بالرغم من أن
إسرائيل هي بحكم القانون الدولي والمواثيق
الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي تعد
بالعشرات هي الدولة المعتدية، وهي الدولة التي
لا تزال تحتل الأراضي الفلسطينية التي احتلتها
عام 1967، إلى جانب هضبة الجولان السورية
ومزارع شبعا اللبنانية، إلا أنها لا تمل من
محاولاتها خداع العالم، ليس فقط بالقفز على
الحقائق العملية على الأرض، ولكن أيضا بمحاولة
تسويق الوهم للمجتمع الدولي، بالحديث عن ما
تسميه هي وحكومة نتانياهو بتنازلات ينبغي على
العالم أن يصفق لها!!.
لأن إسرائيل هي المغتصبة للأراضي العربية،
ولأنها هي الخارجة على الشرعية والقانون
الدولي، فإنه من الطبيعي إذا أرادت التوافق مع
المجتمع الدولي أن تنسحب من الأراضي التي
تحتلها منذ أكثر من أربعين عاما، وأن تبادر
إلى القيام بالخطوات الضرورية لتحقيق السلام
على الأرض، ومن ثم تحقيق الأمن للشعب
الفلسطيني وللدول العربية من حولها، ومن ثم
لها كذلك في النهاية، لسبب بسيط هو أنه من غير
الممكن، على أي نحو، أن تحقق إسرائيل أمنها
منفردة، مهما اتخذت من إجراءات ومهما تسلحت أو
امتلكت من قدرات عسكرية، لأن الأمن بين دول
المنطقة جميعها هو حالة تشارك كل الأطراف في
صنعها بدرجات مختلفة، خاصة وأن أمن أي طرف لا
يمكن أن يكون على حساب الأطراف الأخرى، وأن
الشعور الحقيقي بالأمن هو في الواقع شعور
جماعي في جانب كبير منه، ومن الصعب أن يكون
شعورا منفردا، أو بمعزل عما يحيط بالدولة –
إسرائيل أو غيرها – من تطورات، خاصة في
الألفية الثالثة.
غير أن إسرائيل اعتادت على امتداد العقود
الستة الماضية على ممارسة لعبة ابتزاز مكشوفة،
عرفها العالم منذ خمسينات القرن الماضي. فهي
تحرص على التمدد واحتلال مزيد من الأراضي
الفلسطينية والعربية، ثم المساومة بجزء محدود
منها من أجل إيهام العالم بأنها انما تقدم
تنازلات، بل تضحيات كما تسميها بعض قيادات
إسرائيل، في حين أنها في الواقع ترفض الجلاء
أو الانسحاب من الأراضي التي تحتلها.
نعم عملت القيادات الإسرائيلية دوما على فلسفة
سياسات الاغتصاب الإسرائيلية للأراضية
الفلسطينية والعربية وتبريرها من وجهة نظرها
هي ومن منظور مصالحها هي بالطبع، والمؤسف أنها
تريد أن يصدقها العالم ويسلم بما تراه هي بغض
النظر عن الحقائق والقوانين والمواثيق التي
تدوسها على مرأى ومسمع من الجميع. حدث ذلك من
قبل، ويحدث الآن بالنسبة لعمليات الاستيطان
التي تنفذها حكومة نتانياهو على قدم وساق في
القدس المحتلة وفي الضفة الغربية وغيرها من
الأراضي التي تحتلها. إنها تريد أن تقنع
العالم بأن ما تقترحه من وقف جزئي لعمليات
الاستيطان هو تنازل ينبغي أن تحصل على مقابل
له من الفلسطينيين ومن العرب ومن المجتمع
الدولي وفي مقدمته الإدارة الأمريكية كذلك.
ليس غريبا ولا مفاجئاً أن تنطلي هذه اللعبة
وهذا الخداع على كثيرين، خاصة ممن يريدون أن
يسايروا إسرائيل أو يتجنبوا التصادم معها
لأسباب أو أخرى، ولكن الغريب أن تحاول إسرائيل
تسويق ذلك عبر حملة دبلوماسية مخططة ومنظمة
للتأثير في مواقف واتجاهات الدول على امتداد
العالم.
على أية حال فإنه بغض النظر عن كل هذه اللاعيب،
فإن الموقف الذي اتخذته السلطة الوطنية
الفلسطينية، والدول العربية كذلك من شأنه أن
يكشف حقيقة ما تدعيه إسرائيل، ليس فقط لأن
عمليات الاستيطان، سواء في القدس المحتلة أم
خارجها، غير شرعية وتزيد العقبات على طريق
السلام، ولكن لأن وقف الاستيطان بالكامل،
تمهيد للانسحاب من الأراضي المحتلة هو ما يمكن
أن يكون مدخلاً لإعادة تحريك عملية السلام مرة
أخرى.فهل توافق إسرائيل؟.