يرسم الخبراء
الاقتصاديون صورة بالغة القتامة لما سيكون
عليه حال العالم في عام 2009م بسبب التداعيات
الخطيرة التي ترتبط بالأزمة المالية العالمية
التي شهدها عام 2008م، كما يؤكدون في هذا
السياق أن الدول النامية ستعاني بشدة من هذه
التداعيات بحكم انخفاض معدلات نموها الاقتصادي
في الأصل ومحدودية قدراتها الإنتاجية والمالية.
وبما أن المنطقة العربية تقع ضمن دائرة هذه
الدول على وجه العموم برغم الفروقات النوعية
النسبية بين أعضائها، فإن التحدي الاقتصادي
المرتبط بالسياسات المزمعة لمواجهة تداعيات
هذه الأزمة العالمية سيحتل مكان الصدارة في
هموم المنطقة العربية خلال العام الجديد. ومن
أهم القضايا التي يفرزها هذا التحدي ما يرتبط
بتأثيرات الأزمة المالية في مجالات البحث عن
عمل والفقر والغذاء حيث تشير كل التقديرات الى
أنها ستشهد المزيد من المخاطر التي تفاقم من
ضغوطها الاجتماعية والسياسية بما يهدد استقرار
المنطقة وخطط التنمية التي عقدت عليها الآمال
لانتشال أبنائها من دائرة التخلف.
كانت تقديرات خبراء صندوق النقد الدولي قد
حذرت في بداية الأزمة المالية من تراجع معدل
نمو الاقتصاد العالمي الى 4٪ وإلى خفض بمعدل 2
و3٪ في معدلات نمو الدول الصاعدة الكبرى مثل
الصين والبرازيل والهند وإلى هبوط حاد في
معدلات نمو الدول الأوروبية والولايات المتحدة،
وكانت تتوقع أن تؤدي الإجراءات التدخلية
السريعة التي تم اتخاذها في واشنطن وبقية
عواصم العالم الكبرى الى أن يقف التدهور عند
هذا الحد مع التفاؤل بأن يتجاوز العالم
الكارثة خلال صيف 2009م، ولكن قبيل نهاية عام
2008م بقليل أصبحت التقديرات أكثر تشاؤما حيث
اكتشف هؤلاء الخبراء أن مسار الاقتصاد العالمي
لن يتحسن بفعل هذه الإجراءات بل الأرجح أن
تداعيات الأزمة المالية ستزداد سوءًا. فمعدل
النمو العالمي قد يتراجع الى أقل من 3٪
والاقتصاد الصيني سيدخل مرحلة الركود، وكذلك
الاقتصاد الياباني وأما الاقتصاد الأمريكي
فإنه لن ينمو إلا بنحو 0,3٪، وهو ما دفع
دومنيك شتراوس مدير عام صندوق النقد الدولي
الى توقع أن يكون عام 2009م سيئًا جدًا مع
معاناة معظم الاقتصاديات النامية وانخفاض
معدلات النمو في الاقتصاديات الناشئة، وإلى
إعلان أنجيل جوريا رئيس منظمة التنمية
والتعاون الاقتصادي أن عدد الباحثين عن العمل
في العالم سيرتفع بمقدار 25 مليون شخص بحلول
عام 2010م. وستُفاقم هذه التوقعات السيئة من
حدة مشكلات الفقر والغذاء في العالم ككل وإن
كان نصيب الدول النامية يحظى بتقديرات أكثر
سوءًا حتى أن خطط الأمم المتحدة لخفض الفقر
بنسبة 50٪ بحلول عام 2015م لم تعد ذات جدوى.
وقد صدمت تقارير منظمة الفاو عن عام 2008م كل
المراقبين والخبراء حيث اتضح أن عدد الجوعى في
العالم ارتفع الى 963 مليون شخص منهم 50 مليون
شخص يحصلون على حد الكفاف فقط من الغذاء، وذلك
بزيادة 40 مليون شخص عن الأعوام السابقة،
وتعيش الغالبية من جياع العالم (907 ملايين
شخص) في الدول النامية ثلثهم في آسيا و33٪ في
إفريقيا جنوب الصحراء. وهناك 75٪ من سكان
إفريقيا سيكونون معرضين للجوع عام 2025م.
