يوجد على طاولة
الجنرال العراقي في المنطقة الأمنية الخضراء
وسط مدينة بغداد صورة تجمع هذا المسؤول
العسكري البالغ 57 سنة من العمر صاحب الجثة
السمينة مع الجنرال العسكري الأمريكي ديفيد
بتريوس صاحب القد الرياضي والذي شغل في السابق
منصب قائد القوات الأمريكية في العراق.
لم يرغب الجنرال عبدالله أن يجري ذكر اسمه
كاملا لكنه قال أنه فخور جدا بهذه الصورة. إذ
أنه عمل سويا مع بتريوس مدة عامين في تنفيذ
إستراتيجية الأمن في بغداد التي أتى بها
المسؤول العسكري الأمريكي وكانت بنظر إدارة
الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش آخر
محاولة لإنقاذ العراق من الغرق في حرب أهلية
دامية.
الآن يريد الأمريكان حصاد ثمار هذه
الإستراتيجية التي أبرز ما فيها قيام
الأمريكيين بزيادة عدد جنودهم في العراق
وقرروا الآن الانسحاب قبل الموعد المحدد وهو
30 حزيران/يونيو من المدن العراقية. استنادا
إلى أقوال الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي
ورث هذه التركة الصعبة من دبليو بوش ووعد بسحب
الجنود الأمريكيين في موعد أقصاه نهاية عام
2011، فإن الوضع الأمني في العراق تحسن على
الرغم من التفجيرات الأخيرة التي أسفرت عن قتل
عشرات الأشخاص.
والجدير بالذكر أن الانسحاب يأتي تنفيذا
لاتفاقية وقعها دبليو بوش ورئيس الوزراء
العراقي نور الدين المالكي في عام 2008 إلا أن
الرئيس الأمريكي السابق لم يرغب في تحديد موعد
للانسحاب إلا أن خلفه على العكس منه لم يحدد
الوقت لجلاء الجنود الأمريكيين عن العراق فحسب
وإنما التعجيل بذلك قدر المستطاع. وينص البند
الأول في اتفاقية الانسحاب على جلاء الجنود
الأمريكيين عن المدن العراقية والتمركز في
مناطق خارجية ثم يبدأ تنفيذ البند الثاني بخفض
عدد الجنود الأمريكيين وبحلول أغسطس/آب عام
2010 يكون قد انسحب من العراق جميع أعضاء
الفرق القتالية ثم آخر أعضاء المؤسسة العسكرية
الأمريكية في نهاية عام 2011.
كان من الطبيعي أن يبتهج الشارع العراقي
لانسحاب الجنود الأمريكيين من المدن العراقية
ولكن ماذا يحمل هذا من تبعات ونتائج لأمن
واستقرار ومستقبل العراق وشعبه؟
هذه دون شك مرحلة جديدة لبلاد الرافدين وهامة
جدا تضع العراق أمام منعطف تاريخي. من نتائج
الحملة العسكرية التي بدأتها الولايات المتحدة
على رأس ائتلاف دولي في مارس/آذار 2003 كلفت
أرواح عدد يقدر بمئات الآلاف من العراقيين
وأكثر من أربعة آلاف جندي أمريكي ومئات الجنود
من حلفاء أمريكا في هذه الحملة.
وطبقا لبيانات مجلس الشيوخ الأمريكي كلفت
الخزينة الأمريكية وحدها حتى اليوم 657 مليار
دولار. يقول مراقبون في برلين أن السؤال الذي
يطرح نفسه الآن:هل بمستطاع قوات الأمن
العراقية تحمل مسؤولية الأمن في جميع أرجاء
العراق، أم أن الانسحاب ربما تشجع بعض الأطراف
على إشعال حرب أهلية؟ يقول غونتر نوننماخر
محرر الشؤون السياسية في صحيفة(فرانكفورتر
ألجماينه) أن الكثير يعتمد على السياسة
العراقية وما إذا بوسعها التوفيق بين الفرقاء
السياسيين وتحقيق تقاسم عادل للنفوذ السياسي
لإرضاء السنة والشيعة والأكراد ووضع تسوية
مسالمة بين حكومة إقليم كردستان والحكومة
المركزية في بغداد حول حقول النفط في كركوك
والخلاف على النفط في هذه المنطقة وحدها كفيل
بإشعال فتيل حرب لا تحتاجها منطقة الخليج لأن
التوازن السياسي العسكري فيها لم يعد كما يؤكد
نوننماخر مسألة تهم الأطراف الإقليمية فحسب بل
السياسة الدولية برمتها.
