تحقيق- سعيد بن علي الهنائي
تعتمد الزراعة الناجحة على الاستغلال الأمثل للموارد
المائية المستخدمة في عملية الري حيث يعد رفع كفاءة
استغلال مياه الري في مقدمة الأهداف من عملية نشر وإدخال
تقنية أنظمة الري الحديث في الحيازات الزراعية إلى جانب
تطوير نظم الري المزرعية التقليدية والجمع بين نظام الري
الحديث والتقليدي ساعد إلى حد كبير في التقليل من عملية
إهدار المياه في ري المزروعات كما عمل على تخفيض الفاقد من
المياه في عملية الري.
(صفحة الزراعة) التقت بالمختصين للحديث عن تقنية الري
الحديث ومشاريع تطوير نظم الري المزرعية التقليدية وترشيد
استخدام المياه والتفاصيل في السطور التالية.
تقنية الري الحديث
البداية كانت مع المهندس سالم بن مصبح الكلباني من
المديرية العامة للزراعة والثروة الحيوانية بمنطقة الظاهرة
حيث قدم شرحا عن أنظمة الري الحديث وقال: تستخدم في
السلطنة عدة أنواع من أنظمة الري الحديثة حيث قامت الوزارة
بالتوصية بها بعد الدراسات العلمية والتجارب العملية
لتحديد الأنسب منها والمقبول اجتماعيا ومتوافق مع ظروف
السلطنة المناخية وخصائص التربة حيث تم تحديدها في نظام
الري بالرش وتعتبر أنسب وسيلة لري محاصيل الأعلاف
والمحاصيل الحقلية إضافة إلى بعض محاصيل الخضار الورقية
وفكرة عمل الرشاش تقوم على توزيع المياه على شكل رذاذ مطري
ينتشر في دائرة كاملة حول منطقة الرشاش وتثبت هذه الرشاشات
على أبعاد متساوية بحيث تغطي كل مساحة بينية من أربعة
رشاشات وبذلك يتحقق توزيع عادل للمياه وهناك نظام الري
بالتنقيط ويستخدم لري محاصيل الخضروات بمختلف أنواعها
كالطماطم والجح والشمام كما تستخدم المنقطات أيضا لرش
أشجار الزينة، وتقوم المنقطات بتوزيع كميات متساوية من
المياه على كل الشجيرات حيث لا تتأثر بالارتفاعات
وانخفاضات سطح التربة ويستطيع المزارع التحكم بكمية المياه
المروية وبالتالي إعطاء النبات الكميات المناسبة دون زيادة
مستفيدا بذلك استفادة قصوى من الماء والسماد المعطى للنبات
إلى جانب نظام الري بالنافورة ويستخدم لسقي الأشجار
الدائمة والكبيرة حيث ان هذه الأشجار وتحت الظروف المناخية
للسلطنة تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه مثل أشجار
الفاكهة ونخيل التمور والنارجيل، ويتم سقي الأشجار عن طريق
إيصال المياه إلى منطقة جذور الأشجار عن طريق شبكة من
الأنابيب البلاستيكية المدفونة تحت سطح التربة وتدفن هذه
الأنابيب على عمق 60 إلى 80 سم تحت سطح التربة حتى لا تعيق
العمليات الزراعية.
تطوير النظم التقليدية
وانتقل المهندس سالم الكلباني للحديث عن نظم الري المزرعية
التقليدية حيث قال: تمثل نظم الري التقليدية عنصرا مكملا
لأنظمة الري الحديثة والوزارة تعمل على الاستفادة من كلا
النظامين وبأي حال لايمكن اعتبار أي من النظامين بديلا
للآخر بل كل نظام يكمل الآخر ويعملان معا على تحقيق كفاءة
في عملية الري واستغلال أكبر قدر ممكن من المياه ويعطي
مثالا على مشروع عمل حيث قال: إن مشروع تطوير النظم
المزرعية التقليدية بقرية عملاء بولاية عبري ساهم في تحقيق
ترشيد كمية مياه الري بنسبة تصل إلى أكثر من 50٪ ورفع
كفاءة الري من 2 إلى 3 مرات بالمقارنة مع الري بالغمر
والتوسع الأفقي في الزراعة حيث زادت المساحة المنزرعة من
40 فدانا إلى 91 فدانا وتحسين جودة المنتج ورفع معدل
إنتاجية النخيل مما يعطي أسعارا تنافسية أعلى باستبدال
النخيل ذات الأصناف الرديئة بأصناف ذات جودة عالية
والترشيد في مستلزمات الإنتاج والمحافظة على نظافة المزرعة
وقلة انتشار الحشائش.
