الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

قبسات من «الحكم القابوسية» ..
بوصلة مضيئة لإدارة الدولة العصرية
عبدالله بن ناصر الرحبي


الإنسان الذي ينشده صاحب الجلالة وأكد عليه دائما، وعلى دوره؛ هو ذلك الإنسان الذي يعمل ويُرى سعيه، وليس الذي يبني (انجازه) على مجرد الكلام والأقاويل، والنقل دون القول.. لقد جاءت في حوار جلالته إشارة واضحة تفيد هذا المعنى، عندما أشار إلى أن جلالته لا يحب الاطراء، وأن الحب أو الاطراء الحقيقي الذي يمكن أن يقدمه أي إنسان لآخر، هو أن يقدم العمل على القول.
دائما كانت لنا، نحن العمانيين، خطابات وحوارات صاحب الجلالة منهجا ورؤية استشرافية نقتدي بها ونتمثل بها خطى المستقبل، إنها علامة مضيئة نتمدرس عليها، ونعمل من خلالها على تبصر الأشياء بشكل أفضل.. علاقتنا مع الحياة في بلدنا، ومع العالم الخارجي.. خصوصا فيما يتعلق بالشأن الداخلي، في جميع مناحي الحياة، حيث أننا كعمانيين نؤمن من خلال الأفق الثاقب لصاحب الجلالة إن معرفة الذات هي المطلوب أولا، فالكائن إذا لم يفهم ذاته، ويعرف كيف يتفاعل معها، ومع متطلباته، بشكل أفضل وبفهم علمي، لن يكون بمقدروه أن يفهم العالم الخارجي..
وفي هذا الإطار يمكن الاستشهاد بما قاله صاحب الجلالة في الحوار الذي نشر قبل يومين، والذي أجرته مع جلالته جريدة السياسة الكويتية، ونشرناه بالتزامن معها، عندما قال: (إذا أردت أن تكون قويا في الخارج فكن قويا في الداخل)..
إنها ببساطة فلسفة عميقة، تقوم عليها نظريات الإدارة الحديثة، وعلوم النفس وتنمية الذات التي تؤكد على أن سيطرة الإنسان على العالم الخارجي لا يمكن أن تترتب إلا بعد ترتيب البيت الداخلي، الذي يتسع مفهومه المجازي، ليشمل: الذات، والعائلة، والدولة، الخ.. من المفردات التي تعبر عن مضمون الداخل، في مقابل ما يعبر عن مفهوم الخارج.
هذا الحوار الذي يأتي ليمثل بوصلة لقراءة الأمس/ الانجاز، الحاضر/ الماثل والعيان، والمستقبل/ المرتجى والمأمول، هو موضوع هذه القراءة.. وعندما نقرأ كلمات جلالته لن نملك أمام حضرتها إلا أن ننصت ونفكر بعمق، لنرى ونفهم ونتمعن في محاولة منا لأن نكون بقدر ما قيل من الهمة والنشاط والعزيمة، في صنع الحياة الجديدة التي نحلم بها، والتي بدأ مشوارها العقلاني والعملي منذ فجر النهضة المباركة في سنة ،1970 عندما كان لهذا البلد أن يدخل فترة جديدة في تاريخه الحديث، يعيد فيها استحضار الماضي العتيق، ورائحة تلك الأزمنة التي كانت تشع بأنوار الانجاز.
ولعلنا في غاية السعادة أن الحلم يتحقق والانجاز يُشاهد، والرؤى تصبح مشهودة من غير تشوش، ولا اضطراب، ما دام هذا الطريق ترسمه الحكمة وما ترتاح له نفوسنا من توجيهات ومقولات صاحب الجلالة..
إنها الحكمة التي تنطق، وتوجه، وتحمل الكثير من الدلالات التي تحتاج من الذات، والتأمل الثاقب، من أجل الاستيعاب وإعادة التفكير، وبالتالي الخلوص إلى الجمال القائم على الانجاز، لا على مجرد التمنيات.. وتلك هي الحكمة الوارفة التي تقوم على اعتبار الإنسان المفردة الأولى في مسيرة البناء والتنمية في بلدنا المحبوب.
الإنسان الذي ينشده صاحب الجلالة وأكد عليه دائما، وعلى دوره؛ هو ذلك الإنسان الذي يعمل ويُرى سعيه، وليس الذي يبني (انجازه) على مجرد الكلام والأقاويل، والنقل دون القول.. لقد جاءت في حوار جلالته إشارة واضحة تفيد هذا المعنى، عندما أشار إلى أن جلالته لا يحب الاطراء، وأن الحب أو الاطراء الحقيقي الذي يمكن أن يقدمه أي إنسان لآخر، هو أن يقدم العمل على القول.
