الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

هل يكون المجتمع المدني قاطرة الإصلاح في الوطن العربي؟
د. خالد عزب


شهدت مكتبة الاسكندرية في الفترة من 13-15 مارس 2005 الدورة الثانية لمنتدى الاصلاح العربي وكان ذلك محاولة للاجابة عن الأسئلة الصعبة مثل؛ هل سينجح منتدى الاصلاح في فرض نفسه على الساحة السياسية؟ هل سيكون للمشاركين فيه رؤى تفاعلية مع الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي؟ .
مرت خمس سنوات على اصدار وثيقة الاسكندرية للاصلاح العربي، وهي أول وثيقة متكاملة تصدر عن تجمع عربي شمل مفكرين ومثقفين وسياسيين، محاور عدة ضمتها الوثيقة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، لكن جلها جاء ليطرح قضية دور المجتمع المدني في الاصلاح فالسائد في الوطن العربي هو تحميل الحكومات بمفردها عبء الاصلاح وكأن المجتمع مغيب لا دور له، ولا رأي، هذا النوع الفوقي من الاصلاح هو اختزال للقضية في ابسط صورها، يعكس عجز المجتمعات العربية ذاتها عن الحراك نحو المستقبل، في محاولة لتحميل السلطة القائمة أياً كانت عبء الحاضر والمستقبل، وكأنها بلا ارادة بينما ما سعت اليه وثيقة الاسكندرية هو تحرير لمجتمع المدني من القيود التي فرضت عليه سواء من السلطة أو من ذاته والتجارب التاريخية تؤكد أن فرض تغيير فوقي دون قناعة وادارة كاملة من المجتمع يؤدي بهذا التغيير في نهاية المطاف الى الفشل، ففي الولايات المتحدة الأمريكية رأينا تجربتين: أولاهما للاصلاح من أعلى، وهي منع شرب وتداول المشروبات الكحولية بتعديل دستوري في العالم 1918 نتيجة جهود بعض المشرعين، ولكنهم للأسف أغفلوا أهمية تثقيف الشعب بمضار المشروبات الكحولية ولم يركزوا على أهمية مشاركة قطاعات عريضة من المجتمع، مما أدى الى عدم احترام ذلك الحظر حتى أعيد تعديل الدستور لاعادة السماح بذلك في العام .1933
أما تجربة الاصلاح من القاعدة العريضة فنجدها في منع التدخين في الأماكن العامة الذي اعتمد على حوار شمل المجتمع، بدءاً بتقرير طبي عام شرح المضار الصحية المترتبة على التدخين واستمر الحوار والدراسات والمناقشات الى أن منع التدخين في الأماكن العامة في أغلب ولايات الولايات المتحدة الأمريكية، بل وتمت مطالبة شركات السجائر بتعويضات، وذلك دون أن يصدر تشريع فيدرالي حتى الآن والتجارب في شتى المجتمعات تؤكد أن المشاركة الواسعة للمجتمع المدني تؤدي في نهاية الأمر الى تجدر مفاهيم جديدة كان من الصعب تصور انتشارها ورسوخها.
ان ما يطرح الآن وماذا بعد وثيقة الاسكندرية؟ ان هذا التساؤل قد يعكس واقعين: الأول هو الرغبة في الاصلاح طبقاً لما طرح في الوثيقة، والثاني هو عدم التعامل المباشر معها أو التفاعل معها، لكن القائمين على هذه الوثيقة ممن فعلوها كانوا أكثر نشاطاً، اذ بمجرد انتهاء جلسات مؤتمر الاصلاح العام الماضي، انطلق موقع الكتروني لمنتدى الاصلاح العربي المؤسس ليرعى الوثيقة ويدفع ببنودها للتنفيذ، وبدأ حشد الآراء والطاقات، وان لم تنل أنشطة المنتدى حظاً وافراً من الاهتمام، فهذا مردوده يعود الى وجود قوى في المجتمعات العربية لا ترغب في ترسيخ أي دور للمجتمع المدني، لكن أنشطة المنتدى وجدت لها صدى واسعا على شبكة الانترنت من خلال طروق الاف الزائرين وجلهم من الشباب لموقعه الالكتروني.
