تميزت جلسة الحوار الوطني التي عقدت في القصر
الجمهوري في 16 سبتمبر 2008 برعاية رئيس
الجمهورية ميشال سليمان بنفحة تفاؤلية تركت
ارتياحا كبيرا لدى جميع الأوساط اللبنانية.إلا
أن مناخ التفجيرات المتنقلة التي سبقتها أو
أعقبتها بصورة مباشرة تركت ظلالا كبيرة من
الشك حول وجود قوى لبنانية أو إقليمية أو
دولية لا تريد لهذا الحوار أن يعطي ثماره
الايجابية، ولا تريد للبنان الأمن والاستقرار
في ظروف تنذر بحروب مدمرة في منطقة الشرق
الأوسط.
لقد دعا الرئيس ميشال سليمان قادة لبنان إلى
المصالحة والتوافق على استراتيجية دفاعية
طويلة الأمد تستند إلى تعزيز قدرات الجيش
اللبناني، وحماية طاقات المقاومة الوطنية
المتواجدة على أرض لبنان، وابتداع صيغة جديدة
توافقية تقوم على مبدأ التكامل وليس الخلاف
بين قدرات الدولة وطاقات المقاومة البشرية
والعسكرية.
وحضر اللقاء أربعة عشر سياسيا يمثلون معظم
فرقاء الصراع في لبنان، إلى جانب أمين عام
جامعة الدول العربية عمرو موسى، وبمباركة
ضمنية من قوى إقليمية ودولية. وشددت معظم
وسائل الإعلام المعنية بالمسألة اللبنانية،
على ان انطلاق الحوار مجددا بعد توقف دام أكثر
من سنتين، يشكل مرحلة مهمة تساعد على اختبار
الحوار الهادئ مجددا في إعادة بناء الثقة
المفقودة بين الزعماء اللبنانيين والتي أوصلت
لبنان إلى حافة الحرب الأهلية بسبب كثرة
الصدامات السياسية والمذهبية.
لقد فتح الحوار الباب أمام المصارحة والمصالحة،
والتوافق على بناء الدولة القوية القادرة على
ضمان الممارسة السياسية على أسس ديمقراطية
سليمة. وشهدت الجلسة نقاشا مستفيضا حول
الاستراتيجية الدفاعية كأولوية مطلقة بهدف
الوصول إلى رؤية مشتركة انطلاقا من قرارات
مؤتمر الحوار الوطني السابق في عام 2006 ،وبنود
اتفاق الدوحة في ربيع .2008 وذلك يتطلب العمل
السريع لمعالجة التوترات الأمنية بما يعزز
المصالحات الجارية الآن بين أطراف النزاع.
وتوصل المتحاورون إلى ميثاق شرف في ما بينهم
بالابتعاد عن كل مظاهر الاستفزاز والعمل على
تهدئة الخطاب السياسي والإعلامي والتأكيد على
ضرورة تنفيذ جميع البنود التي تم الاتفاق
عليها في السابق أو سيتم الاتفاق عليها في
جلسات الحوار القادمة. وبارك المتحاورون
مبادرة رئيس الجمهورية لإجراء حوارات ثنائية
بهدف تكريس المصالحة بين الأطراف المتنازعة
خلال الفترة الممتدة حتى موعد الجلسة الثاني
في الخامس من نوفمبر .2008
هكذا بات رئيس الجمهورية مركز استقطاب وفاقي
بين القوى اللبنانية المتنازعة بما يضمن
التزام المتحاورين بالمسلمات التي أطلقها خطاب
القسم، والابتعاد عن مظاهر التشنج في الخطاب
السياسي والإعلامي. وتوافق الزعماء اللبنانيون
على التهدئة، وأن يتحمل كل منهم مسؤوليته
الكاملة في حماية لبنان وإنقاذ اللبنانيين من
الفتن الطائفية والمذهبية المتنقلة بين جميع
المناطق والطوائف اللبنانية. فاستمرار مخطط
التفجيرات يشكل خطرا أكيدا على الوحدة
الداخلية وسلامة الوطن. ويتطلب نجاح الحوار
بين الزعماء اللبنانيين سلسلة من التنازلات
المتبادلة تحصن الساحة اللبنانية وتؤسس لمرحلة
جديدة من العمل السياسي في لبنان تستند إلى
الحوار الوطني المسؤول ورفض الاحتكام إلى
العنف الدموي بكل أشكاله.