ومنطقتنا العربية في قلب هذه التقديرات
الخطيرة، حيث أكد التقرير الأول لمنظمة العمل
العربية الصادر في سبتمبر 2008م أن هناك 17
مليون عربي باحثين عن العمل من إجمالي السكان
وقدره 388 مليون نسمة، ووصف التقرير هذا الرقم
بأنه الأعلى والأسوأ في العالم حيث يمثل 14٪
من قوة العمل و25٪ من قوة الشباب. وكشف
التقرير أن نسبة الباحثين عن العمل بين الشباب
في بعض الدول العربية تصل الى 66٪. وهناك
تقارير عديدة تؤكد ارتفاع نسبة الفقر في الدول
العربية.
وقد فاجأت الأزمة المالية العالمية الدول
العربية وأضفت ظلالا بالغة القتامة على
توقعاتها من مشروعات التنمية على عكس ما كانت
تشير إليه الأوضاع في السنوات الخمس الأخيرة
التي شهدت سباقًا نحو زيادة معدلات النمو
الاقتصادي فيها. فوفقًا لما نشرته الشرق
الأوسط (22/12/2008) على لسان ديفيد كارسبول
كبير الخبراء الاقتصاديين في بنك ساكو، فإن
الأسواق الخليجية سوف تتأثر بشدة نتيجة الأزمة
الائتمانية، لأن السيولة ستجف ولا أحد يريد
المخاطرة، ومن المحتمل أن تشهد اقتصاديات مجلس
التعاون مثلها مثل الاقتصاديات الغربية حالات
من التباطؤ الحاد خلال 2009م. ومع أن الخبير
الاقتصادي أشار الى أن هذه الاقتصاديات ستتمكن
من التكيف مع الخروج من هذه الأزمة بسلام نسبي
نتيجة لأرصدة الحسابات الجارية الإيجابية
وتخفيف القيود النقدية، إلا أنه أكد في الوقت
نفسه أن معدل البحث عن عمل سيرتفع في هذه
الدول وسيكون العمال المهاجرون هم الذين
سيتأثرون في المقام الأول. ولا شك أن انخفاض
أسعار النفط الى حد كبير على النقيض تماما
لفترة الصعود المذهل التي شهدتها الشهور
السابقة مباشرة لاندلاع الأزمة المالية
العالمية في سبتمبر 2008م كان من العوامل
المفاجئة والصادمة لتقديرات الخبراء فيما
يتعلق بقدرة الاقتصاديات العربية عمومًا
والخليجية خصوصًا على تجاوز تداعيات هذه
الازمة. فبما أن إيرادات النفط تشكل المصدر
الرئيسي للدول العربية الفنية القادرة من
خلاله على زيادة معدلات نموها وجر بقية الدول
العربية غير النفطية أو الأقل ثراء في هذا
المجال الى زيادة معدلات نموها هي بالتالي
بحكم تدفق الاستثمارات، فإن الهبوط الحاد في
أسعار النفط أكد التوقع بأن الركود أو التباطؤ
في أحسن الأحوال هو سيد الموقف خلال عام
2009م. فبعد أن كان السعر قد وصل الى مستوى
قياسي تجاوز 147 دولارا للبرميل بداية 2008م
تراجع بنسبة 57٪ في نهاية العام لينزل دون 40
دولارًا للبرميل بسبب تدني الطلب العالمي على
النفط، وهناك توقعات بأن يهبط السعر الى 25
دولارًا للبرميل في العام الجديد. وعززت
الخسائر المتزايدة للأسهم الأمريكية التي منيت
بها خلال نوفمبر وديسمبر الماضيين والأزمة
التي واجهتها صناعة السيارات في الولايات
المتحدة، وحدوث أكبر هبوط على الإطلاق
للصادرات اليابانية من مشاعر القلق على حالة
الاقتصاد العالمي واستمراره في حالة الانكماش
وبالتالي استمرار تراجع الطلب على النفط للمرة
الأولى منذ ربع قرن. ومع تراجع أسعار النفط
بهذا النحو فإن الإنفاق الحكومي على مشروعات
التنمية سيتراجع بدوره، فضلا عن أن الاقتصاد
الحقيقي سيشهد تراجعًا حادًا نظرًا لأن القوى
التي يستند عليها من كبار رجال الأعمال
والمستثمرين تعرضت لخسائر فادحة في الأزمة
المالية العالمية وتشعر مستقبلا بالمزيد من
القلق ومن ثم ستحجم عن المخاطرة أو المغامرة
في التوسع بالنسبة لأنشطتها التجارية
والاستثمارية.
