أبناء البادية .. الشعلة التي أضاءت الصحراء «1»
يتمسكون بالتقاليد وبتقنيات العصر عند الضرورة

البدوي، بشكل عام، حياته كلها أسفار وتنقل، عاش وولد على الفطرة في منطقة لا نهاية لحدودها، ‏ونمط حياته وعالمه محكوم بأعراف وتقاليد توارثها أب عن جد، وقد عشق البدوي الصحراء ‏الواسعة، حيث تولدت في نفسه التوق الدائم إلى الانطلاق فيها، وصاغ لنفسه نوعاً من الحرية لا ‏يعرفها سكان المدن، كما أن المكابدة‎ ‎المستمرة مع البيئة القاسية في الصحراء استنفدت ما لديه من ‏طاقة ولم يعد لديه متسع لقوانين ونظم تكبل حريته، فالصحراء جردت منه الصبر كله، لذلك فإن نمط ‏حياة البدوي ارتضاها لنفسه، ولكن في ظل العولمة فإن رياح التغيير غيّرت من أساليب حياة البدوي ‏بكافة أشكالها، وأخذت سماتها تتغير وطفت على حياته إفرازات النمو الاقتصادي، وكانت اكثر ‏التحولات هي تلك التي ترتبت على إدخال أساليب النقل الحديثة، فقد شقت الطرق المسفلتة الصحراء ‏وحلت السيارة محل‎ ‎الجمل، ولم يكن بوسع البدوي سوى التخلي عن نمط حياة لم يعد يلائم العصر، ‏وتحولت التجمعات‏‎ ‎السكانية تلك إلى مدن صغيرة تنعم بالمساكن الحديثة والكهرباء والمياه‎ ‎والخدمات ‏الاجتماعية كالتعليم والرعاية الصحية.‏

إعداد وتصوير: أحمد الحسني وعلي الحبسي

البدو لفظ مشتق من البادية يطلق على سكان البادية الذين يسكنون الخيام ويعيشون على الرعي ‏والتنقل من مكان لآخر طلبا للماء والكلأ، ويعيش البدو‎ ‎على الرعي بشكل أساسي وتجارة المواشي ‏والمؤن ويربي البدو في شبه الجزيرة العربية‎ ‎الجمال وبعض الأغنام، والبدو منتشرون في انحاء ‏متفرقة من الجزيرة العربية وفي الصحراء الشرقية والصحراء الغربية من شمال‎ ‎إفريقيا، والحياة في ‏الصحراء تتيح للبدو ممارسة نمط حياتهم التقليدي بعيداً عن‎ ‎مؤثرات التمدن، وعند ذكر كلمة البادية ‏عادة ما يتبادر للذهن صحراء قاحلة شديدة القسوة، وهي، اذ ذاك،‎ ‎اما انها سهوب شاسعة جرداء او ‏كثبان رمال متحركة، لا تكاد ترى فيها للنبات ظلا ولا‏‎ ‎تسمع للحياة نفساً الا ما ندر ويطبق على ‏فيافيها الواسعة الصمت لا من اصوات هزير الرياح! ودرجت العادة ايضا على القول إن الترحال ‏والتنقل الدائم بحثاً عن الماء‎ ‎والكلأ هي السمات الرئيسية المميزة لسكانها الذين يسمون البدو ‏الرحل، ولعل الانطباع السابق عن الصحراء، التي شكلت اصعب التحديات على الإنسان من أي منطقة ‏‎ ‎أخرى على وجه الأرض، لا تجافيه الحقيقة الا في قصر التسمية (البدو) على أولئك الناس‎ ‎الذين قال ‏عنهم مستكشف أوروبي (الشعلة التي أضاءت الصحراء) فالبادية ليست فقط‎ ‎الرمال والجدب ‏والسهوب، وهي بدون شك ليست فقط تلك الفيافي التي يستعصي فيها على النظر التمييز بين السراب ‏والغدير، ويقال أيضا إن نمط حياة الإنسان البدوي