الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

أنجيلا ميركل وعودة ألمانيا إلى سماء العالمية
إميل أمين

بمن تتعلق مصائر الدول والشعوب ؟ بلا أدنى شك بالقادة الملهمين الذين يؤمنون بقدرات بلادهم على الصعود بعد فترات الانزلاق التاريخي من على شاشة الأحداث الدولية ، هؤلاء القادة الذين في قراءة سطور حياتهم وتجاربهم عبر ودروس للتاريخ وقديما قال الشاعر العربي « ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره ».
ولعل الحديث عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في هذه الآونة هو حديث واجب الوجود كما تقول جماعة الفلاسفة والتساؤل لماذا ؟
الإجابة تقودنا للحديث على مستويين الأول يتعلق بدور ميركل على الصعيد الأوروبي والعالمي ومقدرتها على وضع بلادها في طليعة دول الاتحاد الأوروبي الفاعلة دوليا والثاني يختص بالعلاقات الألمانية العربية والخليجية المتنامية والمزدهرة في الأعوام الأخيرة. ليس هذا فحسب بل والمرحب بها في منطقة الشرق الأوسط لاسيما بعد أن تعلق العرب كثيرا وطويلا بالأهداب الأمريكية وراهنوا عليها رهانا بدا كثيرا انه خاسر .
ومهما يكن من أمر فان التاريخ الألماني يؤشر إلى شيء معجز في العقلية والنفسية الألمانية شيء يتجاوز الصعاب ويتحداها ويتخطاها لتخرج ألمانيا من جديد كما الذهب المصفى في النار. هل من دليل على مصداقية هذا الحديث؟ اليك الآتي :
تخبرنا روايات التاريخ أن ألمانيا الإمبراطورية على عهد ويلهلم الثاني قد خرجت من الحرب العالمية الأولى راكعة أمام الحلفاء لكنها لم تلبث في ظرف عشرين سنة لا تزيد أن عادت إلى مشروعها القومي تحاول إقامة الرايخ أي وحدة الأمة الألمانية على أساس الثقافة وحدها مرة ثالثة تحت قيادة أدولف هتلر وكانت هزيمة هتلر ساحقة سنة 1945 لكنه بعد اقل من خمسة عشر عاما كانت ألمانيا تعود إلى تجديد مشروعها تحت قيادة «اديناور» وإدارة «ايرهارد» ثم جهود شميدت وكول وتحقق حلم الأمة الألمانية وان كان تحقيقه هذه المرة بقوة المارك وليس بقوة المدفع .
وفي أعقاب رحيل جيرهارد شرودر المستشار الألماني السابق كان التساؤل هل ستستطيع امرأة قادمة من ألمانيا الشرقية أن تعيد لألمانيا أمجادها الكبرى أو تحافظ في اضعف الأحوال على المكاسب التي حققتها عبر عدد من مستشاريها السابقين؟
ربما تكون الإجابة هي أن وصول ميركل إلى قمة الهرم السياسي الألماني هو أمر يؤكد على المعجزة الكائنة في النفس البشرية الألمانية التي لا تعرف الهزيمة أو الانكسار من الداخل مهما تعرضت للعواصف والأنواء من الخارج فكون المرء ينهزم في معركة حربية عسكرية هذه حادثة أما التسليم سلبيا للأقدار فتلك هي الكارثة .
وبإجمالي القول فان وصول ميركل للمستشارية قد عكس ولا يزال جملة التحولات الجذرية التي شهدتها بنية المجتمع الألماني في العقود الثلاثة الأخيرة بصورة عامة ونخبته السياسية بصورة خاصة، كما أن صعود نجمها يعطي دليلا لا لبس فيه على تكريس الوحدة الألمانية على ارض الواقع.
والشاهد أن أسلوب ميركل الموضوعي المتميز ب «التريث الموجه المصبوغ بعقلانية محضة وبرجماتية لا تعرف الحدود» خاصة إذا تعلق الأمر بالحفاظ على سلطتها داخل منظومة القرار السياسي الألماني بحسب ما يرى المحلل السياسي والكاتب الألماني «ريتشارد مينج » صاحب كتاب «دولة ميركل إلى أين تقود المستشارة ألمانيا» كانت دافعا رئيسيا وعاملا مؤكدا في الانتصارات السياسية والأدبية بل والمادية التي ادركتها ألمانيا في السنوات التي تبوأت فيها ميركل موقع المستشارية .
ولعل رؤية كاتب شرق أوسطي محايد مثل صاحب هذه السطور تكون غير مجروحة في الشهادة لهذه السيدة المعجزة وقد كان موقفها الإنساني الأخير في قمة دول الثماني الكبرى دافعا لتعميق القراءة حول تجليات ومنجزات ميركل سواء الأدبية أو المادية على الصعيد العالمي فماذا عن ذلك الموقف ؟
يمكن القول أن أزمة الغذاء التي ضربت معظم إن لم يكن كل دول العالم في الأعوام الأخيرة قد باتت تمثل الشاغل الأكبر لصناع القرار والأفكار حول العالم ولهذا فان البحث عن حلول جذرية لها أمر يقي العالم شر الجوع والمجاعات المهلكة وما أقسى على النفس الإنسانية أن تمسي بغير خبز أو تصبح على غير زاد .
