الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

العراق في مفترق طرق
أ.د داخل حسن جريو

«لكي يحقق العراق أمنه واستقراره لابد أن تحسم القوى السياسية الفاعلة حاليا في الساحة السياسية ابرز المشاكل التي تواجهها العراق بالتوافق والتراضي وباستفتاء شعبي حر ونزيه تحت إشراف دولي كلما اقتضت الضرورة ذلك، لتأمين حقوق جميع الأطراف بصورة معقولة».
يقف العراق اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية مصيرية، ومفترق طرق خطيرة تحدد حاضره ومستقبله لسنين طويلة قادمة.فإما أن يكون عراقا واحدا موحدا امنا ومستقرا ومتصالحا مع نفسه وجيرانه، عراقا منتميا انتماء صميميا إلى محيطه العربي والإسلامي، يرفل بالعز والسؤدد، وينعم اهله بخيراته التي حباه الله بها، من أراض خصبة ومياه وفيرة، وثروات طبيعية هائلة، وقدرات بشرية ذات خبرات علمية وتقنية واسعة، أذهلت اعداءه وأصدقاءه إلى الحد الذي دفع أعداء العراق الى شن حروب عليه تحت حجج وذرائع واهية ثبت زيفها وبطلانها للقاصي والداني، وإما أن يتشرذم - لا سمح الله - إلى دويلات عرقية وطائفية هزيلة ومتناحرة مع بعضها البعض، تارة بدعاوى الحدود والأمن، وأخرى بدعاوى تقاسم المياه والثروات. وستكون هذه الدويلات مجال نفوذ واسع لمداخلات قوى إقليمية ودولية وتصفيات حسابات فيما بينها لا مصلحة للعراق فيها. ولا يمكنها العيش إلا تحت عباءة هذه الدولة او تلك، والسير في أذيالها وتلبية مصالحها. نحاول بهذه المقالة المقتضبة تقديم رؤية موضوعية للخلاص من هذا المأزق الذي وجد العراق نفسه فيه رغما عنه.
بدءا لا بد من الاشارة الى بعض ثوابت الواقع العراقي التي بدونها لا يمكن فهم المخاض السياسي الذي يعيشه العراق اليوم في أعقاب الغزو الأجنبي وما ترتب عليه من تبعات، وما أفرزه من تداعيات امنية خطيرة، نجم عنها هدم النسيج الاجتماعي والعلاقات والوشائج الإنسانية القائمة بين مواطنيه منذ آلاف السنين، حيث عاش العراقيون في أمن وسلام شأنهم بذلك شأن الشعوب الأخرى ذات الأعراق والعقائد الدينية المتنوعة التي يجمعها العيش المشترك في وطن واحد، فضلا عن تخريب البنى الاساسية للعراق، لا بل القضاء على كيان العراق برمته، بعد أن نهبت ممتلكاتها وسجلاتها ووثائقها، ولم تسلم من ذلك كنوز العراق الأثرية التي لاتقدر بثمن بعد ان هربت إلى خارج البلاد على مرأى ومسمع من قوات الاحتلال التي لم تحرك ساكنا لردع اللصوص، وكأنها بذلك تريد مسح تاريخ العراق وحضارته لبناء دولة بلا تاريخ أو هوية، لا سيما بعد أن عملت على زرع روح الحقد والضغينة والعنف والتناحر العرقي والمذهبي بين مكونات الشعب المختلفة، بدلا من إشاعة روح المواطنة والتسامح وحب الآخر. وما كان لكل هذه الأفعال ان تحصل لولا رضا وتشجيع المحتلين لها في أقل تقدير، أو عدم اكتراثهم اوعدم تحملهم لمسؤولياتهم في أحسن تقدير إذا افترضنا توفر حسن النية لديهم.
وفي جميع الأحوال وكما هو معروف فإن الأعراف والقوانين الدولية التي يكثرون الحديث عنها ليل نهار، تحمل الغزاة مسؤولية الحفاظ على أمن واستقرار الدول المحتلة وممتلكاتها أيا كانت الأسباب والذرائع،فما بالك بمحتلين قالوا إنهم جاءوا لتحرير البلاد والعباد، وبناء دولة القانون والديمقراطية التي ستكون نبراسا في منطقة الشرق الأوسط، وفاتحة عهد جديد في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير، عراق قائم على العدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.وها هو العالم أجمع يرى بعد مرور اكثر من خمس سنوات على الاحتلال البغيض أن العراق الآن أصبح هباء منثورا،حيث ينعدم فيه ألآمان ويعم الخوف والذعر في كل ارجائه، وتنتشر رائحة الموت في كل مكان، ويسود الفساد في جميع مرافق الحياة، وتبددت ثرواته دون حياء، وتزداد البلاد خرابا، ويسود الجهل في كل مكان بعد أن انطفأت وهجة العلم والتعلم، وانكفأ العلماء والمفكرون والمثقفون في زوايا النسيان، او الهروب إلى خارج العراق بحثا عن ملاذات آمنة بعد تعرض الكثير منهم إلى تصفيات جسدية من عصابات الموت والجريمة المنظمة.
