الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

بين جورجيا والمجر

إن ما يحدث في جمهورية جورجيا يذكرنا بما حدث في عام 1956م عندما توغلت الدبابات الروسية داخل المجر، ولم يحرك الغرب ساكنا.
ومن الناحية الواقعية، ربما يمكن القول أيضا إن الغرب ما كان يمكنه أن يفعل أي شيء آنذاك ولا الآن لإجبار روسيا على الانسحاب.
بيد أنه كان هناك شعور بالمرارة في ذلك الوقت وفي الوقت الحالي، بأن الغرب ربما يكون قد شجع الآخرين للتضحية بأرواحهم معتمدين علينا، لأننا كنا نعرف من البداية أننا لن نخاطر بالدخول في صراع مسلح مع قوة نووية بشأن المجر آنذاك ولا جورجيا الآن.
يتمتع الغرب بتاريخ طويل من الوقوف بلا حراك، والاعتماد على الأمم المتحدة وقبلها على عصبة الأمم لكي يوهم الجميع بأنهم يفعلون شيئا عندما يلقون بالخطب ويمررون القرارات. فلا يمكن لا للخطب ولا للقرارات أن تحدث أي فرق بالنسبة للروس ولا الإيرانيين ولا أي دولة متحاربة. نحن نعرف ذلك، وهم يعرفونه والعالم كله يعرفه.
لكن الواضح أيضا أن مرشح الرئاسة الأمريكي باراك أوباما لا يعرف ذلك. أنا استند في هذا الحكم على رد فعل أوباما تجاه أخبار الغزو الروسي لجورجيا، حيث ناشد الطرفين بوقف إطلاق النار، ثم اللجوء إلى الأمم المتحدة. ثم غير موقفه لكي يتفق مع موقف جون ماكين الأكثر نضجا ليقول إنه ينبغي على الروس أن يدفعوا ثمن فعلتهم إذا كنا نتوقع منهم أن يغيروا سلوكهم.
أما السؤال الحقيقي فهو ما إذا كنا نستطيع أن نجبر روسيا على أن تدفع ثمنا كبيرا بدون أن نضطر نحن إلى ندفع ثمنا أكبر مما نستطيع. لقد أشارت روسيا بالفعل إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تتعاون معها بشأن القضايا والمشاكل الدولية. وهذه المشاكل تتضمن الحرب على الإرهاب وربما تتمثل المشكلة الأكبر في سعي طهران من أجل الحصول على الأسلحة النووية التي يمكن استخدامها مباشرة بواسطة إيران أو بشكل غير مباشر عن طريق نقل بعض القنابل النووية إلى الاخرين الذين تزودهم إيران بأسلحة أخرى.
وهنا أمامنا مشكلتان مهمتان أولهما ماذا سنفعل؟ وثانيهما ماذا سنقول؟
هناك الكثير من الأشياء التي يمكننا عملها، إذا كنا لا نهتم بالآثار المترتبة على ما يحدث، ونحن بالتأكيد نهتم بالأصداء والمؤثرات. إن الشيء الوحيد الذي نتحكم فيه فعلا هو أقوالنا. لقد قلنا الكثير لا سيما بالمقارنة مع ما نحن على استعداد أن نفعله. وهذه المشكلة بدأت قبل الإدارة الأمريكية الحالية. كان يبدو أحيانا كما لو كانت سياستنا الخارجية تتحدث بصوت عال وتحمل عصا ليست غليظة.
عادة ما يتحدث الرؤساء الأمريكيون في مختلف الإدارات بصورة أخلاقية بشأن الشؤون الداخلية للدول الأخرى في كل أنحاء العالم. كما أننا نوجه الانتقادات لأصدقائنا وأعدائنا عل السواء. وأحيانا تبدو أمريكا كما لو كانت جدة العالم.
لا شك أن هذه التصرفات تعتبر أكثر من مجرد عادة سيئة، حيث ثبت أن ضرر مضايقة أصدقائنا واستفزاز أعدائنا كان أكثر من نفعه، بل إن ضرره كان كبيرا فيما بين تلك الدول التي كنا بحاجة إلى التعاون معها سابقا أو مستقبلا.
إن التدخل في أمور لا تعنينا أخذ شكل الأفعال والأقوال على السواء. لقد كان توسيع الناتو حتى حدود روسيا واحدا من التصرفات التي نقوم بها لمجرد الشعور بالنشوة، شأنه شأن جعل الدول الأخرى تشعر بعدم الارتياح. هل نحن على استعداد فعلا للدخول في حرب مع روسيا إذا أرسلت قواتها إلى لاتفيا وهي واحدة من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلنطي وقريبة جدا منه وتبعد آلاف الأميال عن الولايات المتحدة؟
يبدو أن بعض الناس يعتقدون أننا إذا كنا قد منحنا جورجيا عضوية الناتو، مما كان يمكن لروسيا أن تعتدي عليها. لكن، ماذا لو قامت روسيا بالاعتداء على جورجيا في كل الأحوال؟ هل كنا سنفعل شيئا أكثر مما نفعل الآن؟
هل كنا سنهب لحماية جورجيا أم أن وقوفنا بلا حراك جعل مصداقيتنا تجاه حماية أعضاء الناتو الآخرين محل شك كبير؟

إنه ينبغي علينا نحن الأمريكيين أن نفكر في الانسحاب من حلف شمال الأطلنطي. لماذا؟ لأن الدول الأوروبية حاليا تمتلك الثروة الكافية لإنتاج ما يكفيها للدفاع عن أنفسها. أما إذا لم يكن لدى تلك الدول الإرادة السياسية، فهذه مشكلتهم هم.
إن ما يمكن للمسؤولين الأمريكيين أن يفعلوه بل وينبغي عليهم فعله هو إغلاق أفواههم إذا لم يكن لديهم النية للوفاء بما يتفوهون به.

توماس سويل
واشنطن تايمز
قسم الترجمة- عمان

  رجوع