يقول جلالته: (الاطراء الحقيقي هو ما أشاهده من عمل حسن عندما ارى اننا نعمل، وان نتائج عملنا مفيدة)..
ولنا أن نلاحظ أن المسألة لا تتوقف على مجرد العمل بل تتعدى ذلك إلى نتائج العمل، أن تكون تلك النتائج مفيدة، وليست سلبية، العمل النافع وليس العمل الضار.
ولكن ماذا لو أن الإنسان أخطأ وهو يعمل، هنا ينبهنا جلالته، إلى الخطأ ليس إشكالا مادام الإنسان يعمل ويجد ويجتهد، فالمطلوب هو العمل والبذل والعطاء من أجل هذا الوطن، يقول جلالته: (ومن متابعتي فان خطأ المخطئ هو خطأ المجتهد الذي لم يصب).. ولكن يستطرد جلالته: (...ودوري هنا أن أنبه، وإذا ما تفاعل الخطأ تُعطى الادوار لمن هم أقل خطأ. أو بلا أخطاء)..
هذه الأفكار التي تقدم درسا في كيفية الإدارة ومفهومها في فكر صاحب الجلالة، يمكن أن تكون بمثابة مقياس نهتدي به لنفهم جميعنا، كيف لنا أن ندير حياتنا، وكيف نتفاعل مع محيطنا من البشر والأشياء، وكيف يكون لنا أن نُحوّل أماكن العمل إلى خلايا نحل دؤوبة لا تفتر عن العطاء، ساعة يكون الخطأ ليس عيبا، ولكن العيب ألا يعمل الإنسان.. وساعة يكون على المدير أو رئيس فريق العمل أن يُوجّه ويُرشده، ويكلف بالمهام من يقل عندهم معدل الخطأ، ذلك لأن هذا يعني أنهم تدربوا بشكل أفضل، وكانوا جادين في تنمية ذواتهم، لأن تكرار الخطأ من طرف، بدرجة أقل من طرف ثانٍ، يعني أن الطرف الأول هو الأكفأ الذي يستحق التميز والمكافأة على كونه عمل بتروّ وبحرص واستطاع أن يتفوق بالانجاز وأن يقلل من معدل الأخطاء.
ونلتفت هنا إلى مسألة أخرى مهمة تتعلق بالعصر الذي نعيش فيه، والذي يوسم بأنه عصر السرعة.. فمجرد العمل الجيد، أو المميز، والخالي من الأخطاء، لا يكفي، إذا كان ذلك العمل لا يلتفت لعامل الزمن، والسباق الكوني الذي يعيشه العالم، حيث تكون المعادلة هنا متعلقة بمن يصل أولا، ومن يحقق النجاح قبل الآخر.. ومن هذا التقدير يأتي مقال صاحب الجلالة بوضع عامل السرعة في الاعتبار في قياس الانجاز، وقد وردت الإشارة إلى ذلك في القول: (نعم أطمح الى أن يكون الانجاز أسرع وألا يخطئ أحد)..
وخلاصة القول في هذه المفاهيم أنها بوصلة مضيئة لكيفية أن تكون الإدارة على نحو علمي، ولن نمضي في الاستطراد، فالرجوع إلى ذلك الحوار الثري، سوف يكشف للقارئ الحصيف، الكثير جدا من المعاني المفتوحة للتأويلات والتبصر، عبر القراءة الذكية والواعية، المجردة عن الأحكام المسبقة تجاه الأفكار.
ثمة تأكيد دائم وحاضر في خطابات وحوارات صاحب الجلالة، على أن الإنسان هو الهدف المنشود من وراء أي مسيرة تنموية، فالإنسان هو الغاية التي يصب فيها نهر الطموحات، وهو في ذات الآن الأداة التي تكون بها الغاية.. إنه الوسيلة والغاية مركبتان في ذات الحيز..