وخلاصة القول: ازدادت هموم الناس وتقطعت بهم السبل، وضاقت بهم أرض الله الواسعة، وعانوا الأمرين من ضنك العيش، وفقدان الأمن، وتفشي الفساد على أعلى المستويات، دون ان يحرك أحد ساكنا أو تلوح في الأفق بارقة أمل بالخلاص القريب من هذا الواقع المرير. وبدلا من التصدي الحازم لمعالجة هذه الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها العراق، فإنهم يكثرون الحديث عن مشاريع سياسية لإعادة رسم خريطة العراق على اساس تأسيس أقاليم عرقية وطائفية بصورة أو بأخرى وتقاسم ثرواته.
وفي خضم الفوضى السياسية التي تعم اليوم ما سمي بالعراق الجديد (عراق الحضارات والأمجاد عبر التاريخ)، وإزاء اوضاعه الشاذة والمضطربة، لا بد من وقفة جريئة وشجاعة لإنقاذ العراق وأهله بأسرع وقت ممكن بصرف النظر عن أسباب ما حل بها من بلاء وكوارث. وأيا كان مسببوها ودوافعهم في حينه بحسن نية أو سواها.
لا يمكن إنقاذ العراق مما وصل إليه إلا بإقرار ثوابت الواقع العراقي التي نوجزها بالآتي:
1 - ان العراق بلد آمن حر ومستقل وذو سيادة كاملة في ارضه ومياهه وسمائه.
2 - ان العراق عبر حاضره وتاريخه الطويل جزء لا يتجزأ من الوطن العربي.
3 - ان الشعب العراقي ثقافة وحضارة جزء لا يتجزأ من الأمة العربية والإسلامية.
4 - ان العراق كل لا يتجزبأي حال من الأحوال.
5 - ان العراق وطن العرب والأكراد والتركمان وسائرم،جموعاته الصغيرة وهم جميعا شركاء في هذا الوطن،متساوون في الحقوق والواجبات.
6 - ان العراق بلد متعدد الأعراق والمعتقدات الدينية، ينبغي أن يكفل لهم القانون جميعا حرية ممارسة شعائرهم الدينية، كل على طريقته دون المساس بمعتقدات الآخرين، أو إلحاق الأذى بهم.
7 - لا يمكن أن تتحدد طبيعة نظام العراق السياسي إلا بتوافق جميع مكونات الشعب العراقي في استفتاء حر ومباشر في ظروف آمنة ومستقرة دون أية ضغوط أو اكراه من جهات داخلية أو خارجية بأي شكل من الأشكال.
8 - لا يجوز لأية جهة الاستقواء أو الاتكاء على دول أو قوى خارجية تحت أي ظرف من الظروف او لأي سبب من الأسباب.
9 - التمييز الواضح بين مفهوم الحكومة ومفهوم الدولة، ذلك أن الحكومات زائلة، بينما الدول باقية في جميع الأحوال.
10 - اعتماد مبدأ المواطنة والكفاءة في تولي المواقع الوظيفية في العراق لا سيما الوظائف القيادية.
11 - نبذ كل أشكال العنف والتطرف بأنواعه أيا كانت غاياته ومقاصده.
12 - نبذ سياسة الأحلاف والتكتلات العسكرية والعمل على تجنب ربط العراق بأي منها، مهما كانت الضغوط والدوافع لعقدها بذرائع متطلبات حفظ الأمن الوطني والإقليمي أو سواها.
13 - توسيع علاقات العراق مع دول العالم المختلفة على اساس الصداقة والتكافؤ وتبادل المصالح المشتركة.
14- اعتماد مبدأ الحوار وتبادل الأراء وتقبل وجهات النظر المختلفة.
15- التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الانتخابات الحرة والنزيهة.
16 - إشاعة قيم المجتمع المدني المتحضر بدلا من قيم التعصب العشائري والقبلي والمذهبي.
17 - صيانة استقلال القضاء من أية مؤثرات داخلية أو خارجية.
18- لا يجوز إقصاء أفراد أو جماعات من ممارسة الحقوق السياسية على أساس الفكر أو العقيدة.
19- أن تكون القوات المسلحة من الجيش والشرطة وقوى الأمن الوطني قوات مهنية فوق الميول والاتجاهات السياسية، مسؤولة عن حماية الوطن من أي اعتداء خارجي أو عبث بأمنه الداخلي.
20 - طي صفحة الماضي ومآسيه وإيداعها في ذمة التاريخ، والتطلع إلى مستقبل مشرق ووضاء بإذن الله.
