الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....  --( هل تقترب المنطقة من السلام في العام الجديد ؟! )--

لماذا تتضاءل فرص السلام في المنطقة؟
د. عبدالحميد الموافي


يسارع عام 2009 بلملمة اوراقه واسدال الستار على ما شهده من تطورات وأحداث على امتداد المعمورة، ومنها منطقتنا العربية، في جميع المجالات وعلى مختلف المستويات كذلك. ومع ان عام 2009 سينتقل الى سجل التاريخ مع نهاية يوم الخميس المقبل، الا ان آثاره ستستمر، وتفاعلات ما شهده من تطورات ستتواصل على كافة المستويات، اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية كذلك، لسبب بسيط هو ان الزمن متصل وتأثيرات الاحداث وتفاعلات التطورات لا تتوقف على بدايات الاشهر والسنوات او نهاياتها التي لا تعدو كونها وسيلة لحساب الزمن وحفظ ترتيب الاحداث ومن ثم تصنيفها ومحاولة تبين العلاقات والخطوط المتصلة فيما بينها، ولو بعد حين.
واذا كان اليوم هو ابن الأمس، وغدا هو بالضرورة ابن اليوم، بمعنى ان مقدمات اليوم هي معطيات بالنسبة للغد ينطلق منها ويتفاعل معها في اطار ما قد يشهده من أحداث أو تطورات جديدة لتتحدد ملامحه ومساراته في النهاية، فإنه يمكن القول إن هذا العام 2009 لم يكن عاما جيدا فيما يتصل بالاوضاع في المنطقة بوجه عام، ومن ثم فإن تأثيراته على العام المقبل قد لا تكون ايجابية في مجملها، او على الاقل بالمستوى المأمول الذي تتطلع اليه معظم دول المنطقة والسواد الأعظم لشعوبها ايضا خاصة فيما يتصل بفرص السلام والامن والاستقرار. عربيا وخليجيا، وعلى الصعيد الاقليمي الاوسع من حولها ايضا. ومع الأسف لهذا الاستنتاج، الا انه من المهم والموضوعي ان توضع الامور امام القارئ العزيز بأكبر قدر من الوضوح والصراحة، ليس كرغبة ذاتية او مجرد التزام مهني، ولكن ايضا - وهذا على جانب كبير من الاهمية - لان ما يجري في المنطقة ومن حولها، من شأنه التأثير القوي على حاضر المنطقة جميعها، دولا وشعوبا ايضا.
وفي هذا الاطار فانه يمكن الاشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب، لعل من اهمها ما يلي:
** أولا: انه بالرغم مما شهده العام الحالي من خطوات الى الوراء، في اكثر من ملف، وبالنسبة لأكثر من قضية عربية، الا انه لم يخل تماما من بعض الايجابيات التي بدأت تتبلور بخطى بطيئة ولكن فعالة حتى استطاعت التحول إلى تيار نتمنى ان تزداد قوة اندفاعه خلال عام 2010، وذلك على مستويين أساسيين:
- اولهما على مستوى مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فخلال الدورة التاسعة والعشرين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية التي ترأسها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس ابن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه - منذ القمة التاسعة والعشرين في مسقط في ديسيمبر الماضي، وحتى القمة الثلاثين في الكويت في منصف ديسمبر الجاري، ظل مجلس التعاون لدول الخليج العربية بمثابة نقطة الضوء الاكثر سطوعا على الصعيدين الخليجي والعربي، ليس فقط بسعيه الحثيث نحو دعم ومساندة كل جهد خير لتوطيد العلاقات بين دول المجلس، وبينها وبين الاشقاء والاصدقاء في المنطقة، مع تأكيده على تماسك دول المجلس ورفضها لأي تهديد تتعرض له أية دولة من دول المجلس او المساس بأراضيها على اي نحو، ولكن ايضا باعطاء دفعة للتكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتطوير علاقات التعاون الاقتصادي بين المجلس وبين عدد من التجمعات والقوى الاقتصادية الاخرى، في اوروبا وآسيا، وقد مهد ذلك في الواقع لما حققته قمة الكويت من نجاح في التركيز على القضايا ذات الارتباط بشكل اكبر بالمواطن الخليجي، وهو ما اشاد به سمو الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت في كلماته امام قمة الكويت، التي تعد اضافة للتكامل بين دول المجلس.
- المستوى الثاني يتمثل في ان العام الحالي شهد، وخاصة مع نهاياته، نشاطا ملموسا على صعيد التقارب بين الاشقاء على امتداد المنطقة، ففي الوقت الذي حرصت فيه مصر على العمل من اجل لم الشمل الفلسطيني وتمهيد الطريق امام التوصل الى اتفاق للمصالحة الفلسطينية، فإن التحركات التي قام بها الرئيس مبارك وزياراته لعدد من دول المنطقة وتأكيده على الارتباط القوي بين الامن القومي المصري والأمن في الخليج، شكل في الواقع جانبا من عدة تحركات عربية نشطة بدأت في قمة الكويت الاقتصادية في يناير الماضي بدعوة العاهل السعودي الى المصالحة العربية، ثم قيامه بزيارة للعاصمة السورية، اعقبتها زيارة للرئيس السوري بشار الأسد للرياض، ثم جاءت زيارة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري لدمشق قبل ايام لتشكل بداية لمرحلة جديدة في العلاقات السورية اللبنانية نتمنى ان تكون قادرة على التجاوب مع تطلعات الدولتين والشعبين الشقيقين في سوريا ولبنان، وتعزيز التضامن والمصلحة العربية كذلك.