ولن يكون من المبالغة في التشاؤم القول بأن
الركود أو التباطؤ الاقتصادي في المنطقة
العربية سيقود الى مشكلات اجتماعية وسياسية
مقلقة، فعلى حد تقدير الخبير الاقتصادي أحمد
النجار رئيس تقرير الاتجاهات الاقتصادية
الاستراتيجية الذي يصدر عن مركز الدراسات
السياسية والاستراتيجية بالأهرام، لا يعد تفشي
ظاهرة الباحثين عن عمل هو أحد أهم أسباب بروز
ظاهرة «الجماعات المتطرفة» في العالم العربي،
ومن ثم فهو يطالب بالنظر الى ظاهرة الباحثين
عن عمل على أنها قضية أمن قومي يجب تكاتف
الجميع لصدها والعمل على حلها لأن الجميع
سيضار منها. وبالمنظور المادي يرى أن التكلفة
الاقتصادية للبحث عن عمل في 11 دولة عربية تصل
الى نحو 25 مليار دولار سنويًا أو 2,3 من
إجمالي الناتج المحلي في المنطقة، ويضيف أن
المغرب تعد الدولة الأكثر تحملا لتكاليف البحث
عن عمل، إذ تصل التكلفة فيها الى 7,7 مليار
دولار سنويًا، والجزائر 5,6 مليار دولار، ومصر
4,6 مليار دولار، سنويًا. وإذا أضفنا الوضع
الراهن في غزة كمنطقة ملتهبة سياسيًا، فإن
مخاطر عودة التطرف السياسي ستتزايد في ظل حالة
الركود الاقتصادي المترتبة على الأزمة المالية
العالمية في المنطقة، ووفقًا لتحذيرات البنك
الدولي فإن حصار إسرائيل لغزة يدفع بها الى
حافة الانهيار.
وقد أحسنت المملكة العربية السعودية صنعًا
عندما وضعت موازنة ضخمة للعام المالي 2009م
قدرت بنحو 475 مليار ريال سعودي هي أضخم
موازنة للسعودية على الإطلاق وتزيد بمقدار 65
مليار ريال سعودي عن موازنة عام 2008م التي
كانت تعد أضخم موازنة سعودية. وقد أكد خادم
الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز
بمناسبة إعلان هذه الموازنة الجديدة أنه
بالرغم من الانخفاض الحاد في أسعار النفط خلال
إعدادها «ستكون تعزيزًا للبرامج التنموية التي
تؤدي الى نمو الاقتصاد الوطني وزيادة الثقة به
وتوفير الفرص الوظيفية للمواطنين والمواطنات».
ويدخل ما قامت به المملكة في إطار الخطوات
الرسمية التي تتخذ على صعيد الحكومات العربية
لمواجهة تداعيات الأزمة المالية ودرءًا
للمخاطر الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن
تترتب عليها حيث تركز في جوهرها على إنعاش
السوق وإيجاد الطلب على المشروعات والوظائف
وزيادة التشغيل للحد من ظاهرة البحث عن عمل.
ولكن ليس من المتوقع أن تمضي معظم الدول
العربية بنفس المستوى مقارنة بحال السعودية
مما لا يمكن البناء عليه كآلية تنقذ المنطقة
العربية مما يختبئ لها من مخاطر خلال العام
الجديد ولذلك فإن القمة الاقتصادية العربية
بالكويت خلال يناير ستضع مسارًا جماعيًا ليس
بخصوص مواجهة الأزمة المالية في حد ذاتها
لتنشيط التعاون الاقتصادي العربي على وجه
الإجمال وتحديدًا في مشروعات الطرق والسكك
الحديدية ومواجهة الفقر وظاهرة الباحثين عن
عمل وتوفير الغذاء بالنهوض بالزراعة في عدة
بلدان عربية تمتلك مزايا نسبية في المجال
الزراعي، كما أن القمة معنية بتنشيط دور
صناديق التنمية العربية وإعادة النظر في
استراتيجيتها بما يجعلها تساعد في هذه
المجالات بشكل أكبر، وهكذا تتحرك الأطراف
العربية على الصعيدين الفردي والجماعي للتكيف
مع الأزمة ووقف تداعياتها بالحفاظ على معدلات
نمو مطمئنة نسبيًا، ولكن ما يجب أن تتأهب له
الشعوب العربية هو خفض سقف توقعاتها الإيجابية
عن المستقبل!!