أبناء البادية .. الشعلة التي أضاءت الصحراء «6»
رحلة البدو في عُمان.. إرث تاريخي وحضاري تمتزج فيه العراقة بالحداثة

إعداد وتصوير: أحمد الحسني ـ علي الحبسي

أبناء البادية حياتهم يغلب عليها التنقل من مكان لآخر طلبا للماء والكلأ، دون التزام بمكان معين أو حدود معروفة، فهم لم يتقيدوا بحدود جغرافية، فحيثما يوجد الماء والكلأ يشدون الرحال اليه في قوافل جماعية أو فردية، ووسيلة النقل لديهم سفينة الصحراء (الابل)، وتنفذ هذه الرحلات بتحديد موعد مسبق مع الجيران أو تأتي مفاجأة لأصحاب المنزل الواحد أو عدة منازل حسب الاتفاق الذي يتم بينهم، وفي هذه الرحلات يكابدون الكثير من المصاعب والمتاعب، لأنهم أحياناً يقطعون مسافات بعيدة مشياً على الأقدام، وتحمل الأمتعة و الأثقال والناس القصر على ظهور الابل، وتكون بداية الرحيل أو الظعن وقت الصباح، والملتقى بين أفراد الأسرة الواحدة وقت المبيت في مكان ضرب موعده سابقاً. وهكذا يكون تخطيط سير الرحلة حتى يصلوا المكان المقرر للسكن وفيه يضعون رحالهم لفترة تطول أو تقصر غير محددة بمدة زمنية معلومة.


هكذا تستمر حياتهم في تنقل وترحال دائمين، كما وأنهم ينتقلون في فصل الشتاء الى الأماكن التي تتوفر بها الأشجار بكثرة وقاية وحماية لهم ولحيواناتهم من نزلات البرد الشديد وتقلبات الرياح القارسة، أما في فصل الصيف فيرحلون الى الأماكن التي يوجد فيها الظل والماء، ويسافر البعض الآخر في الصحراء للقيام برعي الماشية والأبل، وهذه العادة أصبحت لديهم شبه سنوية والتي تعتبر بالنسبة للبدوي أثر تاريخ وحضارة معاً امتزجت فيها العراقة بالحداثة ليصبا معاً في بوتقة واحدة، وهي المحافظة على تراث بدأ منذ القدم ويتواصل حتى يومنا هذا بالرغم من الحياة المدنية والرفاهية التي قدمتها وما زالت تقدمها يد الحكومة، الا ان البدوي العماني ما زال يعيش الصحراء ويفترش الأرض ويلتحف السماء، وأصبحت حياته مفعمة بحب الطبيعة والهدوء وحسن الاستقبال والكرم والترابط الاسري.

رحلة الانتقال

يقول روجر وبستر في كتاب (جغرافية اللهجات العمانية): ان بدو عمان لا يختلفون عن غيرهم من البدو في وسط شبه الجزيرة العربية في مصطلحات الحياة البدوية الصحراوية وحسب وانما يختلفون أيضا في أدواتهم التقليدية وأنشطتهم وأساليب حياتهم وعاداتهم. وقد قام دوستال (1967) بدراسة التقسيم الثقافي الواسع لبدو شبه الجزيرة العربية (تشمل عمان وحضرموت) من جهة وبدو وسط وشمال شبه الجزيرة العربية من جهة أخرى، وينجم الاختلاف بين هؤلاء البدو عن العزل الجغرافي الذي يُعاني منه بدو الجنوب وبدو جنوب شرق شبه الجزيرة العربية الذين يفصلهم الربع الخالي عن التطورات التي تتمتع بها قبائل البدو في وسط شبه الجزيرة العربية، والبدو بشكل عام لا يتقيدون بحدود جغرافية أو حدود معروفة فحيثما يوجد الماء والعشب ‏يشدون الرحال إليه في قوافل جماعية أو فردية والابل هي وسيلة النقل لديهم في هذه ‏الرحلة المفعمة بحب الطبيعة والهدوء بالإضافة الى استخدامهم في الوقت الحاضر سيارات ‏الدفع الرباعي في تنقلهم، واهل البادية مشهورون بالتنقل والترحال من منطقة لأخرى وهي عادة سنوية بالنسبة لهم تسري في كيانهم سريان الدم في الجسد، وهذه الرحلات تنفذ بتحديد موعد مسبق مع الجيران أو قد تأتي مفاجئة وقد يقطعون فيها مسافات بعيدة في رحلة قد تطول أو تقصر فهي محدودة ‏بمدة زمنية معلومة، وقديما في عمان فان معظم الترحال يكون في فصل الشتاء إلى الأماكن التي توجد فيها الأشجار وقاية وحماية لهم ولحيواناتهم من نزلات البرد وتقلبات الرياح القارسة، وفي فصل الصيف يعمد البدو الى الرحيل للأماكن التي توجد فيها الظل ‏‏والماء هروبا من الرياح الموسمية التي تهب على مناطقهم، وحاليا ‏وخلال الاشهر من يونيو الى اغسطس يسافر بعض اهل البادية الى المناطق ‏القريبة منهم أو التي لهم فيها املاك للاستفادة من جني النخيل ويبقى البعض الآخر‏ ‏في الصحراء للقيام برعي الماشية والابل، ويرتبط البدو ارتباطا وثيقا بسننهم وأعرافهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ويشتهر البدو بالارتباط الاسري الوثيق وبالاحترام المتبادل بين بعضهم البعض، وبتعاونهم الوثيق فيما بينهم جميعا في اطار المجتمعات ‏ ‏المحلية.

