تختتم اليوم اجتماعات أصحاب الجلالة والسمو
قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في
اطار القمة التاسعة والعشرين للمجلس الأعلى،
حيث يتطلع ابناء شعوب مجلس التعاون الى
القرارات التي ستصدر عن القمة من ناحية، والى
ما سيترتب على مداولاتها وعلى اللقاءات
الجانبية على هامشها بين اصحاب الجلالة والسمو،
وهي لقاءات تتسم بالأهمية الكبيرة نظرا لأنها
تتناول في العادة امورا كثيرة تنعكس على نحو
او آخر سواء على الاجتماعات اللاحقة لها، او
على العلاقات الثنائية او المتعددة الاطراف
بين دول المجلس من ناحية ثانية.
واذا كان من المعروف على نطاق واسع ان فعالية
اية منظمة اوهيئة، او تجمع اقليمي، يرتبط الى
درجة كبيرة بمدى قدرة المنظمة على تنفيذ
قراراتها، او بمعنى آخر مدى التزام الدول
الاعضاء بتنفيذ القرارات وتحويلها الى برامج
وسياسات وممارسات عملية وملموسة ومفيدة ايضا
لدولها وشعوبها، فإنه من المعروف كذلك ان صورة
المنظمة لدى مواطني شعوبها، ومدى قناعة هذه
الشعوب بأهمية وقيمة وفائدة المنظمة لها في
حياتها اليومية، هو امر بالغ الأهمية، ليس فقط
في الحفاظ على المنظمة وضمان بقائها متمتعة
بقدر من الحيوية، ولكن ايضا في تطوير ادائها
وتحقيق اهدافها عبر دفع مواطني شعوبها الى
المشاركة العملية في تحقيق ذلك. ومن هنا تزداد
اهمية وضرورة البعد الشعبي في عمل المنظمة او
التجمع الاقليمي لتعزيز الأداء الرسمي
والاسهام في تذليل ما قد يواجهه من عقبات.
وفي هذا الاطار فانه ليس من المبالغة في شيء
القول بان مجلس التعاون لدول الخليج العربية
يتمتع بتجربة متميزة على صعيد العمل العربي
المشترك، وهي تجربة تتنامى وتتعمق وتتسع
تدريجيا فيما يتصل ببلورة المواطنة الخليجية،
والانتقال بها من مجرد هوية مميزة - وليست
منفصلة بالقطع - عن محيطها، الى سبيل ووسيلة
واداة فعالة لتعميق التكامل بين دول مجلس
التعاون لدول الخليج العربية وشعوبه في مختلف
المجالات وصولا الى «المجتمع الواحد» في
النهاية، وهو طموح تشترك فيه كل دول وشعوب
المجلس وتمتلك الارادة السياسية الكافية
والادراك العميق لاهمية وضرورة تحقيقه عبر
خطوات متتابعة.
على اية حال فانه من الأهمية بمكان الاشارة
باختصار شديد الى الجوانب التالية:
** اولا: انه ليس من المبالغة في شيء القول
انه في الوقت الذي توفرت فيه لدول مجلس
التعاون فرص الاستقرار السياسي والرخاء
الاقتصادي وقوة التقاليد والتماسك الاجتماعي
بين شعوبها، فإن قياداته ادركت ببعد نظرها
اهمية وضرورة افساح المجال امام شعوبها
للمشاركة بشكل متزايد في صنع القرار، الذي
سرعان ما امتد من الجوانب الادارية
والاجتماعية، الى الجوانب ذات الطابع السياسي
والبرلماني المتزايد، وهو امر ملموس في خطوات
دول المجلس جميعها بدرجات.