ولي أن أنبه بأن استخدام مفردة (أداة) تُجرِّد الإنسان من كينونته ومعناه في عالم من المفترض أن يكون فيه رد الاعتبار للروحي واضحا، بديلا لما هو سائد في عالم اليوم من أحِكام القيم المادية والاستهلاكية وطغيانها، وهنا نشير إلى ما جاء في الحوار من إفادة جلالته، عندما قال: (الدول بلا أسس روحانية هي خواء وليس هناك أهم من الجانب الروحاني في بناء الامم، فهي التي توجد التماسك والتلاحم، وهي التي تخلق أجواء السماحة والأمان والسلوك الحسن، وهناك دول قامت بلا روحانيات وغابت، وارجع الى تاريخ الامم سواء السحيق او المعاصر، فمن الذي انتهى؟ انهم الذين كانوا بدون عقيدة، ولنأخذ مثلا.. الايديولوجية الشيوعية ألم تنته؟ لانها استمدت عملها وهيكلها من ماديات أرهقت الإنسان وحولته الى ماكينة بلا رحمة)..
نفهم من ذلك أن الجانب الروحي مهم في حياة أي أمة، ونفهم أكثر أن الإنسان، يجب عندما يكون (أداة) الإنتاج والتنمية، ألا يغيب عنه الجانب الروحي، ألا يتحول الإنسان بكافة مشاعره وأحلامه وطموحاته إلى ماكينة، فالرحمة مطلوبة، والروحانية هدف منشود يعمل على إحداث التوازن الفاعل في مسيرة الأمم.
إنها روحانية المجتمع القائم على التسامح والتعايش والنسيج الواحد، كما أكد جلالته مبكرا: (اننا جميعا نسيج واحد، وجسد واحد وأمة واحدة، والأتقى منا هو من يعمل لوطنه، ومن يساهم في نهضة بلده).
ويمضي جلالته للتأكيد: (ولذا تجد ان نسيجنا الاجتماعي واحد، وسيظل كذلك، فقد تجاوب اهل عمان مع فكر ولي الأمر، الأمر الذي صنع هذه الوحدة الوطنية، فنحن لا نشكو من تعدد المكونات، والشعب العماني مكون واحد، ولاؤه لوطنه ولولي أمره، كما تأمرنا بذلك عقيدتنا السمحاء، وأذكر وأنا اخاطب الناس، بهذا المعنى، ان التجاوب كان سريعاً، فهناك من تباطأ بعض الشيء، لكن ذلك كان طبيعياً حتى استوعب الفكرة ومحاسنها، فبلدنا يقوم على فكر واحد هو الولاء للوطن وأمنه واستقراره ونموه)..
تلك المعاني الجميلة نعتز بها ونفتخر بها، كوننا نعمل جميعا لهدف واحد هو بناء وطننا، دون أي تفرقة.. تحكمنا وحدة وطنية لا فراق فيها، ولا خيرية إلا بالعمل والانجاز، والتقوى التي دون ريب تقود صاحبها إلى الإبداع والإخلاص في العمل، وحب الوطن وطاعة ولي الأمر.
هي تجربة فريدة من نوعها، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك بأن عمان بلد التعايش الأخوي الرائع، والشورى السمحة المستمدة من جذور تقاليدنا وقيمنا، والحياة التي تنشد المستقبل دون المساس بالثابت، مع رؤية المتحرك الأصيل بوعي وعمق.. وينظم كل ذلك (الحكمة القابوسية) التي هي مدرستنا الأولى التي نتعلم منها، ونستمد من معينها الضياء ومشاهد الغد المنير.
تطرق صاحب الجلالة في حواره إلى جزئية أساسية تتعلق بالاستثمار، كغاية وكمفهوم، حيث أكد على أن تسويق عمان وامكانياتها يكون داخليا أولا، ومن ثم خارجيا، أي أن مصلحة عمان تأتي في المقام الأول، ونكتشف أن ذلك يتأتى عبر القيمة المضافة التي تصنعها هذه الاستثمارات، فالبحث عن النوع وليس عن الكمّ، عن الفاعل وليس الساكن، قال جلالته في هذا الإطار: (نعم نحن الآن نسوّق امكانات البلد داخلياً اولا وخارجيا ثانيا عبر استثمارات نشعر ان فيها قيمة مضافة لبلدنا، واول هذه القيمة استيعاب اي عمالة تكون متوفرة، او أيد عاملة بدون عمل، ونشدد على ان يكون تسويق هذه الامكانات والفرص عبر استثمارات اجنبية تكون القيمة المضافة فيها واضحة، وان يكون التمصلح مشتركاً يفيد ويستفيد، ولا يكون هذا التمصلح لحساب طرف دون آخر. نعم، هذا ما اردناه وما نظن اننا نجحنا فيه)..