بيت البدوي

كانت الخيمة ركناً مهماً في حياة البدوي وقد سماه (البيت)، والخيمة مكعبة مستطيلة سقفها وجوانبها من نسيج يصنع من شعر الماعز الأسود، وهي مفتوحة من واجهتها على طول المكعب، أما الأعمدة والأوتاد كانت مصنوعة من الخشب، وبناية البيت من وظيفة المرأة البدوية، فان المرأة البدوية هي التي تنسج البيت، وهي التي تنصب البيت غالباً، وقد عاش البدو في الخيام، كعادةً من عادات الترحال، ومصدر رزقهم الوحيد هو تربية المواشي في هذه الفترة، لذلك كان الهدف من رحيلهم البحث على المراعي الجديدة للمواشي، وعلى مصادر الماء، ومن هنا جاءت أهمية الخيمة، فكان من السهل نقلها من مكان الى آخر، اما (البراكية) فكان البدوي يستعملها سابقا، ولكن تم استبدالها في الوقت الحالي بسعف النخيل، والتي تسمى (العريش) او (السبلة)، وتعتبر البراكية مرحلة أولى على طريق السكن الثابت، اذ أن نقلها صعب وثمنها مرتفع اذا ما قورنت بالخيمة، واستعمل البدو هذه البراكيات مساكن لهم تقيهم برد الشتاء وأمطاره، لكنها لم تقهم حرارة الصيف، لذلك استمر البدوي في بناء الخيمة بجانب البراكية، وكانت قديما، وربما لا يتم استخدامها في الوقت الحالي، بيوت الشعر للبدو هي السائدة والتي تصنع من شعر الاغنام، حيث تعتبر بيوت الشعر من أهم الوسائل التي صنعها البدو لأنفسهم بطريقة تقنية وتقليدية، كما تتميز بيوت الشعر بمقاومتها وتحملها لظروف البيئة الصحراوية المتقلبة، وتتميز بخفتها في عملية التنقل وسهولة صيانتها ويمكن للمرأة البدوية اصلاحها، وبيت الشعر من الداخل مقسم تقسيما خاصا في استعماله عند البدو حسب العادات والتقاليد ويكون غطاء بيت الشعر من السدو الذي لا يخلو من وجود فتحات صغيرة تسمح بمرور الهواء في فصل الصيف، أما في مواسم الأمطار فتتضخم خيوط الشعر وتضيق حلقاتها بفعل المياه، ولكن المياه لا تتسرب إلى داخل بيت الشعر كما إنه عند اشتعال النار. بداخل بيت الشعر فإن الدخان يصعد إلى الخارج عن طريق الفتحات الموجودة، وتتم صناعة بيت الشعر من خيوط مصنوعة من شعر الحيوانات ومن صوفها معدة من قبل، حيث يتم تصفيف الخيوط بجانب بعضها بشكل مستطيل ويسمونه السدو ويتكون من طبقتين، وبعدها تشد هذه الخيوط بأعمدة يوضع واحد في بداية السدو والآخر في نهايته شدا قويا وهي مصنوعة من سيقان الأشجار وتثبت بالحجارة، ويشد السدو بقطعة خشبية تسمى قطب السدو تدخل بين طبقتي السدو تكون في بداية السدو ثم تحرك إلى الأمام كلما قربت منها الحياكة إلى أن تصل إلى نهاية السدو وتنتهي حياكة السدو، وأحيانا يزين السدو بعدة ألوان حيث تصبغ الخيوط المعدة لصناعة السدو باللون الأحمر والأبيض والأخضر، وبعد تثبيت السدو بهذه الطريقة تبدأ عملية الحياكة وقد تستمر وقتا طويلا حسب حجم السدو، ويساعد النساء بعضهن البعض في نصب السدو وحياكته من باب العون والتكاتف، اما الأدوات اللازمة لحياكة بيت الشعر فتتمثل من خيوط مصنوعة من شعر الحيوانات وعدة أعمدة مصنوعة من جذوع الأشجار، وقطب مصنوع من سيقان الأشجار بشكل عريض نسبيا ويصل طوله المتر والنصف، ومحواكة وهي عبارة عن قرن حيوان يتم اختياره لهذا الغرض، ومنشاز وهي قطعة من الخشب للضغط على الخيوط أثناء حياكتها وتثبيتها بشكل قوي حتى تكون متراصة لا تترك فجوات بين بعضها، وفي النهاية ينتج قطعة من السدو يصل طوله إلى عشرة أمتار أو أكثر حسب الرغبة، ويخاط بعضها ببعض حتى تكون بيت الشعر الذي يستعملونه البدو بيوتا لهم، أما أدوات بيت الشعر فتتمثل في السدو، وأعمدة لنصب بيت الشعر، والواسط وهو العمود الذي يشد بيت الشعر من الوسط، عدة أقطاب لتركيبها على الأعمدة من الأعلى، وعدة حبال لشد بيت الشعر بها وهي تسمى (الطنب)، والرسو، وأخلّة، وكل هذه الأدوات يتم صنعها من شعر الحيوانات وسيقان الأشجار قديما، أما البيت العصري فعمل الكثيرون من البدو في فرع البناء، وفي مختلف تخصصاته: هندسة، بناء، قصاره، تبليطاً وغير ذلك، وبذلك استطاعوا نقل تخطيط ما بنوا بأيديهم لغيرهم في قراهم، وأخذت البيوت الجميلة تظهر في كل مكان.

