يستوقفني في
هذا الطرح اليوم ثلاثة مواقف على تماس شديد من
المسألة الاجتماعية، بل هي امتداد لهذا الهاجس
الداخلي، الذي على ما يبدو لا يمكن الخروج من
سلطته، حتى إذا اقتضى الأمر التضحية بحياة نفس
قد تكون قاب قوسين، أو ادنى من الهلاك.
الموقف الأول هو كالتالي: جاء جماعة ومعهم
ابنتهم وهي في حالة وضع إلى احد المستشفيات،
فوجدوا المناوب في تلك الليلة طبيبا «رجل»،
بالطبع رفض هؤلاء أن يولد ابنتهم رجل، فآثروا
ترك ذلك المستشفى والذهاب إلى مستشفى آخر يبعد
ما لا يقل عن خمسين كيلو مترا، متحملين
مسؤولية الخطورة التي قد تتعرض لها ابنتهم في
هذه المسافة البعيدة، وقد أكرمهم الله بأن تمت
الأمور على خير.
الموقف الثاني شاب اخذ إحدى النساء من أهله
إلى احد الأقسام التخصصية باحد المراكز الصحية،
فوجدوا أن المتخصص في هذا القسم طبيب رجل، ولا
بديل عنه، ومعنى ذلك ان يقوم هذا الطبيب
المتخصص بفحص المرأة للوقوف على حالة المرض
بصورة صحيحة، فآثروا الذهاب إلى احد
المستشفيات الخاصة، متحملين أعباء تكلفة
العلاج.
الموقف الثالث: يذكر لي احد الأصدقاء الأطباء؛
عندما أحضرت إليه حالة طارئة، وكان حينها
مناوبا في قسم الطوارئ، وعندما حاول إنعاش
القلب بالطريقة الطبية الصحيحة، حيث القيام
بتدليك القلب، فإذا بأهل المريض يهبون من
فورهم وينتزعوا الطبيب من مكانه، وكادوا أن
يوسعوه ضربا، ففي تصورهم أن إنعاش القلب بهذه
الطريقة الطبيعية فيها هلاك للمريض.
وهناك، لا شك، الكثير من المواقف المماثلة
التي حدثت لأناس، وكان فيها تصادم مباشر مع
الأطباء، وهي مواقف على درجة كبيرة من
الحساسية، والخصوصية، ففي الموقفين الأول
والثاني ليس هناك من شخص يرضى أن يقوم رجل
مثله يتفحص التفاصيل الدقيقة لأجزاء امرأته،
أو أخته، أو أمه، والصورة المقابلة ان هذا
صاحب مهنة، ومتحمل مسؤولية كبيرة سوف يحاسب –
ان هو اخل بأمانته – أمام الله سبحانه وتعالى،
قبل أن يحاسبه البشر، وان لم يوجد هذا الطبيب
العماني، سيوجد غيره طبيب وافد، وليس من
السهولة بمكان ان يتوفر لكل التخصصات الطبية
طبيبات نساء لكي يقمن بعلاج بنات جنسهن.
وأتصور انه يمكن أن تبقى هناك إمكانية في وجود
نساء متخصصات في أقسام التوليد بشكل خاص منعا
للحرج الذي قد يتعرض له الطبيب المناوب، وأهل
المرأة الذين أتوا بها إلى المستشفى، وقد
تجشموا المسافات البعيدة، فالنزاع الداخلي
النفسي الذي يتم في مثل هذه المواقف يتجاوز
ضبط الأعصاب أحيانا، وان كان الموقف يستلزم
ضبط النفس، وارى أن في مثل هذه المواقف أن
نعزز جانب الثقة في الأطباء العمانيين، ولا
نحسبهم إلا من أهل البيت، فهم لا شك أن عندهم
نفس الشعور الذي يختلج في أعماق أهل المريض،
من حيث الحرج، ولكن ماذا عساه أن يفعل وقد حمل
أمانة، اعتذرت عن حملها السموات، والأرض،
والذي يستصعب مثل هذه المواقف عليه أن لا
يرافق أهله الى المستشفيات حتى لا يفقد
أعصابه، ويحدث «ما لا تحمد عقباه».
في الوقت الذي يتمنى الجميع من المعنيين في
وزارة الصحة إ توجيه الفتيات الى التخصص في
أقسام التوليد، على وجه الخصوص، حتى لا تحدث
مواقف مماثلة كما حصل، في المثال السالف
الذكر، في الوقت الذي يهيب الجميع بالإخوة
الأطباء أن يجلسوا مع اهل المريض، ويبينوا لهم
حقيقة الأمر، وأنهم شركاء في الأمانة، وهم
يتقاسمون مسألة العادات الاجتماعية،
وتقاليدها، ولكنهم في النهاية أصحاب رسالة.
ختاما أدرك أن هذه المواقف ليست ظاهرة، أو
يمكن تعميمها على الجميع، ولكنها مواقف تحدث،
وما يطمح إليه الجميع أن تكون هناك أرضية
واسعة، ومتصلة من الود، والتعاون بين الجميع،
امتدادا لهذا المجتمع الطيب، المتسامية أخلاق
أفراده.