في هذا السياق يأتي الاحترام والتقدير للدور الألماني بقيادة ميركل فقبيل قمة الثماني أعلنت المستشارة الألمانية عن حزمة من الإجراءات لضمان الأمن الغذائي للتخفيف من أزمة الغذاء العالمية على المدى القصير ووضع استراتيجية طويلة المدى لتامين زيادة الإنتاج العالمي .
ليس هذا فحسب إذ كانت تعرب عن أملها في التوصل خلال لقاء القمة إلى اتفاق لمواجهة ارتفاع الأسعار وقد أشارت إلى أهمية التعامل بشفافية اكبر في أسواق النفط من اجل تصعيب دور المضاربات في زيادة الأسعار مع فصل معدلات النمو في الدول الصناعية والناشئة عن استهلاك الطاقة... والتساؤل ماذا يعني هذا المشهد ؟
لا يمكن أن نجيب دون أن نشير بداية إلى أن اليابان وألمانيا هما الدولتان الوحيدتان من بين دول المجموعة التي تملك فائضا من مخزون الحبوب مما يعني أن القضية لا تمسها بشكل خاص لكنها في إطار سياق إنساني وأخلاقي أوسع تسعى إلى محاربة أزمة ارتفاع أسعار الغذاء من جهة وتلافي المجاعات حول العالم وقد كان دور ألمانيا- ميركل في ثنايا القمة واضحا ومؤثرا إلى أقصى درجة فيما يتعلق باتجاه مجموعة الثماني إلى تشكيل احتياطي من الحبوب بهدف تجنب نقص الأغذية وارتفاع أسعارها .
ولأن أزمة الغذاء مرتبطة ارتباطا جذريا بالتغيرات المناخية فقد كانت ألمانيا في طليعة الدول الساعية إلى وضع أجندة دولية لخفض انبعاثات الغازات إلى النصف بحلول عام 2050 وقد لعبت المستشارة الألمانية دورا بالغ الأهمية في القمة السابقة لمجموعة الدول الثماني في منتجع هايليجندام عندما اتفقوا على بحث جاد لإمكانية خفض الانبعاثات الضارة إلى النصف بحلول هذا التاريخ وقد رحبت المستشارة ميركل مؤخرا بقرارات القمة الأخيرة ويبدو أن تأثيرها كان واضحا على الصديق والحليف الأمريكي والذي كان رافضا للكثير من تلك الخطط الأمر الذي عبرت عنه بعد لقاء استمر قرابة 45 دقيقة مع الرئيس الأمريكي جورج بوش بقولها «نحن في الواقع راضون جدا عن صياغة وثائق مجموعة الثماني» .
ما الذي يجده المرء أيضا على أجندة المستشارة الألمانية في طريقها للصعود ببلادها إلى قمة الجبل ؟
ربما يضحى موقفها من حقوق الإنسان واحدة من القضايا الحساسة والتي أثبتت بالتجربة صدق ما تقوله عبر الحديث أي أن أفعالها قد لازمت أقوالها ... ماذا تعني تلك الكلمات ؟
المقطوع به أن الكفاح من اجل سيادة دولة القانون وحقوق الإنسان يعتبر بالنسبة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بمثابة « كفاح عالمي » يجب أن يشمل العالم كله وان الكفاح من اجل حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم يعد إلى جانب تمثيل المصالح الألمانية ركيزة مهمة للسياسة الخارجية الألمانية وكثيرا ما أكدت ميركل أن حقوق الإنسان والعلاقات الاقتصادية الجيدة هي مبادئ لا يمكن التخلي عنها ويجب حسب تصورها أن تسير متواكبة وقد صرحت ميركل غير مرة بقولها: نحن نعلم انه ما زالت حقوق الإنسان في أماكن كثيرة في العالم تنتهك ونحن نؤمن بأننا نستطيع أن نحسن عملية تطبيق حقوق الإنسان على مستوى العالم من خلال الحوار وإعطاء المثل الجيد، وتكمل بالقول: إن جهودنا وسعينا يركزان على كرامة كل إنسان .
وتوضح ميركل في أحاديثها وتصريحاتها في هذا السياق كيف انه قبل 60 عاما تقريبا تمكن المجلس الأوروبي من إدخال مبادئ أساسية تؤثر في ثقافتنا السياسية: الديمقراطية والحفاظ على حقوق الإنسان ، وضمان الحرية وقد لعب المجلس الأوروبي دورا ممتازا خاصة بعد سقوط الستار الحديدي حيث ساعد الديمقراطيات الناشئة في وسط وشرق أوربا على تأسيس الهياكل الديمقراطية والقانونية «وعليه يصبح طبيعيا أن تصل إلى نتيجة» أننا نعطي بذلك داخل المجتمع الأوروبي مثالا واضحا لباقي مناطق العالم عن مفهومنا للحياة الآدمية ولن نتوانى عن دعوة الآخرين إلى مشاركتنا مبادئنا».
