«حتى إذا فشل
أوباما في الوصول إلى البيت الأبيض فإن تيار
التغيير المناهض لسياسات المحافظين الجدد
سيستمر ويتصاعد إذا ما وصل منافسه جون ماكين
الجمهوري إلى منصب الرئيس، ولا يخفى أن هذا
التغيير الداخلي المنتظر سينعكس في توجهات
السياسة الأمريكية الخارجية، وتحديدا تجاه
الملفات الرئيسية في الشرق الأوسط التي أدت
مشكلاتها إلى نشر الكراهية ضد الولايات
المتحدة، وستظهر توجهات جديدة مغايرة في
الأسلوب وليس في الجوهر وبالقطع إذا ما حدث
ذلك فإن صورة الولايات المتحدة ستتحسن».
عقب إعلان الحزب الديمقراطي الأمريكي اختياره
باراك أوباما مرشحا له في انتخابات الرئاسة
الأمريكية، كتب الكاتب الأمريكي الشهير توماس
فريدمان مقالا حول دلالات هذا الاختيار، قال
فيه: إن أفضل إنجاز قدمه الحزب للولايات
المتحدة، هو هذا الاختيار لأنه يحسن من صورتها
في الشرق الأوسط. وأوضح فريدمان أن الإدارة
الأمريكية الجمهورية بذلت جهودا مضنية طوال
السنوات التي تليت أحداث 11 سبتمبر ،2001
لمواجهة حالة الكراهية التي جوبهت بها في
المنطقتين العربية والإسلامية، ولكن هذه
الجهود لم تثمر عن تصحيح صورة الولايات
المتحدة برغم ما أنفق عليها من أموال طائلة،
وباختيار الحزب الديمقراطي أوباما مرشحا
للرئاسة الأمريكية، فإنه يكون قد تفوق بحركة
ذكية وبسيطة على كل الجهود السابقة وحقق
للولايات المتحدة ما عجزت عنه سياسيا
ودبلوماسيا طوال السنوات الماضية، أي تصحيح
صورتها في الشرق الأوسط. وفي اعتقاده أن
اختيار أوباما لاقى ترحيبا من شعوب المنطقة
وساستها، مؤكدا أنه لمس هذا التحول في المشاعر
خلال جولة قام بها إلى بعض دول المنطقة وقت
إعلان المرشحين الديمقراطي والجمهوري في
الانتخابات الرئاسية.
وبنى فريدمان النتيجة التي توصل إليها استنادا
إلى أن الشعب الأمريكي باختياره أوباما (ممثلا
في أعضاء الحزب الديمقراطي) إنما قدم درسا
حقيقيا عن أمريكا القدوة والنموذج التي تمثل
القيم الديمقراطية في أفضل صورها والتي كانت
بسببها موضع تقدير وإعجاب الآخرين وليس
كراهيتهم، فقد تم اختيار شاب ملون مرشحا لأهم
منصب سياسي على مستوى أمريكا، بل والعالم، وهو
شاب أعلن من قبل اختلافه مع سياسة جورج بوش
على أكثر من صعيد خارجي، وبات أمل أمريكيين
كثيرين لإعادة تقديم أمريكا بالصورة التي تجذب
صداقة وتعاون شعوب الشرق الأوسط والعالم.
وبغض النظر عن إمكانية نجاح أوباما أو فشله في
الانتخابات المقبلة، فإن النتيجة التي ستبقى
في الأذهان ـ وفقا لتقديرات فريدمان ـ هي أن
الشعب الأمريكي كره سياسة الرئيس بوش ويريد
تغييرا في الكثير من جوانبها على الصعيد
الخارجي، وأن هذا الشعب بإرادته هو قرر أن
يصحح الصورة عن بلاده خارجيا، وذلك بإعادة
تصحيح أوضاعه الداخلية وإنقاذ الديمقراطية
الأمريكية من المحافظين الجدد الذين أساءوا
لها أيما إساءة من خلال السياسات التي تم
اتباعها مع شعوب الشرق الأوسط وبلدانهم وبدت
متعارضة، بل منتهكة للقيم الأمريكية الأصيلة
في الدفاع عن الحرية.. إنها الصورة الحقيقية
لأمريكا التي لا يجري فرضها على الآخرين ولا
تمتهن باستغراقها في أشكال عدوانية مختلفة
تبدأ من الاحتلال المباشر إلى الحملات
السياسية والإعلامية الصارخة لإحداث التغيير
القسري في الشرق الأوسط، وتحديدا في العالمين
العربي والإسلامي باعتبارهما يعيشان أجواء عنف
وإرهاب ويفتقدان للديمقراطية في تقدير
الأمريكيين.