نظام الأفلاج
ويشارك في الحديث المهندس حمد بن سليمان الذهلي من
المديرية العامة للبحوث الزراعية والحيوانية حيث قال: بسبب
محدودية المياه قام الإنسان العماني بالتعايش والتأقلم مع
هذه الظروف الطبيعية وأوجد نظاما فريدا يضمن حاجته من
المياه سواء للري أو الاستخدامات الحياتية الأخرى بحيث
توفر 29,6٪ من المساحة المـروية، ونظام الأفلاج يقوم بنقل
المياه من المياه الجوفية من مناطق مرتفعة إلى المناطق
المنخفضة عن طريق الجاذبية الأرضية بقناة رئيسية تحت الأرض
ثم يخرج الماء إلى سطح الأرض بقناة مكشوفة تسمى الشريعة
والتي توزع إلى القنوات الفرعية لري المساحات الزراعية
وتتخلل التجمعات السكنية وفق نظام إداري وأحكام وتشريعات
تؤمن لكل مزارع حقه وحصصه من مياه الفلج، ويتصف هذا النظام
بتوفير المياه لمختلف الاستخدامات دون التأثير على التوازن
المائي، وتقسم الأفلاج في عمان إلى ثلاثة أنواع وهي:
الداؤودية ويطلق عليها أيضا الأفلاج العدية وهي أفلاج
تستمد مياهها من المياه الجوفية ويصل طول قناتها إلى عشرات
الكيلو مترات وارتفاعها إلى عشرات الأمتار وتكون تصرفاتها
عالية وقليلة التأثر المباشر في حالات الجفاف وتسقي هذه
الأفلاج مساحات كبيرة تصل إلى عشرات الهكتارات مقارنة
بالأفلاج الأخرى والعينية وتستمد هذه الأفلاج مياهها من
مياه العيون وتكون غالبا مياها ساخنة وتستخدم هذه المياه
في التدواي من بعض الأمراض وخاصة الجلدية علاوة على
استخداماتها الأخرى الآدمية والزراعية والحيوانية وطول
قناتها الرئيسية بين 200متر إلى 1000متر والغيلية وتستمد
هذه الأفلاج مياهها من المياه المنسابة في سطح الأودية ومن
ثم إلى قناة رئيسية تتراوح بين 500 و 2000 متر، وتتأثر هذه
الأفلاج مباشرة بالحالة المائية للمنطقة ولذلك تروي هذه
الأفلاج مساحات أقل من الأفلاج الداؤودية.
تقسيم المياه
ويعطي المهندس حمد الذهلي مثالا على تقسيم مياه الأفلاج
حيث قال: إن نموذج فلج الهجير بولاية العوابي في تقسيم
مياه الأفلاج يوضح أن المزارعين مازالوا يعتمدون على
النجوم والساعة الشمسية لجدولة مياه الري رغم قصر النهار
وطول الليل طوال السنة بسبب الموقع الجغرافي بين الجبال
ومن أجل تقسيم المياه بشكل عادل ولتفادي الفروقات الناتجة
من عدم دقة الحساب قام المزارعون بتقسيم الحصص على 7 أيام
كل يوم به مجموعتان تروى بالليل والنهار وزيادة حصص ري عند
الري بالليل تختلف بين الصيف والشتاء كما تغلب المزارعون
على التغيرات الموسمية في تدفق الفلج عن طريق حفظ الماء في
خزانات كبيرة قبل عملية الري.
ظروف طبيعية
المهندس سليم بن سليمان العاصمي من المديرية العامة
للزراعة والثروة الحيوانية بالمنطقة الداخلية قال: تعتبر
السلطنة ضمن الدول التي تعاني نقصا حادا في مواردها
المائية حيث إنها تقع في حزام المناطق الجافة وشبه الجافة
التي تتصف بارتفاع في درجات الحرارة إذ تصل درجات الحرارة
في المناطق الصحراوية إلى 50 درجة مئوية خلال الصيف مما
يجعل معدلات التبخر عالية 3000 ملم في السنة وتتساقط
الأمطار في السلطنة بطريقة غير منتظمة من ناحية الكمية
والوقت حيث يبلغ متوسط الهطول 100 و 200 ملليمتر سنويا
وبالرغم من تلك المعوقات الطبيعية فقد أبدع العمانيون في
زراعة مختلف أنواع الأشجار والمحاصيل الزراعية الأخرى التي
تتأقلم مع الظروف البيئية وتتحمل الجفاف وهناك معوقات فنية
تتمثل في ضعف البيانات والمعلومات المائية وعدم كفايتها
ودقتها ولا يوجد برنامج إرشادي في مجال استخدام المياه في
الزراعة وقلة الكوادر الفنية المتخصصة في مجال تشغيل
وصيانة أنظمة الري وتدني كفاءة الري التقليدي و قلة
البرامج البحثية في مجال تحديد المقننات المائية وتقدير
كفاءة الري الحديث والتقليدي وقلة الشركات المنفذة لأنظمة
الري الحديث وعدم توفر الخبرة الكافية في عملية التنفيذ
وعدم وجود التشريع القانوني لإدارة وتشغيل أنظمة الري
ولاستمرارية المشروع ومعاقبة المخالفين وضعف الوعي المائي
وعلاقة المياه بالنبات والتربة مما يؤدي إلى ضعف في إدارة
وتشغيل أنظمة الري الحديثة ووجود الأعراف بين الأهالي في
إدارة مياه الأفلاج.
