البدوي، بشكل عام، حياته كلها أسفار وتنقل، عاش وولد على
الفطرة في منطقة لا نهاية لحدودها، ونمط حياته وعالمه
محكوم بأعراف وتقاليد توارثها أب عن جد، وقد عشق البدوي
الصحراء الواسعة، حيث تولدت في نفسه التوق الدائم إلى
الانطلاق فيها، وصاغ لنفسه نوعاً من الحرية لا يعرفها
سكان المدن، كما أن المكابدة المستمرة مع البيئة القاسية
في الصحراء استنفدت ما لديه من طاقة ولم يعد لديه متسع
لقوانين ونظم تكبل حريته، فالصحراء جردت منه الصبر كله،
لذلك فإن نمط حياة البدوي ارتضاها لنفسه، ولكن في ظل
العولمة فإن رياح التغيير غيّرت من أساليب حياة البدوي بكافة
أشكالها، وأخذت سماتها تتغير وطفت على حياته إفرازات النمو
الاقتصادي، وكانت اكثر التحولات هي تلك التي ترتبت على
إدخال أساليب النقل الحديثة، فقد شقت الطرق المسفلتة
الصحراء وحلت السيارة محل الجمل، ولم يكن بوسع البدوي
سوى التخلي عن نمط حياة لم يعد يلائم العصر، وتحولت
التجمعات السكانية تلك إلى مدن صغيرة تنعم بالمساكن
الحديثة والكهرباء والمياه والخدمات الاجتماعية
كالتعليم والرعاية الصحية.
إعداد وتصوير: أحمد الحسني وعلي الحبسي
البدو لفظ مشتق من البادية يطلق على سكان البادية الذين
يسكنون الخيام ويعيشون على الرعي والتنقل من مكان لآخر
طلبا للماء والكلأ، ويعيش البدو على الرعي بشكل أساسي
وتجارة المواشي والمؤن ويربي البدو في شبه الجزيرة
العربية الجمال وبعض الأغنام، والبدو منتشرون في انحاء متفرقة
من الجزيرة العربية وفي الصحراء الشرقية والصحراء الغربية
من شمال إفريقيا، والحياة في الصحراء تتيح للبدو ممارسة
نمط حياتهم التقليدي بعيداً عن مؤثرات التمدن، وعند ذكر
كلمة البادية عادة ما يتبادر للذهن صحراء قاحلة شديدة
القسوة، وهي، اذ ذاك، اما انها سهوب شاسعة جرداء او كثبان
رمال متحركة، لا تكاد ترى فيها للنبات ظلا ولا تسمع
للحياة نفساً الا ما ندر ويطبق على فيافيها الواسعة الصمت
لا من اصوات هزير الرياح! ودرجت العادة ايضا على القول إن
الترحال والتنقل الدائم بحثاً عن الماء والكلأ هي
السمات الرئيسية المميزة لسكانها الذين يسمون البدو الرحل،
ولعل الانطباع السابق عن الصحراء، التي شكلت اصعب التحديات
على الإنسان من أي منطقة أخرى على وجه الأرض، لا
تجافيه الحقيقة الا في قصر التسمية (البدو) على أولئك
الناس الذين قال عنهم مستكشف أوروبي (الشعلة التي أضاءت
الصحراء) فالبادية ليست فقط الرمال والجدب والسهوب، وهي
بدون شك ليست فقط تلك الفيافي التي يستعصي فيها على النظر
التمييز بين السراب والغدير، ويقال أيضا إن نمط حياة
الإنسان البدوي وعالمه المحكوم بأعراف وتقاليد القبيلة لا
تسمح له بالخضوع لقانون أو سلطة! لكنهم ينسون ان البدوي
انسان ولد وعاش على الفطرة في منطقة لا نهاية لحدودها،
ولعل هذا الاتساع هو ما ولّد في نفسه التوق الدائم الى
الانطلاق وصاغ في نفسه نوعاً من الحرية لا يعرفها سكان
المدن، كما ان المكابدة المستمرة مع بيئة قاسية كالصحراء
استنفدت ما لديه من طاقة ولم يعد لديه متسعا لقوانين ونظم
تكبل حريته، فالصحراء جرّدت منه الصبر كله، وبدو الجزيرة
العربية بشكل عام استمدو عاداتهم وتقاليدهم وخصالهم من
البيئة والظروف المحيطة بهم، ومن أهم هذه الخصال هي الشجاعة
والكرم، فطبيعة الصحراء الشاسعة القاحلة، وما تكبده المسافر
في رحلاته الطويلة وما يستدعيه ذلك من حمل ما يلزمه من
الطعام والمياه، خاصة إذا كان ترحاله بدون راحلة مما
يضطره إلى ارتياد أي نجع من النجوع، عند نفاد الطعام أو
الماء، فيحل عليهم ضيفاً، حيث يستقبلونه بكل الترحاب إذ
الكرم هو شيمة البدو، ويبدأ البدو يومهم بنشاط وحيوية