وعلامة الاستفهام في هذا السياق هل ما تتحدث به ميركل عن حقوق الإنسان قناعات ذاتية وألمانية صادقة أم مجرد دعايات وشعارات جوفاء ؟
واقع الحال يشير إلى أن جميع المستشارين السابقين لميركل من اليساريين أو اليمينيين كانوا يفضلون عادة التعقل على الجرأة أو الصمت المهذب على المثالية السياسية غير أن ميركل التي نشأت في ألمانيا الشرقية الشيوعية يبدو أنها وهبت نفسها وبقناعة لا حدود لها لأن تكون مدافعا صنديدا عن حقوق الإنسان من جراء خبرات عاشتها في بلادها وعرفت من أثرها ماذا يعني أن تنتقص الكرامة الإنسانية أو تسلب الإبداعات الشخصية لحساب الكيانات السياسية.
في هذا الإطار لم يكن غربيا أن تنتقد ميركل وأمام زعماء ستة وعشرون دولة أوروبية وثلاثة وخمسين دولة افريقية أوضاع حقوق الإنسان في زيمبابوي ففي كلمتها أثناء القمة الأوروبية الأفريقية التي عقدت مطلع ديسمبر من العام الماضي في لشبونة تحدثت بشكل خاص عن حقوق الإنسان في القارة الأفريقية داعية إلى تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي في القارة .
والشاهد أن إيمان ميركل المطلق بكرامة وقدسية حقوق الإنسان يجعلها تتجاوز العلاقات الدبلوماسية وقلق الأوساط الاقتصادية في ألمانيا من تأثير ذلك سلبا على حجم التبادلات مع بلدان أخرى ومن أكثر الأمثلة على ذلك الموقف الصارم وضوحا انتقاداتها لأوضاع حقوق الإنسان في كل من روسيا والصين رغم حجم المصالح المشتركة بين بلادها وهاتين البلدين ورغم قلق مجموعات الأعمال الألمانية من أن ينعكس لقاء ميركل مع زعيم التبت الدالاي لاما فأنها أقدمت عليه ولم تتهيب له أو منه حتى لو بلغ غضب الحكومة الصينية حد قيام رئيس الوزراء الصيني وين جيابا بمطالبة ميركل بالاعتراف بان لقاءها مع الدالاي لاما كان خطا .
ولعل مواقف ميركل من العولمة واستحقاقاتها يثير كثيرا من التقدير لشخصها ففي مداخلة لها أمام إحدى قمم دافوس الأخيرة قالت ميركل « إن العولمة وما أدت إليه من تنافس دولي كبير انعكس سلبا على البيئة بالإضافة إلى أن الكثير من الدول لم تستطع الانتفاع من الازدهار الاقتصادي العالمي مؤكدة أن الكثير من بلاد العالم حرمت من الازدهار بسبب تيار العولمة القوي الذي اجتاح العالم كله.
ولم تتوقف انتقادات ميركل عند هذا الحد بل أكدت على أهمية دور السياسيين في مواجهة تحديات العولمة عن طريق التعاون والمرونة والاستعداد للتغيير والنظر بجدية لمخاوف الكثيرين من العولمة قائلة «إن العولمة تمثل تحديا يواجه الجميع لكنها أيضا توفر الكثير من الفرص وفرصها أكثر كثيرا من مخاطرها فهي توفر الفرص لتحقيق السلام والحرية والرفاهية للبشر لكن لكي تصل هذه الايجابيات إلى الناس يجب تحقيق توازن القوى».
وفي رأي ميركل انه يجب الوصول إلى هذا التوازن والتعاون في مجالات التجارة العالمية واستغلال موارد الطاقة والتعليم ومحاربة الإيدز .
وتقول ميركل: إننا بحاجة إلى اقتصاد عالمي في إطار عادل ومنظم وان النظرية القائلة بان الدولة تفقد سلطتها بسبب العولمة غير صحيحة فباختيار الأطر السياسية الصحيحة يمكننا رسم ملامح العولمة سياسيا بحيث يستفيد الجميع .
والحاصل أن تلك المكانة التي حازتها ميركل لبلادها تستدعي تساؤلا.. الم يحن الوقت لان تحتل مقعدا دائما في مجلس الأمن ؟
الشاهد أن الحضور الألماني العالمي يتعزز يوما تلو الأخر وهذا ما يدفعنا إلى محاولة قراءة المعجزة الألمانية في عالمنا العربي قراءة عميقة والاستفادة من خبراتها الايجابية العريضة عبر الزمان والمكان.
ويتبقى التساؤل الثاني ماذا عن الدور الألماني لجهة العالمين العربي والإسلامي والشرق الأوسط بقضاياه الساخنة والملتهبة في أوائل العقد الحادي والعشرين . هذا يقودنا إلى حديث العدد القادم بإذن الله.

  رجوع