يقصد بالتواصل
تلك العملية الهادفة إلى نقل معلومة أو خطاب
من مرسل إلى مستقبل أو من باعث إلى متلق.
الغاية منها تبليغ معلومة أو رسالة معينة إلى
متلق معين، وتتم بواسطة قناة اتصال معينة. وهي
عملية بسيطة، لكنها تحمل مركبات ومفارقات
واختلافات، نظراً لأن الرسالة التي يراد
تبليغها ليست على الدوام واضحة ودقيقة وتحمل
المعنى المتفق عليه أو المراد تبليغه، حيث
تميل جميع الرسائل باتجاه التعدد والاختلاف
والتنوع، وبالرغم من أهمية مستوى المتلقي فإنه
لا يسجل على الدوام معطى الرسائل بشكل سلبي،
بل يحاول الفهم وإصباغ الرسالة بدلالة معينة.
كما أن قناة الاتصال تقوم بدور مؤثر في محتوى
ومضمون الرسالة، وذلك تبعاً لكونها وسيلة
سمعية أم بصرية.
ولا يهدف التواصل إلى الإخبار فقط، بل إلى
التأثير والإيهام والإغراء، لذا فإن العملية
التواصلية تتصف بخاصية التعقيد، وتستلزم
السؤال والاستفهام والتحليل والدراسة وحتى
البحث.
وباعتبار أن التوصل يهدف إلى نقل معلومة أو
رسالة بين طرفين، فإنه يرتبط باللغة وفلسفتها،
الأمر الذي جعل علماء اللغة يعتبرون التواصل
الوظيفة الأولى والأصلية والأساسية للغة، فيما
اعتبر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن
التواصل هو مجموع الترابطات التي يتفق حولها
المشاركون بغية تحقيق مخطط أعمالهم بطريقة
فعالة. ويظهر التواصل، بالنسبة إليه، في شكل
الفعل الذي يخرج الوعي من باطنه نحو الانفتاح
على الآخر، على خلفية اعتباره اللغة وسيلةً
وسلوكاً اتصالياً، واستخدمها في نظريته في
الفعل التواصلي، التي تنهض على الحوار
والتفاهم بين مجموعة المتحاورين في مجتمع
الأصدقاء. وسعى في سياق ذلك إلى الكشف عن
العقل العملي الذي يفرض علينا ما نعمله وما
نتكلمه، من خلال الاعتراف بالتفاهم والحوار
السلمي، وفي ظل ظروف وشروط الاختلاف الاجتماعي
والثقافي. والهدف من ذلك كله هو مواصلة تقاليد
الأنوار، من خلال نظرية اجتماعية نقدية، تنهض
على ترسيخ قيم الحرية والعدالة في الذاكرة
الاجتماعية، وتربطها بقوى دولية تمكنها من
تفتح نواة الخير العام، والفضاء الذي يتسع
للجميع.
وقد أسس هابرماس نظريته في مجال التواصل على
نتائج نظرية أفعال الكلام والألسنية والتداول،
وأعطاها تفسيرات اجتماعية وسياسية وقانونية.
ونقطة الانطلاق في تناوله مجال التواصل هي
الفضاء العام وكيفية تشكل الرأي العام، حيث
يرى بأن الفضاء العام كان مجالاً أو ميداناً
للتعبير عن الرأي الفكري والنقدي، ثم جاءت
وسائل الإعلام لتحتله وتشوهه، وتسيطر على
مضمونه، كي تجعله دعامة للأيديولوجيا
والمصالح. وبات من الضروري، مع تحول العلم
والأيديولوجيا إلى أدوات للهيمنة، مساءلة
الفضاء العام والتفكير في التواصل من جديد،
وذلك من خلال تأسيس نظرية اجتماعية وثقافية في
التواصل تسمح بالشروع في تفكير عقلي ونقدي
جديد ومستقل لقضايا عصرنا.