في الصباح الباكر بحلب الإبل وإطعامها ورعي الأغنام
لتجني قوتها من الأعشاب وهي اعمال يشترك فيها الرجال والنساء،
تتسم حياة العرب بالبساطة، فالبدوي معجون بفطرته على
الوفاء والصدق والكرم والمحبة والحكمة والإيمان والعدل،
وكانت مجالس الرجال عند البدو ولم تزل تشكل مدارس يتعلم
منها البدوي الحكمة والشعر والرجولة ويتعلم منها العادات
والتقاليد التي يتوارثها مع قرض الشعر والنثر والقصص
والحكايات، ويناقش الرجال كل ما يريدون في الجلسة التي
يمكن أن تكون للتسلية وللتعلم، وزاد على ذلك تعلم الدين،
وقد توغل البدوي الآن أكثر في التعليم وصار يطلبه حتى
وصل إلى أعلى المراتب فتخصص في مجالات عديدة في الحياة
فتجد في البدو اليوم الطبيب والمحامي والقاضي والمهندس
والتاجر وغير ذلك، مع تمسكهم برعي الأغنام وحفظ التراث
وعراقة الماضي، أما المرأة البدوية فلا تقل كثيراً
بشأنها عن الرجل فهي شامخة ذات كرامة وعزة وجمال وأناقة،
وزاد على ذلك دخولها إلى دور التعليم وتقلدها المناصب
ومزاولة المهن أخذاًً بمبدأ أن العلم فريضة على كل مسلم
ومسلمة.
البدوي العماني
تتميز سلطنة عمان بمناطق صحراوية خلابة برمالها
الناعمة وهي تعانق أشعة الشمس الذهبية وتلال رملية ساحرة
وجبال شامخة، وشكلت الطبيعة البكر بمناظرها الرائعة
وسماتها البارزة مقصداً للراغبين في الهروب من المدن
والتلوث، وما زال أبناء البادية العمانيون متمسكين
بعاداتهم محافظين على تقاليدهم التي تورثوها وقيم متأصلة
واعتزاز بأخلاق مرتبطة بالبادية وتاريخها القديم، ولا يبدي
أهل البادية اكتراثاً بتقنيات العصر الحديث إلا من بعض
الأشياء الضرورية حيث قامت الحكومة بتوفير الكثير من
البنى الأساسية لهم مثل المياه الصالحة للشرب والتعليم
والعلاج رغم طبيعة حياتهم التي يغلب عليها التنقل من
مكان إلى آخر بحثاً عن الماء، وتشتهر السلطنة بالعديد من
الصحاري والمناطق التي يفضلها البدو في ترحالهم ولا
سيما صحاري المنطقة الوسطى حيث يعرش البدو بيوتاً من
اشجار النخيل عليها سياج تمنع الأغنام والإبل من الدخول
إليها.
(عمان) خلال تجوالها بإحدى حواضر البادية بولاية المضيبي
التقت بعدد من أبناء هذه الحواضر حيث قال سعيد بن محمد بن
حمد المسلمي: الترحال بالنسبة لنا كأبناء البادية هو كالدم
يسري في الجسد ولا نستطيع أن نفارق البادية ورائحتها فهي
بالنسبة لنا تاريخ بدأه أجدادنا ونحن نتواصل في هذا
المجال والحمد لله لا تواجهنا صعوبات في هذا المجال
ونستمر في هذه الحواضر تستمر ثلاثة اشهر نقوم خلالها
بممارسة بعض المناشط مثل جمع التمور وتربية الماعز
والأغنام والإبل بإضافة إلى بعض اللقاءات الاجتماعية بين
الأهالي في الحواضر وذلك بصفة يومية ونعتبر الحياة في هذه
الحواضر هو من أهم ما يتميز به الإنسان البدوي، وقال:
الهجرات والرحلات البدوية في القدم من ولاية محوت حتى
المضيبي تستغرق عدة أيام تصل إلى 15 يوماً وخلال السنوات
الأخيرة بفضل توفر المركبات الحديثة الترحال يتم خلال
ساعات فقط وكنا في السابق نعاني الكثير من الصعوبات في
عملية الترحال من خلال القوافل والهجرات البدوية من منطقة
إلى منطقة هي عادة مرغوبة لكل أفراد الأسرة البدوية،
وأضاف قائلا: أصبح البدوي في وقتنا الحاضر ينعم بكافة
الخدمات التي تقدمها الحكومة وهناك فرق شاسع بين اليوم
والأمس حيث أن الحواضر التى يقطنها أبناء البادية أخذت في
التطور وبدأ تخطيها من قبل الحكومة كما أن هذه الحواضر
أصبحت تنعم بخدمات الماء والكهرباء وغيرها من الخدمات
الحديثة وأود هنا أن أؤكد أن البدوي لو حظي ببيت حديث
متطور لا يزال متمسكاً بالحياة القديمة للسكن فتجده يبني
بيتاً من السعف داخل هذه المساكن وذلك حبا منه لهذه
الحياة.