ولكي يحقق العراق أمنه واستقراره لا بد أن تحسم القوى السياسية الفاعلة حاليا في الساحة السياسية ابرز المشاكل التي تواجهها البلاد بالتوافق والتراضي وباستفتاء شعبي حر ونزيه تحت إشراف دولي كلما اقتضت الضرورة ذلك، لتأمين حقوق جميع الأطراف بصورة معقولة والتي يمكن إيجازها بالآتي:
1 - حسم موضوع مصير محافظة كركوك بضمها إلى ما يعرف حاليا بإقليم كردستان من عدمه، وكذا الحال على ما يطلق عليه الآن بالمناطق المتنازع عليها.
2 - حسم موضوع التعديلات الدستورية بما يحفظ هوية العراق العربية والإسلامية وضمان حقوق جميع مكوناته الأثنية والدينية.
3 - حسم موضوع العلاقة المستقبلية مع الولايات المتحدة الأمريكية بصورة واضحة وجلية وبما يؤمن سيادة العراق الكاملة على أرضه ومياهه وأجوائه وضمان حريته وحقوقه، وإبعاده عن التكتلات العسكرية.
4 - حسم موضوع الفدرالية وتشكيل الأقاليم وتحديد صلاحياتها وأسلوب إدارتها وارتباطها بالحكومة المركزية.
5 - حسم كيفية إدارة ثروات العراق والتصرف بها وتوزيعها العادل لضمان تنمية جميع محافظات العراق.
6 - نبذ العنف وكل أشكال الإرهاب والمليشيات بهدف تحقيق الأهداف السياسية وسواها.
7 - عدم الإستقواء بأية قوى خارجية مهما كانت الأسباب والذرائع.
8 - عدم إقصاء أو تهميش أية قوى سياسية تحت أي ظرف كان، ذلك أن العراق وطن الجميع.
ويتوقع أن تشهد المرحلة القادمة في ضوء نتائج الانتخابات المرتقبة لمجالس المحافظات ومجلس النواب الآتي:
1 - هيمنة الحزبين الكرديين الرئيسيين (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني)، على محافظات اربيل ودهوك والسليمانية في إطار تقاسم السلطة والنفوذ فيما بينهما.
2 - هيمنة الأحزاب الشيعية (المجلس الأعلى والدعوة والتيار الصدري) على محافظات الوسط والجنوب وأجزاء واسعة من مناطق بغداد وديالى ذات الكثافة السكانية الشيعية العالية، بصورة أو بأخرى في إطار اتفاق فيما بينها أو بدونه.
3 - هيمنة الحزب الإسلامي السني وبعض التنظيمات العشائرية السنية التي تتشكل الآن بصورة أو بأخرى، على محافظات الموصل وصلاح الدين والأنبار وأجزاء من مناطق بغداد وديالى ذات الأغلبية السكانية السنية.
4 - تقاسم السلطة في كركوك بين الكرد والعرب والتركمان بأرجحية بسيطة للكرد لأسباب باتت معروفة للكثيرين المتابعين للشأن العراقي.
5 - لا يتوقع أن تلعب الأحزاب العلمانية والليبرالية دورا يذكر في الحياة السياسية في المرحلة القريبة القادمة في ضوء التطورات السياسية الجارية حاليا، بصرف النظر عن قدرات بعض رموزها وأهليتهم والدعم الذي تلقاه من الإدارة الأمريكية.
6 - سيكون هناك دور سياسي محدود في العملية السياسية لبعض القوى السياسية الأخرى استكمالا لمتطلبات صورة الديمقراطية والتعددية.
7 - لا يتوقع أن تلعب القوات المسلحة دورا في الحياة السياسية كما كان عليه الحال في الحقب الماضية،وذلك بسبب إعادة تشكيلها على أسس طائفية وأثنية متوازنة بحسب حجم كل منها. وسينحصر دورها بمهام حفظ الأمن الداخلي في المقام الأول.
8 - ستوظف الأحزاب المهيمنة حاليا على الحياة السياسية الانتماءات المذهبية والأثنية والعشائرية لتعزيز نفوذها بجميع الوسائل الممكنة.
9 - يتوقع أن تلعب دول الجوار والقوى الدولية الكبرى دورا مهما في الحياة السياسية العراقية بصورة غير مسبوقة لأمد طويل نسبيا.
10 - يتوقع أن يصوت أغلب الناخبين وفق انتماءاتهم الأثنية والطائفية أكثر منها على وفق البرامج السياسية للكيانات السياسية.
خلاصة القول إن عراقا جديدا في طور التشكيل اليوم لم تحدد معالمه بوضوح حتى الآن،ولكنه يتوقع أن يكون في جميع الأحوال عراقا مختلفا شكلا ومضمونا عن كل ما سبقه.

  رجوع