الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

السكة الحديد والترابط الوطني والإقليمي
الدكتور ابراهيم بدران

صادف يوم الثالث والعشرين من شهر اغسطس الجاري مرور مائة عام على تشغيل الخط الحديدي الحجازي والذي بدأ انشاؤه عام 1900 وانتهى في عام 1908م. وامتد الخط من العاصمة السورية دمشق مروراً بمدينة درعا جنوب سوريا والى العاصمة الاردنية عمّان، جنوباً الى مدينة العقبة الاردنية وانتهاء بالمدينة المنورة ، وبطول ( 1320) كيلو متراً وبعرض (105)سم وحمولة محورية (10,5) طن وبتكلفة اجمالية بلغت ( 4,25) مليون ليرة عثمانية او ما يقرب من( 425 ) مليون دولار بأسعار اليوم. واستكمالاً لدور الخط في خدمة المسافرين وربط المناطق العربية بعضها ببعض فقد تم انشاء وصلة من درعا الى مدينة حيفا في فلسطين فأصبحت السكة الحديدية تربط دمشق بمدينة حيفا الفلسطينية.
وبذا أحدث الخط الذي اصبح جزءاً من التاريخ الاقتصادي الاجتماعي للمنطقة نقلة نوعية بالنسبة للمسافرين والبضائع والحجاج فاصبحت الرحلات الى الحجاز تستغرق اياماً قليلة بعد ان كانت تستغرق اسابيعا وأشهرا. ولم يكن الخط الحديدي الحجازي اول خط حديدي في بلاد الشام.
فقد سبق ذلك انشاء خط من مدينة يافا الفلسطينية الى القدس وبطول 87 كيلومتراً وذلك عام 1888م. وبعد ذلك تم انشاء خط حديدي آخر بين دمشق وبيروت بطـول ( 147) كم كان يقطعها القطار في ( 6 ) ساعات.
ومع هذا وبعد مرور (120) عاماً على دخول السكة الحديد فلا تزال الاقطار العربية من اقل الدول اقبالاً واهتماماً بالسكة الحديد، على الرغم من اتساع الرقعة العربية. حيث تصل مساحتها ( 13,9 ) مليون كيلومترمربع وسكك حديدية فيها لا تتجاوز (12) ألف كيلومتر ، مقارنة بأوروبا البالغـــــة مساحتهـــــا (4,7) مليون كيلومتر مربع وبخطوط للسكة الحديد تزيد عن 200) ألف من الكيلو مترات وبالولايات المتحدة ومساحتها (9,3) مليون كيلومتر مربع ولديها (229) ألف كيلومترمن السكة الحديد وروسيا ومساحتها (17) مليون كيلو متر مربع ولديها (85,5) الف كيلومتر من السكة الحديد.
ولا تقتصر السكة الحديد على الدول ذات المساحات الكبيرة، وانما تشمل الدول ذات المساحات الصغيرة. ففي بلد صغير مثل النمسا والتي لا تتجاوز مساحتها (84 ) ألف كيلومتر مربع تبلغ اطوال السكة الحديد ( 5,8 ) الف كم وفي هنغاريا ومساحتها (93) ألف كيلومتر مربع يبلغ اطوال السكة الحديد نحو ( 8700 ) كيلومتر. اما مصر وهي اكثر البلدان العربية استخداماً للسكة الحديد فتبلغ اطوال سكة الحديد فيها ( 5200 ) كم فقط. اما من حيث استخدام السكة الحديد لغايات نقل المسافرين فتأتي سويسرا في المقدمة. حيث نجد ان معدل الاستخدام هناك (2040)كيلومتراً لكل مسافر سنوياً وفي اليابان وفرنسا والدنمارك وايطاليــا نجد الرقم ( 1922) و (1284 ) و ( 1092) و ( 803 ) كيلومترات لكل مسافر سنوياً.
وتدل الدراسات الاقتصادية الاجتماعية على ان السكة الحديد قد لعبت دوراً حاسماً في التطور الاقتصادي الاجتماعي في كل من اوروبا والولايات المتحدة وروسيا وغيرها. وفي الجانب العمراني فإن سهولة انتقال الافراد والبضائع من خلال السكة الحديد ساعدت على نشوء الصناعات والمشاريع قريبة من محطات السكة التي تمر بالقرى التي استطاعت ان تحافظ على تماسكها ونموها. وهو عكس ما نراه في الدول النامية حيث تشتد الهجرة من الريف الى المدينة بسبب صعوبة الانتقال سواء من حيث الزمن او الكلفة او المشقة او عدم المواءمة.
وعلى المستوى العربي فإن واحداً من اهم الاسباب التي تجعل التجارة العربية البينية محدودة وفي حدود ( 13٪ ) من مجمل التجارة العربية الدولية هو غياب خطوط السكة الحديد التي تربط الاقطار العربية بعضها ببعض ، فلا يجعل ذلك انتقال السلع سهلاً وسريعاً ومتواضع الكلفة.
هذا اضافة الى غياب شبكات السكة الحديد الداخلية التي تربط القرى والمدن وتحافظ على التوزيع العمراني المتوازن في طول البلاد وعرضها.
اليوم وعلى ضوء ارتفاع اسعار الطاقة ، وعلى ضوء الاهتمام بالبيئة من حيث التلوث والاحتباس الحراري ، ومن حيث تركز السكان في المدن اختصاراً لتكلفة السفر ومشقته ، يعود الاهتمام بالسكة الحديد في جميع انحاء العالم.
حيث تبرز هذه الوسيلة في النقل كواحدة من اكثرها صداقة للبيئة واقلها تكلفة وأكثرها امانا. ومن حيث انها اكثر سرعة على ضوء اكتظاط الشوارع بالسيارت وازمات المرور الخانقة.
لقد بدأ الخط الحديدي بين دمشق وبيروت بسرعة قطارات 20)) كم / ساعة وصلت الى (35) كم / ساعة في الخط الحديدي الحجازي. وخلال مائة عام ارتفعت سرعة القطارات الى (300) كم / ساعة في القطارات السريعة في اليابان و 200كم / ساعة في اوروبا.
ان اقتصاديات النقل بالسكة الحديد لا يضاهيها اي وسيلة اخرى، خاصة وان استعمال انظمة النقل الحديثة يمكن من استخدام القطارات الكهربائية الامر الذي يساعد على تحسين اقتصاديات محطات الكهرباء الكبيرة وتخفيض التلوث الى الحد الادنى.
لقد كان هناك مؤتمرات واجتماعات عربية عديدة اتخذت قرارات بإحياء وتحديث الخط الحديدي الحجازي دون ان يتحقق ذلـــك كمـــــا ينبغــــــي.
واليوم هل تكون هذه المئوية للخط الحجازي مناسبة يعاد فيها التفكير في اساليب النقل واقتصادياته على المستوى الوطني والاقليمي ؟ بنظرة مستقبلية تستفيد من تجارب الماضي وخبرة الحاضر ؟ فتبادر كل دولة عربية الى انشاء شبكة وطنية للسكة الحديد يتم الربط فيما بعد بينها وبين الدولة المجاورة. ان العالم يتغير بسرعة كبيرة والمستقبل يتطلب الكثير من العمل والتغيير.

  رجوع