وعالمه المحكوم بأعراف وتقاليد القبيلة لا تسمح ‏له بالخضوع لقانون أو سلطة! لكنهم ينسون ان البدوي انسان ولد وعاش على الفطرة‎ ‎في منطقة لا ‏نهاية لحدودها، ولعل هذا الاتساع هو ما ولّد في نفسه التوق الدائم الى الانطلاق وصاغ في نفسه ‏نوعاً من الحرية لا يعرفها سكان المدن، كما ان المكابدة‎ ‎المستمرة مع بيئة قاسية كالصحراء استنفدت ‏ما لديه من طاقة ولم يعد لديه متسعا لقوانين ونظم تكبل حريته، فالصحراء جرّدت منه الصبر كله، ‏وبدو الجزيرة العربية بشكل عام استمدو عاداتهم وتقاليدهم وخصالهم من البيئة والظروف المحيطة ‏بهم، ومن أهم هذه الخصال هي‏‎ ‎الشجاعة والكرم، فطبيعة الصحراء الشاسعة القاحلة، وما تكبده ‏المسافر في رحلاته الطويلة وما يستدعيه ذلك من حمل ما يلزمه من الطعام والمياه، خاصة إذا كان ‏ترحاله‎ ‎بدون راحلة مما يضطره إلى ارتياد أي نجع من النجوع، عند نفاد الطعام أو الماء، فيحل ‏عليهم ضيفاً، حيث يستقبلونه بكل الترحاب إذ الكرم هو شيمة‎ ‎البدو، ويبدأ البدو يومهم بنشاط ‏وحيوية في الصباح الباكر بحلب ‏ ‏الإبل وإطعامها ورعي‎ ‎الأغنام لتجني قوتها من الأعشاب وهي ‏اعمال يشترك فيها الرجال‏ ‏والنساء، تتسم حياة العرب بالبساطة، فالبدوي معجون بفطرته على الوفاء ‏والصدق والكرم والمحبة والحكمة والإيمان والعدل، وكانت مجالس الرجال عند البدو ولم تزل تشكل ‏مدارس يتعلم منها البدوي الحكمة والشعر والرجولة ويتعلم منها العادات والتقاليد التي يتوارثها مع ‏قرض الشعر والنثر والقصص والحكايات، ويناقش الرجال كل ما يريدون في‎ ‎الجلسة التي يمكن أن ‏تكون للتسلية وللتعلم، وزاد على ذلك تعلم الدين، وقد توغل‎ ‎البدوي الآن أكثر في التعليم وصار يطلبه ‏حتى وصل إلى أعلى المراتب فتخصص في مجالات‎ ‎عديدة في الحياة فتجد في البدو اليوم الطبيب ‏والمحامي والقاضي والمهندس والتاجر‎ ‎وغير ذلك، مع تمسكهم برعي الأغنام وحفظ التراث وعراقة ‏الماضي، أما المرأة‎ ‎البدوية فلا تقل كثيراً بشأنها عن الرجل فهي شامخة ذات كرامة وعزة وجمال ‏وأناقة، وزاد على ذلك دخولها إلى دور التعليم وتقلدها المناصب ومزاولة المهن أخذاًً بمبدأ‎ ‎أن العلم ‏فريضة على كل مسلم ومسلمة‎.‎

البدوي العماني

تتميز‎ ‎سلطنة عمان بمناطق صحراوية خلابة برمالها ‏ ‏الناعمة وهي تعانق أشعة الشمس الذهبية ‏وتلال رملية ساحرة وجبال شامخة، وشكلت الطبيعة البكر بمناظرها الرائعة وسماتها البارزة مقصداً ‏للراغبين في الهروب ‏من المدن والتلوث، وما زال أبناء البادية العمانيون متمسكين بعاداتهم محافظين ‏على تقاليدهم التي ‏تورثوها وقيم متأصلة واعتزاز بأخلاق مرتبطة بالبادية وتاريخها القديم، ولا يبدي ‏أهل البادية اكتراثاً بتقنيات العصر الحديث إلا من بعض الأشياء‏ ‏الضرورية حيث قامت الحكومة ‏بتوفير الكثير من البنى الأساسية لهم مثل المياه الصالحة للشرب والتعليم والعلاج رغم طبيعة حياتهم ‏التي يغلب عليها التنقل ‏‎من مكان إلى آخر بحثاً عن الماء، وتشتهر السلطنة بالعديد من الصحاري ‏والمناطق التي يفضلها البدو في ‏‏ترحالهم‎ ‎ولا سيما صحاري المنطقة الوسطى حيث يعرش البدو بيوتاً ‏من اشجار النخيل ‏عليها سياج‎ ‎تمنع الأغنام والإبل من الدخول إليها. ‏