ويؤكد جلالته في ذات مفهوم الاستثمار: (لسنا بحاجة الى دلالين وإنما نريد أن تكون هذه المبادلات مع المستثمرين الجادين أنفسهم ومباشرة، الذين يأتون دون وسطاء.. لا مانع أن يكون هناك وسطاء ولكن للتعريف).
فالمعنى أن سياسة عمان في هذا الإطار تتجافى عن الجري والهرولة والبحث عن مكاسب وقتية، فالأجدر هو البحث عن الأبقى والأكثر بقاء، ولا ريب أن في ذلك رؤية ثاقبة وتوجه سليم جاء من قراءة جلالته الاستشرافية والمتفهمة لمعنى إدارة الدولة الحديثة.
وثمة جزئية أخرى استراتيجية، ومحورية، من الإجحاف اطلاق مفردة (جزئية) عليها وهي ذلك الجزء من الحوار المتعلق بالقوانين، وهنا أعطى جلالته فلسفة راقية لمعنى القانون ومغزاه، لماذا هناك قانون؟ وما الهدف منه؟ وكيف يمكن صياغة قانون يحترم الإنسان في إطاره التاريخي والمستقبلي؟ وكيف يمكن المواءمة بين بيئة الإنسان ومتطلبات الحضارة الإنسانية الجديدة.
ولكي نستحضر الإجابات نعود إلى حديث جلالته، في ما قاله في هذا الإطار: (القوانين تصدر لاسعاد الناس لا لإشقائهم. نعم القوانين ضرورة للدول المتحضرة، ولكن لتكن قوانين من بيئة المجتمعات ولتكن رحيمة.. قوانين يسر لا عسر.. تخدم الناس لا أن تشدهم وتشل حركتهم وتدخلهم في دوامة تفسيرات وتضعهم امام مواقف عقيمة يجد المسؤول أنه مشلول أمام ممارسة مرئياته الانسانية، بعد ان يتقيد بمواد قانون قوية لا تصلح لجسد أمته. لقد استنبطنا نظاما لمؤسساتنا الدستورية ينفع الناس ويريحهم وينسجم مع خصوصياتهم وتراثهم وثقافاتهم.. واعتقد اننا نجحنا عبر نظامنا ان نغلف القانون بأثواب ذات قياسات مريحة يجد فيها المسؤول القدرة على تطبيق الجانب الوردي وليس الجانب الأسود من القانون).
بالرجوع إلى مفردتي (الوردي) و(الأسود) نستشف المعنى الروحي الكامن في هذا القول السامي، حيث سبقت الإشارة إلى تركيز جلالته على البعد الروحاني في الأمة.. فتقريب الوردي وتبعيد الاسود، يعني الالتفات إلى الجوانب النفسية والروحية في الكائن البشري، وعدم التعامل معه على أنه مجرد ماكينة، آلة، ويعني أكثر من ذلك أن القانون هو أبو المحبة بين الناس، سعادتهم، وليس تجريمهم، وتقييد خطواتهم في الحياة وفي المجتمع والعمل.
وبشكل عام وتلخيصي يمثل جملة الحوار، بما يتضمنه من معان لا مجال لحصرها، دليلا هاما لخطى مرحلة جديدة من تاريخ نهضتنا الحديثة، ويكون واجبنا أن نتسلح بالعلم وتطبيقه عبر المعرفة، مع تأكيد دور الإنسان والجوانب النفسية التي تحكمه، وتأكيد دور العمل وفكره في المجتمع، بما يدفع مشوار النهضة إلى المزيد من الآفاق والتميزات، وهي مسيرة موفقة وستستمر بإذن الله، وبفضل الحكمة والقيادة التي ترشد وتدل وتعطي الحكمة المفتوحة للتبصر والـتأمل.
وبحمد الله وحكمة سلطاننا هاهي عمان ترسم مكانتها المميزة، كدولة مسالمة متسامحة، تحب الخير للجميع، تفكر في الداخل أولا، وفي بناء إنسانها، وتتعايش مع الآخر بكل أخوة ومحبة.. كل ذلك يضعنا في طور مسؤولية كبيرة أمام هذا الوطن المعطاء، لكي نحمل هذه التوجيهات السديدة وهذه الرؤى بإخلاص وأمانة إلى أفق الواقع والتنفيذ العملي، لتظل أرض عمان وأهلها دائما وأبدا في القلب والخاطر.. خاطر كل واحد من ابناء هذا البلد الجميل، وقلب كل إنسان عماني.

  رجوع