الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

الشعلة الأولمبية، وأحاديث جدة
أحمد العبيدلي

«العلاقات الخليجية الصينية تزداد باتساع اقتصاديات الدول وبتنامي آفاق الرؤى المشتركة بين طرفي العلاقة. ليس بين الجانبين تاريخ مرير، ولهما المستقبل. هناك بعض مسائل شائكة مثل قضية فلسطين وغيرها . وعلى الخليجيين أن يدركوا كيف يستمروا في مد جسور العلاقات التجارية والثقافية بينهم وبين بلاد أخرى، دون أن يتراجعوا عن حقوقهم ولا عن محاولة تكتيل الحلفاء من أجل الحصول عليها».
في كلمة معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي أمين عام وزارة الخارجية رئيس وفد سلطنة عمان للاجتماع الوزاري الثالث لمنتدى التعاون العربي الصيني المنعقد بالمنامة قبل ايام ، أشارمعاليه إلى أمرين: الأول هو احتفال السلطنة بالذكرى الثلاثين لإقامة العلاقة بين البلدين، والثانية هو احتفاء عمان باختيار مسقط كمحطة لمرور الشعلة الأولمبية في رحلتها نحو بكين.
كان الحدث مناسبة للتحدث عن علاقات السلطنة مع بكين وعبّر الجانب العماني فيها عن الارتياح لنمو العلاقات بين البلدين على الصعد السياسية والاقتصادية ولما وصل إليه حجم التبادل التجاري بين البلدين، فضلاً عن اتساع مجالات الاستثمارات العمانية الصينية وتنوعها في مجالات عدة.
قبلها بأسابيع كنت في جدة لأحضر مؤتمر مؤرخي دول مجلس التعاون، واستمعت فيها لبحث عن تاريخ العلاقات الصينية العمانية الضاربة في القدم لمحمد بن سعد المقدم، كما أتحفنا «الخطّاب الكندي بخبر عن ثلاثة سيوف صينية أرسلت من امبراطور الصين إلى عمان أبان عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي (851-886م). وهذا يراكم من تاريخ العلاقة، ويجعل لأي فكرة أو مشروع أرضية ملموسة ينتصب عليها.
ويضاف إلى ذلك جغرافية الأوضاع، فقد كانت عمان أقرب دولة عربية إلى الصين، كما انها تمتلك واحداً من أقصر الطرق البحرية إلى ذلك البلد الذي كان مضرب الأمثال في البعد لدى العرب. والدول العربية كلها مقدمة على التفكير في العلاقة الصينية العربية ومحاولة إيجاد طريقة منهجية للدخول إليها وتطويرها.
في خطابه أمام نفس المنتدى أورد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية أن حجم الاستثمارات العربية في الصين قد بلغ 1,28 مليار دلار أمريكي بنهاية 2007 وحجم الاستثمارات الصينية بالدول العربية لنفس الفترة 2,44 مليار دولار أمريكي، ولا تشمل هذه الأرقام قيمة الاستثمارات المالية والاستثمارات غير المباشرة.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين 86,4 مليار دولار أمريكي حتى نهاية 2007 مقارنة مع 36,71 دولار لعام 2004 ومن المتوقع أن يصل حجم التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار هذا العام. وتقف هذه الأرقام أولاً كعلامات طريق لتغير طبيعة علاقات الدول العربية في العقود الأخيرة، وهو تغير قادته أساساً دول الخليج.
فلم تعد الدول العربية تنهج في علاقاتها مع الآخرين نهج حركات التحرر وهي تحاول أن تجتذب القوى الأخرى عبر نداءات سياسية، أو استنهاض على أساس مبادئ عامة لمواجهة دول أقوى أو استعمارية. الآن باتت هناك علاقات اقتصادية في اتجاهين مختلفين. فإذا كانت الدول العربية تستورد الكثير من حاجياتها الأساسية من دول فهي تصدر لها بالمقابل نفطاً ورساميل واستثمارات، وتدخل معها في علاقات مادية ملموسة تحسبها الدول حين تنظر في علاقاتها الثنائية لمراجعتها أو تطويرها، أو حين نشوب أزمات يتوجب على تلك الدول من خلالها أن تعيد رسم سياساتها الخارجية مع مختلف الدول.
وعودة إلى موقع عمان ضمن شبكة العلاقات العربية الصينية فهي في موقع من يمكنه الإمساك بالملف الصيني لصالح دول مجلس التعاون. وهذا نوع من تقسيم العمل. وأعتقد أن لمجلس التعاون حداً أدنى من الخبرة الإدارية، والتنسيق فيما بين دوله للقبول بمثل هذا التوزيع في الأدوار.
وتقوم السوق الأوروبية المشتركة بشيء مشابه حين تقتسم أدوار العلاقات الخارجية بناء على اختيار الأكفأ في إدارة ملف ما. ويلعب الإرث الاستعماري دوراً في هذا، فلا شك أن لبريطانيا قدرة على التعامل مع الهند أفضل من فرنسا، بينما تجد فرنسا أقدر على التحدث مع مجموعة الفرنكوفونية من ألمانيا، ولربما لا تزال لبلجيكا قدرة على إدارة العلاقة مع الكونغو على نحو يتجاوز الآخرين. ومثل كل الشؤون، فإن التخطيط المركزي لا يفقد للدول المنفردة حق إقامة علاقة مباشرة مع تلك البقاع.
دول الخليج ليس لديها إرث استعماري ولله الحمد، ولكن لكل منها علاقات مع بقاع أخرى بالعالم، يرتبط بعضها بما راكمته تاريخياً وبعضها بالحاضر وبالذات بمدى العلاقات الاقتصادية.
على أن الوقت قد حان لكي يبدأ نوع من التخصص في الملفات التي تمسك بها كل دولة من الدول. وهذا سيعطي حقوقاً، وسيفرض واجبات وسيتطلب تخطيطاً معيناً، واهتماماً بالتفاصيل.
وإن استحسنت عمان فكرة أن تمسك بالملف الصيني، فهذا سيفتح بالمقابل عدداً غير قليل من الفرص والمردودات، وسيتطلب على وجه التحديد خطة تفصيلية ترتبط بسنوات قادمة.
والعلاقات الخليجية الصينية تزداد باتساع اقتصاديات الدول وبتنامي آفاق الرؤى المشتركة بين طرفي العلاقة. ليس بين الجانبين تاريخ مرير، ولهما المستقبل. هناك بعض مسائل شائكة مثل قضية فلسطين وغيرها . وعلى الخليجيين أن يدركوا كيف يستمروا في مد جسور العلاقات التجارية والثقافية بينهم وبين بلاد أخرى، دون أن يتراجعوا عن حقوقهم ولا عن محاولة تكتيل الحلفاء من أجل الحصول عليها.
قضية فلسطين مهمة عربياً. ولها أبعادها. فالعلاقات العسكرية الصينية الإسرائيلية مديدة ومتشابكة وبلغت مستوى متطوراً وتتطلب الكثير من الدراية والحكمة في معالجتها. وستكون هذه القضية وغيرها على رأس نقاط الملف.

  رجوع