والواقع أن ما توصل إليه فريدمان لا يصلح
لبناء تصور مستقبلي بأن صورة الولايات المتحدة
ستتحسن بالفعل، مع افتراض وصول أوباما إلى
البيت الأبيض، فلا يجب أن نهمل حماس فريدمان
نفسه للحزب الديمقراطي الأمريكي باعتباره
الحزب الذي يرعى التعددية ولا يستخدم أساليب
عنيفة وتحكمية مع الآخرين ويؤمن بالحلول الوسط
والدبلوماسية ومهتما بالدرجة الأولى بترسيخ
قيم الديمقراطية الأمريكية التقليدية، وهو
أفضل بكثير بالنسبة لهذه التوجهات مقارنة
بالحزب الجمهوري. وفريدمان من الذين ناصبوا
العداء للجمهوريين والرئيس جورج بوش وإدارته
من منطلق أنه امتهن القيم الديمقراطية
الأمريكية، علما أن فريدمان كان مؤيدا للحرب
الأمريكية ضد العراق مثله مثل الكثير من
المنتمين للحزب الديمقراطي، وانقلب على هذا
الموقف بعدما تكشفت أخطاء الاحتلال في العراق
وما حصل في سجن أبو غريب، بالإضافة إلى ما هو
قائم في معتقل جوانتانامو، ولذلك فإن حماسه
لأوباما ينطلق من رغبة الأمريكيين الآن في
إعادة ترتيب البيت الأمريكي من الداخل للتخلص
من سياسات المحافظين الجدد وبما يعيد لأمريكا
سيرتها الأولى قبل وصول جورج بوش إلى الحكم.
وحتى إذا فشل أوباما في الوصول إلى البيت
الأبيض فإن تيار التغيير المناهض لسياسات
المحافظين الجدد سيستمر ويتصاعد إذا ما وصل
منافسه جون ماكين الجمهوري إلى منصب الرئيس،
ولا يخفي أن هذا التغيير الداخلي المنتظر
سينعكس في توجهات السياسة الأمريكية الخارجية،
وتحديدا تجاه الملفات الرئيسية في الشرق
الأوسط التي أدت مشكلاتها إلى نشر الكراهية ضد
الولايات المتحدة، وستظهر توجهات جديدة مغايرة
في الأسلوب وليس في الجوهر كأن تستند الإدارة
الأمريكية إلى الدبلوماسية بدلا من التدخل
العسكري وإلى الترويج لنشر الديمقراطية دون
فرضها على الآخرين. وبالقطع إذا ما حدث ذلك
فإن صورة الولايات المتحدة ستتحسن. ولكن تحقيق
هذا الهدف لن يكفي فيه تغيير الأسلوب بل يتعين
أن يحدث تغييرا في جوهر السياسة الأمريكية وهو
ما لا يمكن الوثوق به سواء جاء أوباما أو
ماكين إلى الحكم. والسبب أن الولايات المتحدة
ملتزمة استراتيجيا بحماية إسرائيل والعمل على
أن تظل متفوقة عسكريا على جيرانها في الشرق
الأوسط وأن تبقى آمنة دائما من أي شكل من
أشكال التهديد، كما أنها معنية ـ لعدة سنوات
مقبلة ـ بنفط الشرق الأوسط وستحافظ على كل
آليات التدخل لضمان استمرار تدفق النفط
والسيطرة أيضا على أسواقه. وكلا الأمرين:
إسرائيل والنفط لن يعملا مستقبلا في صالح
تحسين صورة الولايات المتحدة بين العرب
والمسلمين حيث سيبقى الخلاف حولهما على حالة
الكراهية وفي أفضل الأحوال فإنها ستقل حدة لا
أن تتلاشى كما يتصور فريدمان.