والفعل التواصلي هو فعل يستلزم المحاججة
والمناقشة النقدية، إلى جانب الحق في الرفض أو
القبول. وهنا يبرز مفهوم أخلاق المحادثة الذي
يعتمد على اللغة العادية، بوصفه مبدأ معيارياً
نموذجياً في البلدان الديمقراطية، على قاعدة
اعتبار أن الإنسان ما أن يبدأ في الحديث أو
الحوار أو في فعل التواصل حتى يكون قد قبل
بالاحتكام إلى معيار أخلاقي يخضع جميع
الاختلافات للحجج والأدلة التي تحقق الإجماع،
لذلك تنهض المحادثة على قاعدة الكونية
والديمقراطية، التي تنظر إلى الفرد والجماعة
مبدأين أساسيين، لا يجوز مقابلتهما ضدياً، بل
يجب النظر إليهما بوصفهما ثنائية أصلية في
الديمقراطية. وبهذا يتم تجاوز الفكر الليبرالي
الذي يعلي من شأن الفرد على حساب الجماعة،
والماركسي الذي يعلي من شأن الجماعة على حساب
الفرد، ويفترض القبول بمبادئ المساواة
والاستقلالية، بوصفها مبادئ مؤسسة للمجتمع
الديمقراطي. غير أنه إذا كان التوافق يتيح قيم
الاندماج والاستقرار بين مكونات الجماعة، فإن
ذلك لا يعني التسليم بأن التراضي هو شرط
لشرعية الجماعة أو شرط لوجودها. ومن هنا لا
يجوز وضع المجتمع أو الأمة أمام الدولة ولا
الدولة أمام المجتمع أو الأمة، مع أن التصور
الديمقراطي يؤكد على المؤسساتية في دولة
القانون الديمقراطي وإجراءات التداول التي
تُلزم تقديم الحجة لتبرير شرعية القرارات.
فضلاً عن أن التصور التفاعلي يتمركز فيه
التواصل ما بين الذوات المشاركة على حيازة
تصور عقلاني كوني للإرادة العامة، وليس على
المعتقدات الخاصة بكل جماعة.
ويمكن عقد مقارنة ما بين النموذج الديمقراطي
الكلاسيكي والنموذج الديمقراطي التواصلي
لإعادة تأويل موضوع حماية الحقوق الفردية، إذ
أن الحقوق السياسية للتواصل والمشاركة، ومنها
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،
يمكن اعتبارها شرطاً وضمانات لا بد منها
للاستقلالية الديمقراطية، والتي لا بمكن
ممارستها إلا على قاعدة الشك الدائم وإعادة
السؤال فيها باستمرار.
ويبقى التفكير في شرعية القانون في المجتمعات
الديمقراطية، خاصة من جهة تفعيل مقتضيات
المساواة والاستقلالية بمبادئ أخلاقيات
النقاش، شيء ضروري لا بد منه. لذلك يتوجب
تفعيل الديمقراطية نتيجة استمرار الصراع
الدائر بين تعدد المصالح وجبروت قوى السوق
والاستبداد السياسي القائم في مواضع عديدة من
العالم، وخصوصاً في المنطقة العربية، حيث تأتي
الديمقراطية بوصفها سؤال الضرورة للخلاص من
الاستبداد وفتح الطريق أمام مختلف القوى
الاجتماعية والسياسية المكبوتة للتعبير عن
ذاتها، فضلاً عن أن الديمقراطية التداولية
ترسي حق المجتمع المدني بكافة مستوياته
وتشكيلاته في تأسيس فضاء عام للتداول، يُقدم
فيه الأفراد وجهات نظرهم والحلول التي تمكنهم
من التحرر من منطق الأنظمة الشمولية المستبدة،
بعد عجزها وفشلها في بناء دولة لجملة
مواطنيها. في حين تتيح الديمقراطية للأفراد حق
إحكام تدخلهم في محيطهم وإسماع صوتهم، وتوسيع
مجال الحرية والمسؤولية والمحاسبة، وهي لن
تستطيع ذلك من غير الاستقلالية والمساواة
اللتين تعرّفانها. ويكمن دور فلسفة التواصل في
نقد الديمقراطية التمثيلية، وفي محاولة تحرير
مجال الاتصال الإنساني من قبضة العقل الأداتي
والتشيؤ والاغتراب.