مثقفون ومفكرون وعلماء ليتحركوا من باب «الطب الوقائي» واستشراف المستقبل ومنع الأذى؟، وليس من باب الانغلاق والتزمت، وحجر الحريات والتضييق على الناس، وقتل الإبداع والابتكار أو الضغط على الفنون؟
هل يمكن وضع معايير مستوى ودساتير ممارسة للمحطات الفضائية؟ تلتزم فيها إدارات المحطات طوعياً، فقط للمحافظة على مستوى ذوقي وأخلاقي وعلمي في حدوده الدنيا؟
وستبرز الأسئلة تباعاً. من يحدد المستوى الثقافي والذوقي والأخلاقي المقبول؟ وهل هذه المستويات ثابتة في الزمان والمكان؟ وهل هي موحدة لدى الثقافات؟ ولها نفس الأثر والتأثير عند مختلف المجتمعات؟
لا أحد يدعي أن الإجابة على هذه الأسئلة سهلة، ومباشرة وفورية. وإنما تتطلب الإجابة الاستناد إلى الفكر والعلم والبحث والاستقصاء. وهذا ما يجعل دور منظمات المجتمع المدني والباحثين مسألة غاية في الأهمية. هل يمكن تقدير الأضرار التي يحدثها الإعلام الهابط في المجتمع؟ وخاصة لدى الناشئة ولدى الأجيال الصاعدة؟ وهل يمكن حساب الكلفة الاقتصادية والإنسانية لكل ذلك؟ وهل يمكن فرض ضرائب من نوع ما على هذا النوع من الإعلام، تماماً كما هي الغرامات والضرائب على السجائر والكحول وعلى ملوثات البيئة؟
ومع القناعة بأن آليات الاقتصاد الحر هي أفضل ما هو متاح حتى الآن، الا ان هذه الآليات لا ينبغي أن تنفتح على أقصاها ودون ضوابط، في القضايا الجوهرية التي تمس المناطق الأكثر أهمية في المجتمع ونعني ثقافته وذوقه وسلوك أبنائه. والفرق واضح وكبير بين التنوع و الانفتاح، وبين الهبوط والابتذال.
لعل واحداً من الانتقادات الكبرى التي توجه دائماً إلى منظمة التجارة العالمية، انها عاملت (الغذاء) على انه مجرد سلعة، تتحكم فيها آليات العرض والطلب. فأخضعت الغذاء لذات القوانين والإجراءات التي تحكم الملابس والألعاب أو الدراجات والسيارات، إلى الدرجة التي اصبح معها الغذاء مشكلة عالمية كما نراها الآن. وتجاهلت منظمة التجارة العالمية ومعها الكثير من الدول أن الغذاء بالإضافة إلى كونه سلعـة، الأهم من ذلك انه احدى الركائز الأساسية للمجتمع. ويمثل توفره جزءا من قواعد الاستقرار السياسي والمجتمعي والإنساني. وفي خلاف ذلك فإن المجتمعات تصبح مهددة بالانفجار.
هل ستتحرك اليونسكو ومعها الدول والمؤسسات الثقافية على خطى منظمة التجارة العالمية فتترك المجـــال للفكر والثقافة والفــن والعلم لأن (يتسلع)أي يصبح مجرد سلعة بالكامل؟ دون ضوابط ودون اعتبار لتماسك المجتمعات واستقرارها؟ إلى أن تقع أزمة تشابه أزمة الغذاء الحالية والتي تهدد مئات الملايين من الناس؟ ومع الإيمان الكامل بالاقتصاد الحر الا أن هناك العديد من المفردات كالغذاء والدواء والفكر والثقافة والأخلاق والأذواق لا يجوز أن تعامل على انها مجرد سلع. انها اساسيات المجتمع الإنساني المتحضر.
الأسئلة كثيرة والإجابات تتطلب التريث والبحث والتفكير والنظر إلى المستقبل. ولكن المستقبل قريب جداً.

  رجوع