الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

معاناة الأرض ومن عليها
سعيد بن سالم النعماني

«إن معظم التعديات التي تحدث على بيئة الأرض وجوها تحدث من قبل الدول الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تتورع عن اقتراف شتى أنواع الاعتداء في سبيل تحقيق أهدافها حتى ولو كانت أهدافا جائرة وغير مشروعة، ومنها ما تقترفه بحق أوطان الشعوب مثلما فعلت بأفغانستان والعراق حيث حولتهما إلى أراض محروقة من خلال التدمير المتعمد لمكونات البيئة».
تقرر الدراسات العلمية أن سلامة كوكبنا الأرضي تتوقف على العمل الحازم من أجل إصلاح الخلل الكبير الذي أحدثته تطلعات الإنسان على الناموس الطبيعي لبيئة الأرض.
هذه التطلعات الإنسانية ذات النظرة الأحادية المنبثقة من شهوة الإنسان غير المنضبطة بضوابط القيم الإلهية التي جعلها الخالق عز وجل صاينة لمصالح الخلق وعلى رأسها الآدمي باعتباره الجنس المكرم المفضل على سائر المخلوقات.
لكن الإنسان وبدافع من غرائزه المتفلتة من منطق العقل قد جاوز حدود الاستفادة من جميع ما سخر له. وبالمقابل فإن آثار جوره قد جاوزت حدود البيئة الأرضية إلى البيئات المائية من جوفية ونهرية وبحرية وإلى البيئة الهوائية وإلى الأغلفة الجوية حتى جاوزتها لتصل الفضاء الفسيح البعيد الغور.
وفي هذا من طرف آخر درس عظيم لكل ذي بصيرة بأن عناصر هذا الكون وأجزاءه متكاملة مترابطة متحدة، وهي في ترابطها واتحادها تعكس وحدانية الخالق العظيم، وترسخ مسلمة كونية وهي افتقار المخلوق إلى غيره، وبالتالي فما دامت المخلوقات محتاجة إلى بعضها ولا تستقيم حياة أحدها بدون الآخر فكان الحري بالإنسان المفضل بالعقل أن يضع ويلتزم بسياسة راشدة حكيمة في التعامل مع من حوله من مخلوقات الله، بحيث يحرص وهو يسعى إلى تلبية حاجاته أن يبقي على دورة الحياة لجميع العناصر المحققة لحاجته.
وكان الجدير بالإنسان أن يتعامل مع مسألة التسخير باعتبارها نعمة تستوجب الشكر الذي يتمثل في حسن التعامل بما يحقق الحاجات المعقولة، وبما ينشئ حضارة إنسانية مشتركة تفيد جميع أفراد الأسرة الدولية، لا استغلالها استغلالا جائرا بقصد السيطرة على الغير والتحكم في الأقوات بل في عناصر الحياة الأساسية من غير اكتراث بأدوار ما يحيط بنا من مخلوقات لها مهمات جليلة تمارسها في دورة الحياة وتجددها، فإن عمل أحد على إفنائها فكأنما يقضي على الحياة ذاتها. لكن الإنسان - وللأسف- ما زال يصر على التملص من ضوابط القيم الدينية مدعيا ادعاء يشف عن زيغ بأن تلك القيم لم تأت من العالم الأرضي، وهي من هذه الناحية لا تتفق ومصالحه حسب وجهة نظره القاصرة، وكأن المخلوق أكثر إحاطة بمصالحه من خالقه، مع أن الذين كلفوا أمانة تبليغها هم من ذوي الطبيعة البشرية، وهم أكثر أبناء بيئاتهم معاناة، وأعظمهم ابتلاء ومحنة، وأشدهم صبرا وعملا من أجل إصلاح البيئة الآدمية، وأرشدهم عقلا، وأقومهم فكرا، وأمثلهم سلوكا، والأكثر من ذا وذاك أنهم خرجوا من بيئات بلغت في الانحراف مبلغا اقتضى انبعاث رسالاتهم الاصلاحية.
وما تعانيه البيئة اليوم بل البيئات بكل مكوناتها وتنوعاتها لأبلغ دليل على عجز العقل الآدمي عن الإحاطة بمصالحه. فإنسان العصر الذي تخلى عن قيم الدين في حياته العامة، وبالتالي هو يدخل المختبرات ويعكف في المعامل لينجز ما أنجزه من مبتكرات كان أساسها الذي قامت عليه هو «الأنا» المستعلية على كل ما سواها، لم تجلب له الراحة التامة على عكس ما قد يتبادر، بل جاءت مترافقة مع أضرار يستلزم التخلص منها إنفاقات تفوق في بعض الأحوال ما أنفق من أجل الابتكار والتطوير.
وهذه «الأنا» التي كانت أساس حضارة العصر، تحولت من «أنا» إنسانية إلى «أنا» عنصرية. فإذا كان الهدف الأول للابتكار أن يخدم الإنسانية فإن الهدف النهائي له أن يحققق النفوذ والهيمنة لعنصر ما من عناصر الإنسانية.
نعم قد ذهب الإنسان مندفعا وراء شهوات الجسد ونزعات التملك والسيطرة كل مذهب غير مبال بما ينجم عن ذلك من نتائج وخيمة على البيئة، مغلفا اندفاعه ذاك بالبحث العلمي المجرد حينا، وبالرغبة في تحسين وسائل الحياة حينا آخر، دون أن يضع أي حساب لأية ضوابط دينية كانت أو دنيوية لحماية البشرية من عبث ما يسمى بالبحوث العلمية، ومنها على سبيل المثال بحوث الاستنساخ الوراثي، فيما يظل الهدف الأساسي والواضح هو رغبة الأقوياء في إحكام السيطرة على كوكب الأرض بمن فيه وما فيه. وتبذل الدول الكبرى في سبيل ذلك جهودا جبارة تنتظم في إطارها عقول بشرية مسخرة وأرقام فلكية من الإمكانات المادية المرصودة.
