الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

أفول التجارب الحزبية العربية
ماجد كيالي

التحولات الحاصلة في معظم البلدان العربية منذ ثمانينيات القرن المنصرم، أدت إلى انحسار دور الفئات الوسطى، بسبب التحولات الداخلية والتحديات الخارجية، التي أجهضت عمليتي التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وضمنها تغليب مظاهر السلطة على سلطة الدولة، واستشراء ظاهرة الفساد وسوء الإدارة وتهميش القانون والأحزاب.
يشي الواقع العربي، على الأحداث العاصفة التي ألمّت به، لاسيما في العقدين الماضيين، بغياب السياسة، في الفكر والممارسة، أو بموات الحياة السياسة، على صعيد السلطات والمجتمعات، بما هي فعل تواصل وتفاعل وتداول وتوليد.
وإذا تجاوزنا عطالة النظام السياسي الرسمي، للبحث في واقع الأحزاب السياسية فإن الوضع ليس أحسن حالاً، البتّة، بواقع تآكل، أو تفسّخ، هذه الأحزاب (اليسارية والقومية والوطنية)؛ كما بواقع انحسار دور الجماهير التي تتوسلها تلك الأحزاب في نشاطها التغييري المفترض.
فالأحزاب العربية هذه، في غالبيتها، تخلو من أي حراك داخلي يجدد شبابها ويعزز مكانتها ويفعّل دورها، إن بسبب تحول القيادة فيها إلى سلطة، أو بسبب ارتهانها لوصفة المركزية الديمقراطية، التي هي بدورها وصفة لسيادة التبلد الذهني من الناحية الفكرية، ووسيلة لحجب الجمود والفشل، في حيز الممارسة السياسية؛ مما يفسّر الإخفاق المريع الذي منيت به هذه الأحزاب، سواء في الحفاظ على مكانتها، أو للقيام بالدور التاريخي الذي زعمته أو توهمت أنها تتمثله، في المجتمعات التي تعمل بها.
المفارقة أن الأحزاب السائدة، على مختلف مشاربها الفكرية، ما زالت مصرة على القيام بدورها التاريخي على رغم من أن التاريخ تجاوزها، بعد أن انصرفت عنها كادراتها وقواعدها، وحتى جماهيرها، وتكلست بناها، وأثبتت عجزا متأصلا عن ممارسة السياسة في الواقع الجديد.
فهذه الأحزاب، وبالرغم من كل صروف الدهر، لا تبدو على درجة من التواضع والإحساس بالمسؤولية إلى درجة تجعلها مستعدة لمراجعة أوضاعها وتجديد بناها ووسائل عملها وشعاراتها وأولوياتها، لا بل إنها، على عكس ذلك، تحيل أوجه قصورها إلى الظروف الموضوعية وتخلف الجماهير وضعف الإمكانيات(!)، متجاهلة أنها، هي بالذات، كانت تتجاهل هذه الظروف وتستهين بها، بمبالغاتها بدور العامل الذاتي المفترض. وأنها كانت تزعم تمثّل إرادة الجماهير وطموحاتها، لتغطية روح الوصاية عليها. وبالنسبة للإمكانيات فهذه الأحزاب طالما استهترت بموازين القوى، باعتبارها أن العملية التاريخية مجرد عملية انقلابية، إرادية، وانعكاس لرغبات السلطة الحزبية، فطرحت مهمات وشعارات بدت دائما أكبر بكثير من قدراتها وإمكانياتها، فضلا عن أنها تنسمت طرح القضايا الكبرى، مستهترة بجوهر عملية التغيير، التي هي عملية تراكمية مركبة وتدريجية، تبدأ من القضايا «الصغرى» وصولا لتحقيق القضايا الكبرى.
معلوم ان غالبية تلك الأحزاب والتيارات كانت قد برزت في أربعينيات وخمسينيات، القرن الماضي، وازدهرت في الستينيات والسبعينيات منه، بفضل حاملها الاجتماعي المتمثل بنخب الفئات الوسطى، التي كانت تتمتع بقسط وافر من التعليم والثقافة والمستوى المادي، إلى جانب الطموح في الارتقاء على المستويين السياسي والاجتماعي. وكانت هذه الفئات انتعشت بفضل مشاريع التنمية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وبفضل ازدهار النشاط الثقافي والفني، في تلك العقود.