واستعراض أنشطة هذا المنتدى تكشف عن طبيعة توجهاته ومنها:
أولاً : ندوة اقليمية عربية لبحث سبل تعزيز مؤسسات المجتمع المدني وتفعيل دورها في الاصلاح والتي نظمها المنتدى بالتعاون مع كل من المنظمة العربية لحقوق الانسان ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الانسان وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي وشارك فيها أكثر من ثمانين مشتركا يمثلون ست عشرة دولة عربية من مختلف أنشطة المجتمع المدني بالاضافة الى عدد من الخبراء والمفكرين وقد تم خلال يومي 21-22 يونيو ،2004 مناقشة واقع المجتمع المدني والتغيرات التي طرأت على دوره والعقبات التي تقف أمام تحقيق أهدافه وسبل الاصلاح فيها مع تركيز بصفة خاصة على وثيقة الاسكندرية كنموذج يناقش كل أبعاد الاصلاح المطروحة على الساحة العربية والتي لا يمكن تجاهلها. كما ناقش المشتركون أهمية التنسيق بين مؤسسات المجتمع المدني في البلدان العربية من خلال شبكات اتصال لتفعيل دور هذه المجتمعات من خلال تأكيد الأهداف والمناخ الملائم للعمل والتفاعل بينهم، وذلك من خلال تأسيس منبر للحوار الاجتماعي ومعهد لقياس الرأي العام وصندوق للتمويل العربي لصالح جميع قطاعات المجتمع المدني، تبعها عدة تجمعات للمجتمع المدني في مكتبة الاسكندرية خلال عام .2005
ثانياً: المؤتمر الدولي العربي عن حرية التعبير سبتمبر 2004:
على حسب ما جاء في وثيقة الاسكندرية ضمن أمور عديدة؛ ضرورة الاهتمام بحرية التعبير على اعتباره المدخل الأساسي للاصلاح الحقيقي وعلى اعتبار أن الحرية قيمة كبيرة وأساسية وأنها تقوم على أسس عديدة وهي احترام الحقوق في الفكر والتعبير عن الرأي بكافة صوره وأشكاله وخاصة الحرية في الابداع والصحافة ووسائل الاعلام والتي يجب أن يتسم العمل فيها بالشفافية وأنه يجب القضاء على العوائق التي تعوق أو تحول بين تحقيق ممارسة هذه الحريات ولذلك نظم منتدى الاصلاح العربي مؤتمراً دولياً عربيا عن حرية التعبير والرأي العام من خلال جهزة الاعلام وكذلك المعهد الدولي للحقوق المدنية والتشريعات والقوانين بالاضافة الى حرية التعبير ووسائل الاتصال الحديثة وحقوق الملكية الفكرية ودور المكتبات مع التركيز على شبكات الانترنت وما تقوم به حالياً عبر الحدود من نقل للأفكار والمعلومات والذي ناقش أيضاً المشاركون فيه أهداف وطرق عمل بعض لمنظمات التي تعمل في هذا المجال مثل المنظمة العربية لمراقبة حرية الصحافة والمنظمة العربية لحقوق الانسان ذلك كله لهدف تحقيق أفضل مناخ للحريات خاصة حرية التفكير والابداع. وفي عام 2005 شهدت المكتبة عدة أنشطة لمكتبات حقوق الانسان عكست بوضوح رغبة منتدى الاصلاح في تفعيل هذه القضية.
ثالثاً: مبادرة الاصلاح في العالم العربي 21-22 ديسمبر 2004: اشترك منتدى الاصلاح العربي بمكتبة الاسكندرية مع مجموعة من مؤسسات البحث في العالم العربي في كل من مصر والأردن وفلسطين ولبنان، والسودان والكويت والمملكة العربية السعودية والتي اشترك أيضا فيها كل من مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة ومركز الاصلاح الأوروبي ومعهد الدراسات الأمنية ومؤسسة الحوار للعلاقات الدولية في أوروبا وتهدف المبادرة الى وضع برنامج اصلاح من خلال القيام بعدد من البحوث الوطنية والتي تهتم بموضوعات الاصلاح في الدول العربية بقصد وضع وانتاج توصيات أساسية لتدعيم وتطوير الاصلاح في العالم العربي وتقديمها الى صناع القرار سواء على مستوى العالم العربي أو في الخارج مع العلم أن معظم الدراسات والبحوث سوف تركز على موضوعات تتعلق بالديمقراطية والحكم الصالح والعدل الاجتماعي وقياس الرأي العام بالاضافة الى حلقات العمل وبرامج التدريب.