(عمان) خلال تجوالها بإحدى حواضر البادية بولاية المضيبي التقت بعدد من أبناء هذه الحواضر حيث ‏قال سعيد بن محمد بن حمد المسلمي: الترحال بالنسبة لنا كأبناء البادية هو كالدم يسري في الجسد ‏ولا نستطيع أن نفارق البادية ورائحتها فهي بالنسبة لنا تاريخ بدأه أجدادنا ونحن نتواصل في هذا ‏المجال والحمد لله لا تواجهنا صعوبات في هذا المجال ونستمر في هذه الحواضر تستمر ثلاثة اشهر ‏نقوم خلالها بممارسة بعض المناشط مثل جمع التمور وتربية الماعز والأغنام والإبل بإضافة إلى ‏بعض اللقاءات الاجتماعية بين الأهالي في الحواضر وذلك بصفة يومية ونعتبر الحياة في هذه ‏الحواضر هو من أهم ما يتميز به الإنسان البدوي، وقال: الهجرات والرحلات البدوية في القدم من ‏ولاية محوت حتى المضيبي تستغرق عدة أيام تصل إلى 15 يوماً وخلال السنوات الأخيرة بفضل توفر ‏المركبات الحديثة الترحال يتم خلال ساعات فقط وكنا في السابق نعاني الكثير من الصعوبات في ‏عملية الترحال من خلال القوافل والهجرات البدوية من منطقة إلى منطقة هي عادة مرغوبة لكل أفراد ‏الأسرة البدوية، وأضاف قائلا: أصبح البدوي في وقتنا الحاضر ينعم بكافة الخدمات التي تقدمها ‏الحكومة وهناك فرق شاسع بين اليوم والأمس حيث أن الحواضر التى يقطنها أبناء البادية أخذت في ‏التطور وبدأ تخطيها من قبل الحكومة كما أن هذه الحواضر أصبحت تنعم بخدمات الماء والكهرباء ‏وغيرها من الخدمات الحديثة وأود هنا أن أؤكد أن البدوي لو حظي ببيت حديث متطور لا يزال ‏متمسكاً بالحياة القديمة للسكن فتجده يبني بيتاً من السعف داخل هذه المساكن وذلك حبا منه لهذه ‏الحياة.‏
وقال صبيح بن شميل بن سالم المسلمي: في الواقع نحن لا نقف ضد هذه الهجرات وهذا الترحال لأنه ‏سمة من سمات أبناء البادية القديم ونحن متمسكون بهذه العادة ولا نجد صعوبة في ذلك وعهدنا ‏التنقل منذ الصغر وترعرعنا هنا في هذه البقعة من التجمعات البدوية في المضيبي خلال الصيف حيث ‏نقضي يومنا في الكثير من الأعمال والمهام سواء من خلال اللقاءات اليومية لتبادل الأحاديث أو للقيام ‏بمختلف الأعمال اليومية وبالرغم من توفر كل الخدمات إلا أن أبناء البادية يفضلون هذا الترحال لذلك ‏نشاهد أن التجمعات البدوية ما زالت قوية والحواضر خلال هذه الأيام تعج بأبناء البادية في هذه ‏الفترة من صيف كل عام والوضع لم يتغير عن السنوات الماضية سوى