إن هناك عدة حقائق فرضت نفسها على سطح الأحداث
تجعل من العرب والمسلمين لا يذهب بهم الخيال
إلى حد توقع انتهاء عصر الكراهية وبدء عصر
مختلف من الصداقة والعلاقات الحميمة، فأوباما
نفسه لم يتأخر عن إعلان ولائه الشديد لإسرائيل
حيث سارع بكسب ود «الأيباك» وبدد لديهم الشكوك
التي دارت حوله من جانب إسرائيل عندما أثير في
حملته الانتخابية أنه من أصل مسلم وأنه سيفتح
صفحة جديدة مع العالمين العربي والإسلامي، إذا
ما وصل إلى البيت الأبيض بما في ذلك فتح حوار
مع إيران. ولكنه أمام المنظمة اليهودية نفي
أية علاقة له شخصيا بالإسلام والمسلمين، وأكد
إيمانه أن القدس ستظل عاصمة إسرائيل الأبدية،
وأن أمن إسرائيل هدف استراتيجي للولايات
المتحدة لا يخضع لأي نقاش، وتراجع عن تصريحاته
اللينة تجاه إيران. وفي الصراع العربي
الإسرائيلي أعلن تأييده بالطبع للحل السلمي
وعزمه على تنشيط المفاوضات لإقامة مشروع
الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية ـ ولكنه كرر
مواقف الإدارة الجمهورية نفسها فيما يتعلق
بأمن إسرائيل ووجهة نظرها في إقامة السلام مع
الفلسطينيين، كما رفض أي حوار مع حماس، لقد
أكد زيجنينو بريجنسكي مستشار الأمن القومي
للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر وأحد
العناصر الأساسية في حملة أوباما الانتخابية
أنه لا يمكن تصحيح صورة أمريكا لدى العرب
والمسلمين إلا بحل المشكلة الفلسطينية، وبنى
كثيرون على هذا الموقف أن أوباما سيكون معنيا
بشكل أكثر جدية من جورج بوش بهذا الحل ليس فقط
انطلاقا من قناعاته الحزبية والشخصية، وإنما
لاهتمامه بتحسين صورة بلاده في المنطقة. وربما
يكون هذا صحيحا إلى حد كبير، ولكن انحيازه
وتعاطفه الكامل مع إسرائيل لن يؤدي إلى حل
للمشكلة الفلسطينية، فقد يستطيع إنجاز تسوية
سياسية مثلما فعل جيمي كارتر من قبل في إقامة
السلام بين مصر وإسرائيل، ولكن التسوية لن
تعني حلا للمشكلة الفلسطينية حيث ستظل عناصرها
التي شكلت عوامل الكراهية والصراع قائمة ومن
أبرزها الظلم التاريخي الذي لحق وسيلحق
بالفلسطينيين وبقاء القدس في أيدي إسرائيل.
وفي ضوء الانحياز الأمريكي لإسرائيل والذي لن
يتغير، والتوصل إلى تسوية سياسية منصفة نسبيا
أو غير منصفة وليس الحل العادل للمشكلة، فإن
صورة أمريكا لدى العرب والمسلمين لن تتحسن
كثيرا.
ومن جهة أخرى ألقت أزمة ارتفاع أسعار النفط
بظلالها على العلاقات العربية ـ الأمريكية في
اتجاه عدم تحسين صورة الولايات المتحدة في
المنطقة، بل زيادتها سوءا، وليس من المتوقع أن
ينجح القادم الجديد إلى البيت الأبيض في أن
يقدم حلولا عادلة لهذه الأزمة تنصف المنتجين
والدول الفقيرة، لأنه لن يتمكن من تغيير قواعد
اللعبة الراهنة في الاقتصاد الأمريكي، وهناك
شريحة كبيرة من هؤلاء تنتمي إلى المنطقة
العربية، فقد أدى الركود الاقتصادي الأمريكي
وتخفيض قيمة الدولار إلى إحداث أزمات اقتصادية
حادة في دول المنطقة، نتج عنها ارتفاع معدل
التضخم ومن ثم انخفاض مستويات المعيشة، وأدت
سياسات المضاربة والاستثمار المكثف في مشروعات
إنتاج بدائل للنفط واستكشاف مناطق جديدة له
بصورة مكلفة للغاية إلى رفع أسعار الطاقة
عموما، مما ألقى بظلاله السلبية على الحياة
الاقتصادية في دول المنطقة، وهكذا بات راسخا
في أذهان أبنائها أنه مثلما كان الانحياز
المطلق لإسرائيل سببًا تقليديًا في الصورة
السلبية عن الولايات المتحدة، فإن سياساتها
الاقتصادية التي جلبت الخراب عليهم وجعلت
المستقبل مظلما بالنسبة لهم أصبحت سببًا
إضافيا لزيادة الصورة سوءًا.