رابعاً: دور الشباب في التحديث في العالم العربي:
تأسياً على ما يقوم به منتدى الاصلاح العربي في تبني مفهوم التحديث والاصلاح والانفتاح الثقافي والمعرفي مع مختلف أنحاء العالم العربي وخاصة بالنسبة لمصر نظم المؤتمر خلال شهر فبراير 2005 مؤتمراً لمشروع ركز على افساح المجال للشباب للمشاركة في طرح رؤاهم عن التحديث في المجتمع حيث من الملاحظ أن أغلب موضوعات التحديث التي تتم يكون فيها دور الشباب هامشياً وذلك بالرغم من أن أي اصلاحات سوف يجني منها الشباب في المستقبل كما أن العديد من الدراسات تكشف عن أن عددا من المشاكل التي يعاني منها الشباب على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ترجع الى عدم اشتراك الشباب في مناقشتها وطرح المشاكل المتعلقة بها أو في وضع الحلول لها، حيث هدف هذا المؤتمر الى اشراك وادماج الشباب في عمليات الاصلاح والتحديث بالاضافة الى تأسيس شبكات من الشباب على المستوى القومي والاقليمي للتعبير فيها عن مشاكل الشباب ومحاولة الوصول الى حلول لها مع محاولة خلق وعي عام عن أهمية التحديث بين الشباب وبصفة خاصة دور الشباب ومساهمتهم في مجالات التحديث المختلفة من خلال ممارسة العمل في مختلف مجالات التنمية وعدد من البحوث وتنظيم ورش العمل والتدريب في مجالات التحديث والاصلاح المختلفة، من خلال جلسات عمل ناقش فيها الشباب أولويات التحديث والاصلاح وحدودا خلالها ما يمكنهم القيام به حتى خرجوا بخطة عمل لمدة عام لمشروعات حقيقية يقدمها ويخطط لها وينفذها الشباب بأنفسهم.كما نظم المنتدى في خلال شهر ديسمبر 2005 تجمع للشباب العربي من أجل الاصلاح، طرح خلاله الشباب رؤيتهم لقضايا الاصلاح العربي.
وكما كانت المشروعات السابقة مثمرة كان لا بد لي من القاء الضوء على المشروعات القائمة والمستقبلية التي يسعى المنتدى الى اخراجها للنور خلال الفترة القادمة منها:
أولاً: مشروع الـ :liaM ofnI أطلق منتدى الاصلاح العربي باعداد مرصد الكتروني تحت اسم liaM ofnI تعرض فيه منظمات المجتمع المدني العربي أنشطتها، حيث سيكون لكل منظمة موقع أو مكان خاص بها في داخل المرصد الالكتروني، يحتوي على اسم المنظمة وطريقة الاتصال بها ومجال عملها وأنشطتها وكل الاخبار المتعلقة بها، وذلك بهدف التعريف بهذه المنظمات وما تقوم به من أنشطة الى جانب اثراء معرفتها بما تقوم به المنظمات لأخرى التي تعرض أيضا أنشطتها ونماذج من مشروعاتها الناجحة في داخل اطار المرصد الالكتروني. وعلى حسب التصميم المقترح للمرصد الالكتروني، فانه يمكن الدخول اليه من خلال موقع مكتبة الاسكندرية أو من خلال موقع منتدى الاصلاح العربي، ويقوم بما يلي:
- عرض المعلومات الخاصة بكل أنشطة منظمات المجتمع المدني العربي المشتركة في المرصد وتسهيل الحصول عليها وذلك من خلال عرضها في شكل نشرة أخبار.
- اتاحة الفرصة لتبادل الخبرات والتفاعل عن طريف الحوار بين المنظمات المشتركة أو غيرها من المنظمات والأفراد وذلك من خلال منتدى للمناقشة يفسخ المجال لتبادل الرأي وتلقي الاسهامات من المهتمين بأنشطة منظمات المجتمع المدني.
- اعطاء الفرص و واتاحتها لتبادل ملفات الكترونية، ولتقديم خدمات حول أنشطة منظمات المجتمع المدني المشتركة في المرصد الالكتروني والمساعدة في تنظيم مؤتمرات أو ندوات وتبادل المعلومات لمن يبدي الاهتمام بهذه الأنشطة.
وسيتضمن موقع المرصد الالكتروني ما يلي:
- التسجيل عن الدخول الى موقع وذلك ليسهل معرفة المساهمين بالآراء أو التعليقات في منتدى المناقشة.
- توزيع جميع منظمات المجتمع المدني المشتركة في المرصد الالكتروني وتصنيفها طبقاً للنشاط الذي تقوم به والموضوعات التي تناقشها أو تهتم بها، أو طبقاً للدولة التي تنتمي اليها أو موقعها الجغرافي.