وقال صبيح بن شميل بن سالم المسلمي: في الواقع نحن لا نقف
ضد هذه الهجرات وهذا الترحال لأنه سمة من سمات أبناء
البادية القديم ونحن متمسكون بهذه العادة ولا نجد صعوبة في
ذلك وعهدنا التنقل منذ الصغر وترعرعنا هنا في هذه البقعة
من التجمعات البدوية في المضيبي خلال الصيف حيث نقضي
يومنا في الكثير من الأعمال والمهام سواء من خلال اللقاءات
اليومية لتبادل الأحاديث أو للقيام بمختلف الأعمال
اليومية وبالرغم من توفر كل الخدمات إلا أن أبناء البادية
يفضلون هذا الترحال لذلك نشاهد أن التجمعات البدوية ما
زالت قوية والحواضر خلال هذه الأيام تعج بأبناء البادية في
هذه الفترة من صيف كل عام والوضع لم يتغير عن السنوات
الماضية سوى توفر الخدمات من قبل الحكومة، وأضاف: عملية
انتقالنا من منطقة إلى أخرى هي عادة سنوية بالنسبة لنا
نقوم خلالها بتجميع التمور خاصة المبسلي والتي ستبدأ خلال
الفترة القريبة عملية الترحال هي تجديد بالنسبة لأبناء
البادية خاصة خلال الصيف وبذلك فإن البدوي لا يمل ولا يكل
بسبب هذا الترحال الذي أصبحنا متمسكين به ونعشق حياة
البادية بكل مميزاتها وهي حياة هانئة بالنسبة لنا والدليل
على ذلك هذا التواصل المستمر.
أما الصغير بن علي بن النعيف العمري الذي وجدناه في عمل
دؤوب لتجميع التمور فقال : الترحال عادة قديمة مترسخة لنا
كأبناء هذه البادية لا نكل من هذه العملية في ولاية محوت
نمارس مهنا عديدة وتكون هذه الفترة فترة عمل متواصل أما
هذه الفترة من الصيف فنعتبرها إجازة مفتوحة لنا نعمل فيها
على التجديد وفي القدم كانت الهجرات البدوية تتم من خلال
قوافل تسمى عند أبناء البادية (الزمول) وتتكون القافلة من
5 إلى 10 من النوق جميعها تنقل أغراض ومؤن الأسر من ولاية
محوت إلى ولاية المضيبي وكانت القافلة يستغرق زمن وصولها
من ولاية محوت إلى ولاية المضيبي نحو 15 يوماً كانت هذه
الأيام خلالها نتعرض إلى الكثير من الصعاب كالرياح
والأمطار ويتعرض البعض إلى الأمراض في الطريق من جراء
التعب والإرهاق ولكن اليوم أصبح الأمر أسهل بكثير من الوقت
السابق بفضل توفر وسائل النقل الحديثة من المركبات، وتبقى
أشياء عديدة لم تتغير من هذه الرحلات هي عزيمة أبناء
البادية والإصرار على هذا التواصل وكذلك البيوت البدوية
المعروفة التي تم بناؤها من سعف النخيل كما أن الأبناء
يحبذون هذا الترحال وهذا التنقل الذي يعتبر بالنسبة لهم
تاريخاً عريقاً عرفه آباؤهم وهم متواصلون فيه وحقيقة
الأمر بأن هذه الرحلات هي في تنامي مستمر والدليل على أن
الحواضر تعج سنويا بالكثير من أبناء البادية لقضاء فصل
الصيف ويقضي أبناء البادية يومهم في تربية الماعز
والأغنام والإبل وكانت في القديم تتوافر المراعي الخصبة
التي تعتبر المعين لمربي هذه القطعان أما في الوقت الحالي
فأصبحت تربية الحيوانات قليلة جدا لقلة المرعى ولكننا
نمارس أعمالاً أخرى مثل تجميع التمور، وأضاف: بكل تأكيد
فإن الحكومة قدمت الكثير للمواطنين ونحن بدورنا نطالب في
المزيد وبالنسبة لي وكما تشاهدون أسكن في هذا البيت
المتواضع المصنوع من العرشان ويأوي عدداً كبيراً من أفراد
أسرتي أتمنى أن تنظر الحكومة وهي لا تألو جهدا بأن نحظى
بنصيب الحصول على مسكن لنا في حاضرة قرية السديرة التي
نأوي فيها خاصة وأن الأعوام الأخيرة تشهد ارتفاعاً كبيراً
في درجة الحراة وهي أمر غير طبيعي ويؤثر علينا وبالرغم من
ذلك فإننا نعشق الصحراء.
------------------
المراجع:
- الراوي: محمد العريمي
- مسقط - أحمد الربيعي