لكن استراتيجية الدفاع عن لبنان هي مصدر خلاف
عميق بين الزعماء اللبنانيين الذين ينقسمون
ضمن اتجاهين كبيرين:
الأول يرى أن مرجعية الدفاع ،والحرب والسلم،
والسلاح الشرعي، مناطة بالدولة اللبنانية دون
سواها. وانه لا يجوز أن تكون في لبنان قوى
عسكرية تشكل دولة ضمن الدولة. إذ سبق لبعض
القوى ان استخدمت سلاحها ضد فئات أخرى من
اللبنانيين في اشتباكات بيروت في مايو .2008
فجاء اتفاق الدوحة ليؤكد على عدم شرعية أي
سلاح خارج إطار الشرعية اللبنانية.
الثاني يرى أن استراتيجية الدفاع عن لبنان
تتطلب الاعتماد على قدرات الجيش اللبناني
ونشاط الدبلوماسية اللبنانية والاستفادة من
طاقات المقاومة اللبنانية في آن واحد. ولا
يجوز للبنانيين أن يفرطوا بما لديهم من طاقات
في وقت تنتهك فيه إسرائيل يوميا سماء لبنان
ومياهه الإقليمية.وما زالت تحتل مساحات واسعة
من أرضه وتهدد بتدمير بناه الاساسية مجددا إذا
توفرت لها الذرائع الشكلية بعد أن أكملت جميع
استعداداتها لشن الحرب على لبنان.
وسط هذا الانقسام الحاد بين زعماء لبنان جاء
مؤتمر الحوار الوطني ليكرّس الأولوية المطلقة
لاستراتيجية دفاعية تبنى على الحوار الوطني
المفضي إلى المصارحة والمصالحة وتعزيز الوحدة
الداخلية وعدم تقديم ذرائع لإسرائيل تسهل لها
تنفيذ مخططاتها الجاهزة لاجتياح لبنان. وذكَر
رئيس الجمهورية في كلمة الافتتاح بالمخاطر
التي مازالت تتهدد لبنان وأبرزها نوايا
إسرائيل العدائية. مما يستوجب الإعلان الصريح
عن حق لبنان، شعبا وجيشا ومقاومة في الدفاع عن
أرضه.
لذلك استحوذت كلمة رئيس الجمهورية والتي صيغت
بدقة متناهية على اهتمام الساسة والمراقبين
ووسائل الإعلام.
فقد شدد على ضرورة وضع استراتيجية تتكامل فيها
كل عناصر القوة في الدولة اللبنانية وتندرج
ضمن مفهوم الدولة القادرة على حماية لبنان
واللبنانيين. وقد صاغ رئيس الجمهورية مقولة
علمية بالغة الأهمية ترى أن مختلف الموضوعات
قابلة للنقاش والتوافق وان الممنوع الوحيد هو
الفشل أو الوصول إلى الطريق المسدود.
نخلص إلى القول أن الحوار المتجدد بين الزعماء
اللبنانيين قد تميز بكثير من السجالات حول
رؤية كل طرف سياسي لاستراتيجية الدفاع عن
لبنان وكيفية تحويل الأفكار النظرية إلى خطط
عملية قابلة للتنفيذ بعد أن تنال موافقة جميع
اللبنانيين.
وتوافق المتحاورون على ست نقاط تضمنها البيان
الختامي وهي:
1- إطلاق النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية
وإعطائها الأولوية بغية التوصل إلى اتفاق
حولها وذلك انطلاقا من قرارات مؤتمر الحوار
الوطني وبنود اتفاق الدوحة.
2- العمل بسرعة على معالجة التوترات الأمنية
والاتفاق على آلية لوضع حد نهائي لها بما يعزز
المصالحات القائمة حاليا.
3- الاتفاق على ميثاق شرف إعلامي وتهدئة
الخطاب السياسي والإعلامي والالتزام بمسلمات
خطاب القسم والابتعاد عن كل مظاهر الاستفزاز.
4- التأكيد على ضرورة تنفيذ بنود الحوار
المتفق عليها سابقا.
5- مباركة خطة رئيس الجمهورية لتكريس
المصالحات الشاملة.
6- تعيين جلسة الحوار الثانية في 5 نوفمبر
.2008
ختاما، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، عاد
موقع رئاسة الجمهورية في لبنان ليلعب دورا
توفيقيا وتوافقيا . ونجاحه في إدارة الحوار
الوطني يشكل نقطة تحول أساسية في حماية لبنان.
فاللبنانيون قلقون على مصيرهم وهم متلهفون
لسماع كلام عقلاني توافقي حول أفضل السبل
لحماية وطنهم من خلال تعزيز وحدتهم الداخلية
أولا. والاستفادة من عناصر القوة المتوفرة لدى
الدولية والمقاومة والشعب في لبنان ومن دعم
الدول الشقيقة والصديقة في العالم. فيستعيد
النظام السياسي اللبناني توازنه ويستعيد
اللبنانيون بعض ما افتقدوه من استقرار سياسي
وازدهار اقتصادي وتضامن اجتماعي وانفتاح ثقافي.