من جانب آخر اتجه الموقف في العراق نحو الهدوء النسبي وافساح الطريق امام الانتخابات القادمة، بغض النظر عن محاولات تعويق ذلك من جانب اطراف لا تريد للعراق ان يستقر.
ومن الطبيعي ان تمهد هذه التطورات الى قدر اكبر من الانفراج في العلاقات العربية العام المقبل، اذا تم دعمها والبناء عليها بشكل اكثر عزما وتصميما على الخروج بالعلاقات العربية العربية من نفق الخلافات المزمنة المظلم، والذي ادى الى وضع اكثر من قضية عربية في مهب الريح.
** ثانيا: إنه مع الوضع في الاعتبار أن الجوانب الايجابية المشار اليها لاتزال في حاجة إلى دعم قوي من جانب مختلف الأطراف العربية، فإن الجانب الآخر من الصورة لا يبعث على التفاؤل بالنسبة لفرص السلام خلال العام القادم، وذلك بالنسبة لمعظم القضايا العربية، وهو ما يمكن الإشارة إليه بالنسبة لبعض القضايا على الاقل، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
- فبالنسبة لعملية السلام في الشرق الاوسط، وفرص إعادة عجلة السلام الى الدوران مرة اخرى، فانه يمكن القول إن العام الحالي كان بالفعل خطوة الى الوراء، ليس فقط لأن بدياته تواكبت مع العدوان الاسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، وعلى نحو همجي مارست خلاله اسرائيل اساليب الارض المحروقة، وهو ما أدانه تقرير القاضي الجنوب إفريقي - اليهودي - جولدستون، ولكن أيضا لأن حكومة نتانياهو رفضت مناشدات أوباما لها بوقف المستوطنات في الأراضي الفلسطينيية من ناحية، ولأنها عمدت إلى تطبيق سياسة تهجير للفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية وهدم منازلهم وتكثيف الاستيطان فيها وحولها - أكثر من أية حكومة اسرائيلية سابقة - من ناحية ثانية، ولأنها تعمد إلى تفجير الاوضاع في الاراضي الفلسطينية المحتلة تهربا من استحقاقات عملية استئناف المفاوضات – إذا حدثت – وهو احتمال ضئيل من ناحية ثالثة. وكان من نتيجة ذلك اعلان الرئيس محمود عباس عزوفه عن اعادة ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة الفلسطينية واتخاذه موقفا اكثر وضوحا وقوة في التمسك بالحقوق الفلسطينية واشتراط وقف الاستيطان قبل الشروع في استئناف المفاوضات مع اسرائيل. وأمام ذلك لم تنجح الجهود الامريكية في جمع الطرفين على مائدة المفاوضات وهو ما أضر بصورة الرئيس أوباما في المنطقة وهز الثقة فيما يطرحه من وعود خاصة بالنسبة لعملية السلام.
- وإذا كانت عملية السلام غير مرشحة للتحرك خلال العام القادم، إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فإنه من غير المستبعد أن تعمد اسرائيل إلى شن هجمات ضد قطاع غزة وربما ضد حزب الله في لبنان كذلك. ولا يرتبط ذلك فقط بحسابات اسرائيل وخططها لوقف تطوير كل من حركة حماس وحزب الله لقدراتهما التسليحية وامتلاكهما لصواريخ اطول مدى، ولكنه يرتبط كذلك بتقييم اسرائيل للموقف الاستراتيجي في المنطقة بوجه عام ومدى احتمالات دخولها في حرب ضد ايران بسبب استمرارها في برنامجها النووي الذي تزداد اسرائيل قلقا بشأنه. ومن غير المبالغة ان العام القادم سيكون حاسما بالنسبة لهذه المسألة، خاصة بعد استنفاد المهلة التي منحتها الدول الست لايران بشأن التجاوب مع اقتراحها لمبادلة اليورانيم محدود التخصيب بيورانيوم مخصب بنسبة 20% من ناحية وبالتطورات على الساحة الايرانية التي تراقبها اسرائيل والدول الغربية عن قرب.
ومن المعروف ان صحفا اسرائيلية ذات ثقل بدأت تعزف نغمة الحرب والتمهيد لها وهو ما يبعث بالفعل على القلق، خاصة في ظل تصاعد التهديدات المتبادلة بين اسرائيل وايران وبغض النظر عن الجانب الاعلامي والنفسي لدى الجانبين.
- انه في الوقت الذي سيستمر فيه الصومال في وضع الدولة المنسية على الصعيد العربي والافريقي والدولي، برغم التدخل الخارجي الواسع في شؤونها، بما في ذلك محاولات تنظيم القاعدة لاستغلال حالة التفكك التي تعيشها، فان العام المقبل قد يشهد تجاوز مواجهات مسلحة او خلافات تفجرت هذا العام، او على الاقل احتواءها وعدم تصعيدها للابقاء عليها تحت السيطرة انتظارا لانفراج اقليمي اوسع قد تفرضه ازدياد التهديدات الاسرائيلية والدولية وما قد يترتب عليها من مخاطر.
وإذا كان السلام لن تزداد فرصه على الارجح خلال العام القادم لاسباب فلسطينية وعربية واقليمية ودولية، فإن افتقار الجانب العربي لارادة قوية لتجميع عناصر القوة العربية وتوظيفها بشكل اكثر فاعلية من ناحية، وانتشار تقييم متدن على الصعيدين الاقليمي والدولي لما يمكن ان يقوم به العرب ولردود افعالهم حيال اي تطور من ناحية ثانية، وتحويل الاعلام إلى معول هدم احيانا للعلاقات بين الأشقاء، تجعل العام المقبل عاماعربيا ضائعا آخر ونتمنى ألا يكون خطوة أخرى إلى الوراء.

  رجوع