لكن التحولات الحاصلة في معظم البلدان العربية منذ ثمانينيات القرن المنصرم، أدت إلى انحسار دور الفئات الوسطى، بسبب التحولات الداخلية والتحديات الخارجية، التي أجهضت عمليتي التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وضمنها تغليب مظاهر السلطة على سلطة الدولة، واستشراء ظاهرة الفساد وسوء الإدارة وتهميش القانون والأحزاب والمشاركة الشعبية، بالترافق مع انحسار الاهتمام بمجالات التعليم والتطور العلمي، وتنامي العصبيات والانتماءات القبلية والاثنية والطائفية والمذهبية، والانصراف عن أية محاولة للتكامل الاقتصادي العربي. بمعنى أن أفول الأحزاب العربية كان تحصيل حاصل لأفول الفئات الوسطى، ولإجهاض مشروعات التنمية، وضمنها مشروع بناء دولة المواطن أو دولة المؤسسات والقانون.
من جهة أخرى فإن المشروع السياسي التاريخي الذي حملته تلك الأحزاب والتيارات، كان ينتمي إلى المشروعات الثورية والأيدلوجيات المطلقة والشاملة، والقضايا الكبرى، أي قضايا الوحدة وتحرير فلسطين وبناء الاشتراكية. وفي ذلك، فإن اطروحات أو ادعاءات، هذه الأحزاب، كانت تقطع مع مشاريع عصر النهضة، وكانت تتوخى حرق المراحل، بنقل النخب العربية من الاشتغال بقضايا النهضة والحداثة ومسائل التعليم والتنوير وتحرر المرأة ومستوى المعيشة والصحة وبناء دولة المؤسسات والقانون والتحرر من الاستعمار (وهي قضايا النصف الأول من القرن العشرين)، إلى الانشغال بالقضايا الكبرى مباشرة.
لكن هذه الأحزاب، كما هو معروف، لم تنجح لا في إحداث التغيير ولا في الحفاظ على الأولويات التي طرحها الفكر النهضوي العربي، وإذ بنا نشهد انتكاسة للقضايا والشعارات الكبرى.
فالوحدة العربية، مثلا، باتت أبعد منالا بعد أن تحولت اتفاقيات سايكس ـ بيكو من مجرد تجزئة على الورق، إلى حدود وحواجز ومتاريس على الأرض، تفصل بين مواطني البلدان العربية من النواحي السياسية، وأيضا من النواحي الاقتصادية والاجتماعية الثقافية، وحتى في مجالات الهوية، وحتى أن الحلم بمجرد إيجاد نظام تعليم مشترك أو قيام سوق عربية مشتركة بات ترفا يفوق الاحتمال. أما الاشتراكية فتحولت إلى وصفة للجمود والركود الاقتصادي وإلى مجرد شعارات خالية من المضمون كما تحول القطاع العام إلى مصدر من مصادر الإثراء غير المشروع والفساد وأداة للسيطرة. وبدوره فإن شعار التحرير، والصراع العربي ـ الإسرائيلي، غدا مصدرا للخلافات العربية، ولتعميق الهيمنة على المجتمع، كما لحجب واقع التدهور الاقتصادي، وتغييب الديمقراطية.
وباختصار، فقد بات يمكن القول بأن الأحداث بينت إخفاق مقولة الدور التاريخي للحزب، وتآكل مفهوم الحزب/الطليعة الذي يفترض نفسه وكيلا عن الشعب ووصيا عليه، ونهاية للعقلية الثورية التي تحرق المراحل.
يستنتج من ذلك أن المجتمع الذي يفتقد للحد اللازم من التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، لا يحتاج للطرق القسرية والفوقية والدعائية للتغيير، لأن النتائج ستكون عكسية وسلبية، وعلى شكل إخفاقات واحباطات.
على ذلك فإن الأحزاب العربية أو الإطارات العاملة في الشأن العام معنية بمراجعة مسيرتها وأولوياتها بتلمس المشاكل والقضايا الحقيقية والملموسة التي تؤدي فعلا إلى الحراك والتغيير الاجتماعي، من خلال التأكيد على مشاريع التنمية التي يمكن أن تحد من مظاهر البحث عن العمل والفقر، ومشاريع الحداثة التي توجد نهوضا في التعليم والمفاهيم والبنى والقيم، ومشاريع المؤسسة والديمقراطية، التي تعيد الاعتبار للمواطن ودولة القانون، بحيث يصبح الانتماء والولاء للدولة ، لا للقبيلة أو الطائفة.
ومن ذلك ربما يصحّ القول بأن تجربة انخراط المجتمعات العربية في السياسة لم تبدأ بعد، بمعناها الحقيقي، رغم أن التجربة السياسية بدأت قبل قرن تقريبا!.

  رجوع