ومن ثم فإنه لم يكن مفاجئا او غريبا ان تظهر
مسألة الاهتمام بالمواطنة الخليجية مع السنوات
الاولى لإنشاء المجلس. صحيح ان هذه المسألة
استخدمت احيانا كمحفز او كمحرض للشعور الخليجي
بين ابناء دول المجلس، ولكن الصحيح ايضا ان
الامر استقر على ارضية تقوم على الوعي بأهمية
وضرورة العناية بالمواطن الخليجي في كل خطوة
من خطوات التكامل بين الدول الاعضاء. ولعل
ماساعد على ذلك ان الانظمة الاقتصادية في دول
المجلس تقوم كلها على أسس الاقتصاد الحر وعلى
الدور الكبير للقطاع الخاص وللفرد في العمل
على مستوى الدولة والمجتمع كذلك. ومن هنا فإنه
في الوقت الذي كانت فيه كل دولة من دول المجلس
تعنى بتعميق شعور المواطنة بين ابنائها، كسمة
وكضرورة من ضرورات الدولة الحديثة، فإن
المواطنة الخليجية برزت تدريجيا كأداة لتعميق
التعاون والتكامل بين الدول الاعضاء والحفاظ
عليه ايضا. ولأن دول المجلس تتميز بالتقارب
الشديد والتماثل الاجتماعي والسياسي الى حد
كبير، فإنه لم تظهر اية تناقضات بين الهوية
الوطنية وبين المواطنة الخليجية، حيث من
المبكر القول بأنها هوية خليجية، وان كان من
غير المستبعد ان تؤول الى ذلك في المستقبل
عندما يصل التكامل بين دول المجلس الى غايته
المنشودة.
** ثانيا: ان السنوات الماضية شهدت بالفعل
خطوات على طريق تحقيق المواطنة الاقتصادية بين
دول المجلس وذلك من خلال الاجراءات التي تم
اتخاذها فيما يتصل بعمليات انتقال المواطنين
ببطاقات الهوية، ومعاملة مواطني دول المجلس
معاملة ابناء الدولة التي يتواجدون فيها من
دول المجلس الاخرى، خاصة في التعليم والرعاية
الصحية والتأمينات الاجتماعية، وكذلك تيسير
التملك وانتقال الاستثمارات بين دول المجلس
وغير ذلك من الاجراءات، ولكن الواقع هو ان
مواطني دول المجلس يتطلعون الى مزيد من
الخطوات والاجراءات التي يمكن من خلالها إزالة
أكبر قدر من الجدران الادارية والتنظيمية
والجمركية والقانونية من الحدود المشتركة بين
الدول الاعضاء. صحيح ان دول مجلس التعاون هي
المجموعة العربية الوحيدة بين الدول العربية
التي يستطيع فيها مواطن أي منها الانتقال
بسهولة وبالهوية الشخصية وعبر مختلف المنافذ
الحدودية بينها بيسر وسرعة، وهو ما سيتعزز
باصدار جواز السفر الموحد الذي تتخذ اجراءات
الانتهاء منه، ولكن الصحيح ان طموحات ابناء
دول المجلس أكبر من السرعة التي تسير بها
الدول الاعضاء لتحقيق التكامل فيما بينها.
وهنا تحديدا فان الكثير من الاهمية يعلقها
ابناء دول المجلس على اجتماعات اصحاب الجلالة
والسمو قادة دول المجلس، الذين يحرصون جميعهم
على تحقيق كل مايمكن ان يفيد المواطن الخليجي
اليوم وغدا، وفي كل المجالات ايضا. وفي هذا
الاطار فان مما يسجل للقمم التي عقدت في مسقط
انها شهدت اول تكريم من جانب اصحاب الجلالة
والسمو قادة دول المجلس لمجموعات من مواطني
دول المجلس وذلك خلال القمة العاشرة التي عقدت
في مسقط عام 1989م.
على اية حال فانه من الأهمية بمكان ان يتعمق
ويتسع شعور المواطن الخليجي بان مجلس التعاون،
بخطواته وبرامجه وسياساته المشتركة، يضع مصلحة
المواطن الخليجي في مقدمة اولوياته وبشكل عملي
ملموس، وذلك حتى لا تتسع الفجوة بين شعوب دول
المجلس وبين المجلس كمنظمة، وهو ماحدث من قبل
بين الشعوب العربية وجامعة الدول العربية
لأسباب عديدة.