- الوثائق والتقارير والبحوث وقائمة بجميع الفعاليات التي تصدرها المنظمات المشتركة في المرصد.
- عرض واتاحة وامكانية تبادل المعلومات المتعلقة بالعمل التطوعي من خلال المرصد الالكتروني وطرق التعاون بين منظمات المجتمع المدني العربية المشتركة في المرصد.
- امكانية البحث في داخل المرصد باستخدام محركات البحث.
ثانياً: مشروع مرصد الاصلاح العربي:
تم تأسيس مرصد بحثي للاصلاح العربي في اطار الأنشطة التي يقوم بها منتدى الاصلاح العربي على اعتبار أنه أحد آليات التنفيذ لما جاء في وثيقة الاسكندرية والهدف منه متابعة وقياس خطوات ومحاور الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في الوطن العربي وقد تم تشكيل فريق من الخبراء لوضع تقرير استطلاعي عن مرصد الاصلاح العربي يشتمل على فكرة مرصد الاصلاح كأحد الآليات لمتابعة تنفيذ ما جاء في وثيقة الاسكندرية والبحثي المشكلات المتعلقة بقياس الاصلاح من خلال مؤشرات كمية وكيفية وذلك في كل مجالات الاصلاح السابق الاشارة اليها وسوف يتم مناقشة هذه المؤشرات من خلال مجموعة من المتخصصين في العلوم السياسية، والاقتصادية والثقافية وعلم الاجتماع على المستوى المصري بغرض الخروج بتوصيات عن المؤشرات التي يمكن استخدامها في القياس وذلك تمهيداَ لمناقشتها مناقشة نقدية على المستوى العربي والوصول الى المؤشرات النهائية التي يمكن استخدامها في المرصد بالاضافة الى تحديد الخبرات والكفاءات العربية والتي ستسهم في العمل المنتظم للمرصد.
وعلى هذا نجد أن كل ما سبق ذكره هو مجرد بداية جادة ونشاط يكرس صيغة جديدة للتعامل بين المؤسسات المدنية والسلطة فالاصلاح هنا له مفهوم مختلف عما هو معتاد عليه، فالقضية لدى منتدى الاصلاح هي السعي لطرح رؤى للاصلاح ومعالجة أوجه القصور، وليس وسيلة لاستغلال حالة عامة هي الحاجة للاصلاح للوصول الى السلطة، وبالتالي يظهر مفهوم الاصلاح على أنه حاجة مستمرة لقبول التحديات ومواجهاتها والتي تفرض نفسها يوماً بعد يوم سواء على الدول المتقدمة أو النامية، بل أن حتى أعتى الديمقراطيات في العالم كثيراً ما تحدث بها اخفاقات تستدعي في كثير من الأحيان مراجعة الذات والنفس، بل وحتى الدول المتقدمة علمياً في حاجة الى مراجعة سياسات البحث العلمي والتعليم حتى تستطيع اللحاق بمثيلاتها وهو ما يستدعي التدخل لاجراء اصلاحات سواء في المناهج أو في الرؤية العامة للهدف من التعليم والبحث العلمي.
شهدت مكتبة الاسكندرية في الفترة من 13-15 مارس 2005 الدورة الثانية لمنتدى الاصلاح العربي وكان ذلك محاولة للاجابة عن الأسئلة الصعبة مثل هل سينجح منتدى الاصلاح في فرض نفسه على الساحة السياسية؟ هل سيكون للمشاركين فيه رؤى تفاعليه مع الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي؟ وفي الفترة من 1 الى 3 مارس 2006 شهدت مكتبة الاسكندرية المنتدى الثالث للاصلاح في الوطن العربي، شارك فيه سبعمائة مشارك من 22 دولة عربية، كان أكثر ما يلفت الانتباه به هو عرض تقرير يرصد التحول الديمقراطي في الوطن العربي، للمناقشة. وعرض لقضايا حقوق الانسان وتمكين المرأة والقروض متناهية الصغر والشفافية، كل هذه القضايا قورنت بغيرها من التجارب في مختلف أنحاء العالم. ويتبقى سؤال مهم، هل يكون المجتمع المدني قاطرة الاصلاح في الوطن العربي؟ كما يرى القائمون على منتدى الاصلاح العربي بالاسكندرية، سؤال ستجيب عنه السنوات القادمة. ثم تتابعت مؤتمرات الاصلاح حتى عام 2008 وفي العام القادم ستكون هناك تساؤلات جديدة حول مستقبل الاصلاح .

  رجوع