وأكبر دليل على ذلك أن المنجزات المدنية للتقنية لم تأت إلا في سياق تطوير آلة الدمار العسكرية، التي تعتبر دائما الهدف الأساسي لعملية البحوث، أما المنتجات المدنية الأخرى فهي شيء على هامش البحث العلمي العسكري، أو بمعنى آخر الإفراز الجانبي لهذه العملية. وما من شك أن بيئة كوكب الأرض قد أصابها بسبب ذلك العطب في بعض مكوناتها وعناصرها، وأصبح على الإنسانية اليوم أن تتحرك لحماية الأرض من أخطار ماحقة ما فتئت الكثير من المنظمات تحذر من أثارها الكارثية على الحياة.
وهنا تجد الدول النامية نفسها تنوء بعبء مسؤولية حماية البيئة، لأنها المتضرر الأكبر، دون أن يكون لأغلبها دور في ما يحدث، ومع ذلك فبعضها يسخر قدرا من الجهد، وقدرا من الموارد من أجل تخفيف الآثار الضارة التي أحدثتها الميكنة الغربية على البيئة، رغم أن المسؤولية في المقام الأول تقع على الدول الصناعية الكبرى، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأمريكية التي يتجاوز مقدار الأموال التي تنفقها على بحوث العلوم العسكرية ما ينفقه بقية العالم بأسره.
ومنذ قمة الأرض الأولى في ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 1992م، أخذت بعض الدول الكبرى تتراجع عن التزاماتها التي كان من أبرزها الاتفاق على الالتزام بمعايير بيئية آمنة للحفاظ على الموارد الطبيعية، حيث رأى المؤتمرون أن تحقيق ذلك الهدف يستلزم أن تدفع الدول الكبرى للدول الصغيرة مبلغا سنويا قدره 125 مليار دولار من أجل إصلاح الخلل البيئي، إلا ان الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تعمل من أجل خفض ذلك المبلغ وتحويل إطاره من اتفاقية ملزمة إلى مجرد مساعدات وهبات لا تزيد عن 59 ملياراً، فيما تقول الدراسات البيئية أن الدول الفقيرة تحتاج إلى 600 مليار دولار سنويا لتتغلب على تحديات البيئة مع أن هذه الدول الفقيرة لا دور لها في الخلل الحادث في طبقة الأوزون على سبيل المثال ولا في الأوبئة البيئية الأخرى من تلوث البحار بإفرازات الغواصات وحاملات الطائرات وأساطيل شركات النفط العالمية متعددة الجنسيات، ولا في فساد الهواء المحمل بأدخنة المصانع العملاقة ونفث الطائرات والصواريخ العابرة للقارات، أو تلك السابحة نحو الفضاء الخارجي.
وتذكر بعض الدراسات التي صدرت حديثا في الولايات المتحدة الأمريكية أن الآلة العسكرية الأمريكية لديها القدرة الكافية الآن لتسيطر بسهولة على البر والبحر والفضاء، ولهذا السبب تجاوز إنفاقها على التسلح حجم ما تنفقه أربع عشرة دولة تتلوها في القوة.
إن معظم التعديات التي تحدث على بيئة الأرض وجوها تحدث من قبل الدول الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تتورع عن اقتراف شتى أنواع الاعتداء في سبيل تحقيق أهدافها حتى ولو كانت أهدافا جائرة وغير مشروعة، ومنها ما تقترفه بحق أوطان الشعوب مثلما فعلت بأفغانستان والعراق حيث حولتهما إلى أراض محروقة من خلال التدمير المتعمد لمكونات البيئة التي ألقت عليها أطنانا من المقذوفات الضارة بالبيئة والصحة مما يبقى تأثيرها لعقود من الزمن.
ومن مظاهر ذلك التشوهات التي تحدث في خلقات المواليد الجدد، وفي الأمراض والأوبئة الفتاكة التي بدأت تظهر. لقد هدد الأمريكيون في أخريات عام 1990م بأنهم سيرجعون العراق إلى فترة العصر الحجري، ونفذوا تهديدهم دون أي اعتبار ولا تقدير لكرامة الإنسانية أو سلامة البيئة، أو حتى مراعاة للبشرية التي احتجت على أفعالهم الشنيعة تلك، فهل العراق المتشظي اليوم والمفتت والمهدور الموارد والطاقات هو نفسه العراق قبل فبراير من عام 1991م حيث كان يعج بالعلم والتنمية والتطور؟
ومع كل ذلك الدمار الذي ألحقته أمريكا بأفعانستان والعراق وما تقوم به وكيلتها إسرائيل في العالم العربي منذ عام 1948م، يبدو أن «الأنا»الصهيونية المستعلية لا يزال نهمها العدواني لم يرتو، ويبدو أنه لن يرتو إلا إذا أبادت الولايات المتحدة بيئة الأرض بكل مكوناتها الأساسية والثانوية، ولذلك فعلى بيئة العالم العربي والأقاليم المجاورة أن تستعد لمواجهة لهب جديد، كما صرح بذلك مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

  رجوع