في حديث جلالته لجريدة السياسة الكويتية كانت
هناك إجابة لجلالته حول دور القيم والتوازن
بين ما هو ثابت وبين ما هو متغير ومتحول في
الحياة المعاصرة، وكانت الإجابة ثاقبة وعميقة
عندما أشار إلى بعض الدول التي خسرت نموذجها
ومكانتها عندما أقصت القيم وانحازت للمادة
وحدها، وقد أدركت النهضة العمانية الحديثة
التي قادها جلالة السلطان قابوس بن سعيد
المعظم منذ بزوغها 1970م، أهمية التفاعل مع
العصر مع الحفاظ على الإرث القيمي الذي يعد
الرصيد الإيجابي الذي نعتز به لكونه الاستمداد
المعنوي لحركة النهضة ومعطياتها الحديثة ،
ولذلك نرى الاهتمام الذي يوليه القائد المفدى
لهذا الأمر نظرة عميقة للإنسان العماني وواقعه
، مع ضرورة الانفتاح على هذا العصر وحضارته
ورقيه المادي ،هذا التوازن القويم هو أساس
نجاح التوجهات النهضوية العمانية وتماسكها في
مواجهة التحديات والتغيرات التي جرت وستجري في
عالم اليوم من تقلبات عصفت بأمم وشعوب كثيرة
أخذت المنهج الأحادي الشمولي، ونبذت القيم ،
فكان مصيرها متحف التاريخ . فمنهجية التوازن
بين التفاعل مع العصر والحفاظ على القيم
والثوابت والإرث التاريخي تجعل أي نهضة تمشي
في تدرج محسوب وسير مرسوم بلا منغصات أو
انحدارات تقوّض ما تم إنجازه واستلهامه من
التقدم والتحضر ليضاف إلى هذا البناء التماسك
القومي ولذلك فإن النهضة العمانية لم تعرف
الثنائيات المتناقضة كما وجدت بعض الأمم
كالتناقض بين الأصالة والمعاصرة.. بين القديم
والحديث.. بين الثابت والمتغير.. بين التراث
والعصر ، هذا الالتئام عزز هذه النهضة،
وأعطاها مداها واتساعها وقوى بنيانها لتكون
أكثر استيعاباً لمنجزات الحضارة وفي الوقت
نفسه أقدر استلهاماً لقيم الدين والتراث.
ولذلك فان هذا التوازن يكون أكثر اتساقا مع
الذات ، وأقوى ارتباطا مع الواقع ، لأن هذه
المعادلة العقلانية المتوازنة جمعت بين
الثوابت والمتغيرات.
فالثوابت إطار والمتغيرات حركة داخلة، وهذا
يعني وحدة الأصل وتعدد الصور ، فمثلاً الكون
في صورته العامة وإطاره الواسع ثابت لكنه ـ
بقدرته سبحانه ـ دائب الحركة بين ليل ونهار،
شمس وقمر، صيف وشتاء وهكذا.
فترابط الثبات بالحركة في منهج المعرفة
الإسلامي قانون أصيل شأنه شأن قانون التكامل
والوسطية والتوازن ، وهذا الثبات ليس بمثابة
الجمود أو التوقف ، لكنه بمثابة علامة الطريق
التي تحول دون الوقوع في التيه ، وفي مجال
الفكر يكون هذا الإطار عاصماً من التخلف أو
الانحراف ، وهو معين على تنوع المضامين
الفكرية داخلاً عصراً بعد عصر ، فلا تزال
الأمة قادرة على حمل رسالتها ، وحماية أمانتها
، فإذا ذهب الثبات تحطم الإطار وفقد الرباط
الذي يجمع بين الأمس والغد ، هذا الإطار
الثابت يتمثل في مجموعة القيم التي يقوم عليها
بناء الأمة والذي تستمده من عقائدها وأخلاقها
وذاتيتها وطوابعها المتفردة .
فعندما انطلقت النهضة في عمان رسمت الملامح
الأساسية لهذا التحرك نحو المستقبل بظلال
الحاضر ، ووازنت بين ما يجب أخذه وبين ما يجب
تركه ، بين الأخذ بتكنولوجيا العصر والعناية
برصيد القيم ، والتفاعل مع الحضارات الإنسانية
وفق المصالح المشتركة وبين الاستمساك
بالخصوصية الذاتية، ومن هنا كان هذا التوازن
الايجابي والرصيد الأقوى وجه العواصف
والتحولات القائمة في عالم اليوم.