موارد محدودة
ويوضح المهندس سليم العاصمي أن موارد المياه بالسلطنة
محدودة وتعتمد السلطنة على المياه الجوفية والتي تتم
تغذيتها بمياه الأمطار حيث لا توجد مياه سطحية دائمة، وكما
ذكرنا سابقاً أن سقوط الأمطار بكميات قليلة وغير منتظمة
خلال السنة.
وتشير الدراسات إلى أن نسبة مياه الأمطار المستفادة حوالي
15٪ فقط حيث يتبخر الجزء الأكبر منها بينما يذهب الجزء
الباقي إلى البحر أو إلى الصحراء وتبلغ جملة المياه
المتجددة 1267 مليون متر مكعب في حين أن جملة الاستخدام
الزراعي والمنزلي ولأغراض الصيانة يبلغ 1645 مليون متر
مكعب أي وجود عجز مائي مقدر 378 مليون متر مكعب (وزارة
موارد المياه)، ويقع معظم هذا العجز بمنطقة الباطنة
والمقدر 180 مليون متر مكعب. ولتقليل فاقد مياه الأودية
والتي تتجمع فيها مياه الأمطار على هيئة فيضانات التي تذهب
إلى البحر أو الصحراء قامت الحكومة بإنشاء ما يقارب 17 سدا
لحجز تلك المياه مما أتاح إلى تخزين هذه المياه في باطن
الأرض وزيادة مناسيب المياه الجوفية.
كفاءة الري
ويضع المهندس سليم العاصمي بعض الحلول لمواجهة نقص موارد
المياه ورفع كفاءة عملية الري وهي: توصيل مياه الري بكفاءة
عالية لري المحاصيل ومراعاة عوامل الجو، نوعية التربة، نوع
المحصول والمزارع مع ضرورة تحسين الري التقليدي أو
استبداله بالري الحديث تدريجياً ومشاركة المزارعين في
عملية صيانة وتشغيل شبكة أنظمة الري الحديثة وتوفير مواد
الري وقطع الغيار في الأسواق المحلية لممارسة الري الحقلي
وإعطاء الأولوية في استخدام عمال مواطنين لإدارة المزارع
بدلاً من عمال أجانب وأخذ بالحسبان مقاييس حماية البيئة
عند إدارة الري الحقلي وتوفير الدعم المالي والفني ونشر
التوعية العامة مع مشاركة المزارعين في عمليات الري من
خلال برامج مستمرة لتحسين ممارسات الري الحقلي وتعزيز
التعاون والتنسيق فيما بين المنظمات والمعاهد التي تعنى
بالري الحقلي لتنفيذ أهداف ممارسات الري الحقلي
وتشجيع القطاع الخاص ليكون أكثر فعالية ومرتبطا بممارسات
الري الحقلي تبادل الخبرات والمعلومات حول تقنيات الري
الحديثة بين الدول المشتركة في نفس المشاكل من خلال
الندوات وحلقات العمل.
دور البحوث الزراعية
المهندس حمدان بن سالم بن سعيد الوهيبي باحث احتياجات
مائية بمختبر علوم البساتين من المديرية العامة للبحوث
الزراعية والحيوانية قال: تلعب البحوث الزراعية دورا كبيرا
في تعظيم إنتاجية المياه للمحاصيل الزراعية وذلك سواء برفع
الإنتاجية أو تخفيض كميات مياه الري المضافة كما أن
الزراعة المائية الجاري تجربتها وتطبيقها في البحوث
الزراعية ثم انتقلت إلى المزارعين ساهمت في تخفيض كميات
مياه الري المضافة من جهة وارتفاع الإنتاجية وبالتالي
تعظيم إنتاجية المياه.
التوعية والإرشاد
يواصل المهندس حمدان الوهيبي حديثه ويقول: الدور التوعوي
له الكثير من الجوانب الايجابية وهو مكمل للدور البحثي
فمثلما يقال العلم بالشيء خير من الجهل به والتوعية
والإرشاد يعمل على توجيه البرامج الإرشادية لجميع القطاعات
مع التركيز على المزارعين خاصة في تعاملهم مع المزروعات في
مزارعهم وحقيقة الكثير من التطورات الايجابية حدثت في هذا
السياق حيث نجد المزارعين وقد تجاوبوا مع برامج ومشاريع
الوزارة في إدخال ونشر أنظمة الري الحديث في الحيازات
الزراعية ومن المؤكد أن دور المزارعين هو الفيصل كما أن
توعية الجمهور بالاقتصاد في استهلاك المياه يساعد على
المحافظة على الموارد المائية ككل ويقلل من استنزاف المياه
بصفة عامة.