يتحمل مسؤولية الأمن في العراق الآن قوى الأمن
المحلية التي درب أفرادها وسلحهم الجيش
الأمريكي. وإذا صحت بيانات رئيس الوزراء
العراقي فإن عدد هذه القوات نصف مليون شرطي
و250 ألف جندي لا يحملون أسلحة متطورة مثل
الجنود الأمريكيين. ويشير بعض المحللين إلى
اتفاق سري يقضي بتدخل الجيش الأمريكي عند وقوع
أعمال عنف خطيرة في حال طلب منه ذلك الحكومة
العراقية أو الجيش العراقي. وعلى الرغم من
فرحة الشارع والانسحاب من المدن إلى أن
الولايات المتحدة تعمل حسب الخطة التي نفذتها
بعد احتلال وتقسيم ألمانيا عقب هزيمتها في
الحرب العالمية الثانية. رغم مرور أكثر من ستة
عقود على نهاية الحرب ومرور عقدين على استعادة
ألمانيا وحدة شقيها في عام 1990 ما يزال في
ألمانيا قواعد عسكرية أمريكية وقنابل نووية
أمريكية أيضا.
تحاول الحكومة العراقية الترويج لانسحاب
الجنود الأمريكيين من المدن على أنه انتصار
لها وربما بالغ المالكي بعض الشيء عندما قال
أن الحكومة العراقية لن تحتاج للأمريكيين
لأنها واثقة بقدرات قوى الأمن العراقية على
فرض الأمن. يرى البعض أن هذه التصريحات جزء من
الحملة الانتخابية التي تسبق موعد الانتخابات
العامة في ينايرالمقبل والتي يأمل المالكي
الفوز بها.
عندما احتل الحلفاء الأربعة ألمانيا بعد هزيمة
العهد النازي عام 1945 لم يتعرض الحلفاء إلى
مقاومة شعبية مثلما حصل في العراق. لكن جنودها
ظلوا في مختلف مناطق الشطر الغربي ولا زالوا
موجودين بعد استعادتها وحدتها. الأمر لن يختلف
بالنسبة للعراق حتى إذا حاول المالكي التخفيف
من أهمية الدور العسكري الأمريكي في المستقبل
إذ سيبقى في بلاد الرافدين 133 ألف جندي من
رجال البحرية(مارينز) وسيتمركزون في قواعد
بعيدة عن أنظار المواطنين.
وقالت صحيفة(زود دويتشه) الصادرة في ميونيخ
أنها حصلت على معلومات تفيد أنه قبل كل عملية
عسكرية تقوم بها قوى الأمن العراقية سوف يجري
التنسيق حولها مع عسكريين أمريكيين.
ويعلم العراقيون أن أمنهم غير مضمون إذ حذر
المالكي من اندلاع العنف في أية لحظة ووصف
أعمال العنف الدامية الأخيرة بأنها محاولة
لإثارة نعرة طائفية وإشاعة الفوضى ومنع
العراقيين من الوقوف على أقدامهم. وقالت
الصحيفة أن مستقبل العراق يعتمد على قدرات قوى
الأمن المثيرة للجدل. إذ أن الشرطة على وجه
الخصوص البالغ عدد أفرادها نصف مليون شرطي
وشرطية ينحدر أفرادها من الطائفة الشيعية
وينظر السنة بريبة إليها. ثم أن ليس جميع
المواطنين العراقيين أبدوا لانسحاب الجنود
الأمريكيين من المدن.
صحيح أنهم ينظرون إليهم كجنود احتلال لكن
يعتقدون أن لوجودهم علاقة في حصول هدوء نوعا
ما. في الفترة بين عام 2005 و2007 كان العراق
على وشك السقوط في حرب أهلية. وقد كشفت الأيام
الماضية عن خطورة الوضع الأمني حيث أدت
التفجيرات إلى مقتل أكثر من 200 شخص بعد أن
شهد شهر مايو أدنى عدد للضحايا منذ عام 2004.
الاختبار المهم للسياسة العراقية وقوى الأمن
سيكون في الفترة التي تسبق موعد الانتخابات
العامة ولهذا يستعجل أوباما الحكومة في بغداد
على تحقيق إنجازات سياسية والمصالحة والوفاق
بين أبناء الشعب العراقي من سنة وشيعة وأكراد
وعرب وتوزيع عادل لعوائد النفط في كركوك وبدء
العمل بمشاريع البنية الأساسية لإشغال
العراقيين ببناء بلدهم بدلا من العيش في فراغ
يساعد في عودة دوامة العنف.