** ثالثا: انه مع الوضع في الاعتبار ان القمة
التاسعة والعشرين لقادة دول مجلس التعاون لدول
الخليج العربية سعت في الواقع الى بحث معوقات
التكامل بين دول المجلس، سواء فيما يتصل
بالاتحاد الجمركي او فيما يتصل بالسوق
الخليجية المشتركة، وهو ما يتصل على نحو وثيق
بالمواطن الخليجي ومن ثم يصب في صالح المواطنة
الخليجية على نحو او آخر، فانه مع انتظار ما
سيسفر عنه ذلك على صعيد القرارات التي ستتخذ
في ختام القمة اليوم، فإنه من الاهمية بمكان
العمل بكل السبل الممكنة من اجل جعل المواطن
الخليجي شريكا حقيقيا والى ابعد مدى في تحقيق
التكامل الخليجي، لأن ذلك من شأنه ان يؤدي
التي تعزيز خطوات الدول الاعضاء من ناحية،
ودعم جهود وخطوات التكامل التي يتم اتخاذها
بجعل الجهد الشعبي عنصرا حيويا فيها من ناحية
ثانية، هذا فضلا عن ان اشراك المواطن الخليجي
في العمل المشترك على مستوى المجلس من شأنه ان
يشكل نسق ضبط وتصحيح للاداء الحكومي احيانا،
واكساب هذا الأداء مزيدا من القبول والتأييد
على المستوى الجماهيري كذلك. وهو ما يحصن في
الواقع مسيرة التكامل بين الدول الاعضاء.
وفي حين تشكل الهيئة الاستشارية للمجلس الاعلى
لمجلس التعاون أحد اهم السبل لاشراك المواطن
الخليجي، باعتبار انها تمثل شعوب دول المجلس
او يفترض انها كذلك، الا ان هناك بالفعل حاجة
حقيقية ومتزايدة لتطوير وتفعيل اداء الهيئة
الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون
لتستطيع القيام بدورها المنشود عبر دراسة ما
يفيد المواطن الخليجي ويعزز المواطنة الخليجية
ايضا. واذا كانت مجالس الشوري والنواب والوطني
والامة لدول مجلس التعاون تسعى الى تعزيز
تعاونها وتعميق التنسيق فيما بينها، فانها
قادرة هي الاخرى للقيام بدور، من المهم توسيع
نطاقه وتعميقه، للتعبير عن مصالح المواطن
الخليجي وخدمتها ايضا.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه دول المجلس التي
اتاحت الفرصة بشكل أكبر أمام القطاع الخاص
الخليجي للعمل والتعاون والاستثمار في دول
المجلس المختلفة، للاستفادة من دروس الازمة
المالية العالمية، وهو ما ينبغي الاهتمام به
من جانب استثمارات الصناديق السيادية للدول
الاعضاء كذلك، وتوجية جزء متزايد من
استثماراتها الحكومية الى دول المجلس، تعزيزا
للتكامل فيما بينها واستغلالا لامكانياتها
وخدمة لمصالحها المشتركة، فلعله آن الاوان
للاهتمام كذلك بالجمعيات الاهلية وجمعيات
المجتمع المدني وإفساح المجال امامها لتطل على
العمل الخليجي المشترك، بل وتسهم على نحو او
آخر، ووفق ما يضعه المجلس من قواعد في هذا
المجال، في دفع هذا العمل في المجالات
المختلفة. ومن شأن ذلك كله ان يدفع نحو تحقيق
المواطنة الخليجية والانتقال بها من الاطار
الاقتصادي الى الاطار العام الاوسع وصولا الى
الهوية الخليجية في النهاية.