توفر الخدمات من قبل ‏الحكومة، وأضاف: عملية انتقالنا من منطقة إلى أخرى هي عادة سنوية بالنسبة لنا نقوم خلالها ‏بتجميع التمور خاصة المبسلي والتي ستبدأ خلال الفترة القريبة عملية الترحال هي تجديد بالنسبة ‏لأبناء البادية خاصة خلال الصيف وبذلك فإن البدوي لا يمل ولا يكل بسبب هذا الترحال الذي أصبحنا ‏متمسكين به ونعشق حياة البادية بكل مميزاتها وهي حياة هانئة بالنسبة لنا والدليل على ذلك هذا ‏التواصل المستمر.‏
‏ أما الصغير بن علي بن النعيف العمري الذي وجدناه في عمل دؤوب لتجميع التمور فقال : الترحال ‏عادة قديمة مترسخة لنا كأبناء هذه البادية لا نكل من هذه العملية في ولاية محوت نمارس مهنا عديدة ‏وتكون هذه الفترة فترة عمل متواصل أما هذه الفترة من الصيف فنعتبرها إجازة مفتوحة لنا نعمل فيها ‏على التجديد وفي القدم كانت الهجرات البدوية تتم من خلال قوافل تسمى عند أبناء البادية (الزمول) ‏وتتكون القافلة من 5 إلى 10 من النوق جميعها تنقل أغراض ومؤن الأسر من ولاية محوت إلى ‏ولاية المضيبي وكانت القافلة يستغرق زمن وصولها من ولاية محوت إلى ولاية المضيبي نحو 15 ‏يوماً كانت هذه الأيام خلالها نتعرض إلى الكثير من الصعاب كالرياح والأمطار ويتعرض البعض إلى ‏الأمراض في الطريق من جراء التعب والإرهاق ولكن اليوم أصبح الأمر أسهل بكثير من الوقت ‏السابق بفضل توفر وسائل النقل الحديثة من المركبات، وتبقى أشياء عديدة لم تتغير من هذه الرحلات ‏هي عزيمة أبناء البادية والإصرار على هذا التواصل وكذلك البيوت البدوية المعروفة التي تم بناؤها ‏من سعف النخيل كما أن الأبناء يحبذون هذا الترحال وهذا التنقل الذي يعتبر بالنسبة لهم تاريخاً عريقاً ‏عرفه آباؤهم وهم متواصلون فيه وحقيقة الأمر بأن هذه الرحلات هي في تنامي مستمر والدليل على ‏أن الحواضر تعج سنويا بالكثير من أبناء البادية لقضاء فصل الصيف ويقضي أبناء البادية يومهم في ‏تربية الماعز والأغنام والإبل وكانت في القديم تتوافر المراعي الخصبة التي تعتبر المعين لمربي هذه ‏القطعان أما في الوقت الحالي فأصبحت تربية الحيوانات قليلة جدا لقلة المرعى ولكننا نمارس أعمالاً ‏أخرى مثل تجميع التمور، وأضاف: بكل تأكيد فإن الحكومة قدمت الكثير للمواطنين ونحن بدورنا ‏نطالب في المزيد وبالنسبة لي وكما تشاهدون أسكن في هذا البيت المتواضع المصنوع من العرشان ‏ويأوي عدداً كبيراً من أفراد أسرتي أتمنى أن تنظر الحكومة وهي لا تألو جهدا بأن نحظى بنصيب ‏الحصول على مسكن لنا في حاضرة قرية السديرة التي نأوي فيها خاصة وأن الأعوام الأخيرة تشهد ‏ارتفاعاً كبيراً في درجة الحراة وهي أمر غير طبيعي ويؤثر علينا وبالرغم من ذلك فإننا نعشق ‏الصحراء.‏
------------------
المراجع:‏
‏- الراوي: محمد العريمي
‏- مسقط - أحمد الربيعي‏