تجوال (عمان)

ومن خلال تجوال (عمان)، وفي ضيافة بأحد الحواضر ببادية ولاية المضيبي قال المر بن سالم الوهيبي: الترحال بالنسبة لنا كأبناء البادية هو كالدم يسري في الجسد ولا نستطيع أن نفارق البادية ورائحتها فهي بالنسبة لنا تاريخ بدأه أجدادنا ونحن نتواصل في هذا المجال والحمدلله لا تواجهنا صعوبات في هذا المجال ونستمر في هذه الحواضر ثلاثة اشهر نقوم خلالها بممارسة بعض المناشط مثل جمع التمور وتربية الماعز والأغنام والإبل بإضافة إلى بعض اللقاءات الاجتماعية بين الأهالي في الحواضر وذلك بصفة يومية ونعتبر الحياة في هذه الحواضر هو من أهم ما يتميز به الإنسان البدوي والهجرات والرحلات البدوية في القدم من ولاية محوت حتى المضيبي تستغرق عدة أيام تصل إلى 15 يوما وخلال السنوات الأخيرة بفضل توفر المركبات الحديثة الترحال يتم خلال ساعات فقط وكنا في السابق نعاني الكثير من الصعوبات في عملية الترحال من خلال القوافل والهجرات البدوية من منطقة إلى منطقة هي عادة مرغوبة لكل أفراد الأسرة البدوية، وأضاف ان عملية انتقالنا من منطقة إلى أخرى هي عادة سنوية بالنسبة لنا نقوم خلالها بتجميع التمور خاصة المبسلي والتي ستبدأ خلال الفترة القريبة عملية الترحال هي تجديد بالنسبة لأبناء البادية خاصة خلال الصيف وبذلك الدوي لا يمل ولا يكل بسبب هذا الترحال الذي أصبحنا متمسكين فيها ونعشق حياة البادية بكل مميزاتها وهي حياة هانئة بالنسبة لنا والدليل على ذلك هذا التواصل المستمر، واضاف ان الترحال عادة قديمة مترسخة لنا كأبناء هذه البادية لا نكل من هذه العملية في ولاية محوت نمارس مهن صيد الأسماك وتكون هذه الفترة فترة عمل متواصل أما هذه الفترة من الصيف نعتبرها إجازة مفتوحة لنا نعمل فيها على التجديد وفي القدم كانت الهجرات البدوية تتم من خلال قوافل تسمى عند أبناء البادية (الزمول) وتتكون القافلة من 5 إلى 10 من النوق جميعها تنقل أغراض ومؤن الأسر من ولاية محوت إلى ولاية المضيبي وكانت القافلة يستغرق زمن وصولها من ولاية محوت إلى ولاية المضيبي نحو 15 يوما كانت هذه الأيام خلالها نتعرض إلى الكثير من الصعاب كالرياح والأمطار ويتعرض البعض إلى الأمراض في الطريق من جراء التعب والإرهاق ولكن اليوم أصبح الأمر اسهل بكثير من الوقت السابق بفضل توفر وسائل النقل الحديثة من المركبات.
ويضيف صبيح بن شميل المسلمي: تبقى أشياء عديدة لم تتغير من هذه الرحلات هي عزيمة أبناء البادية والإصرار على هذا التواصل وكذلك البيوت البدوية المعروفة التي تم بناؤها من سعف النخيل كما أن الأبناء يحبون هذا الترحال وهذا التنقل الذي يعتبر بالنسبة لهم تاريخ عريق عرفه آباءهم وهم متواصلون فيه وحقيقة الأمر بأن هذه الرحلات هي في تنام مستمر والدليل على أن الحواضر تعج سنويا بالكثير من أبناء البادية لقضاء فصل الصيف ويقضي أبناء البادية يومهم في تربية الماعز والأغنام والإبل وكانت في القديم تتوافر المراعي الخصبة التي تعتبر المعين لمربي هذه القطعان أما في الوقت الحالي فأصبحت تربية الحيوانات قليلة جدا لقلة المرعى ولكننا نمارس أعمال أخرى مثل تجميع التمور.

* بعض المراجع:

- جغرافية اللهجات العمانية (روجر وبستر وكلايف هولز - عرض خالصة الأغبرية).
- ميدل ايست اونلاين ـ مسقط - احمد الربيعي