مصطلح (السلام في الشرق الأوسط) له معانٍ
مختلفة في آذان المتلقين، وأيضا حسب مكانهم
الجغرافي ناهيك عن درجة علاقتهم بالمشكلة.
العبارة ليست في دقة مصطلح (تسوية لمشكلة
الشرق الأوسط) والتي عرفها جيلي من الصحفيين
والمؤرخين بأنها تعني الخلاف الفلسطيني ـ
الإسرائيلي.
التسوية في أعقاب اتفاقيات الهدنة 1948/1949
انحصرت في تفعيل قرارات الأمم المتحدة بشأن
تقسيم فلسطين وتسوية مشاكل اللاجئين بعودتهم
إلى ديارهم أو تعويضهم أو إعادة توطينهم في
فلسطين بحدود قرار التقسيم.
في غضون سنوات، تشعبت المشكلة في الفترة (الثورية)
الناصرية الى حروب بين اسرائيل وجيرانها، مما
جعل (التسوية) تتجاوز الخلاف الفلسطيني ـ
الإسرائيلي.
فالتسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، هي
أمر مختلف عن التسوية بينهم وبين السوريين،
بينما تستلزم تعقيدات مزارع شبعا تسوية ثالثة
مع لبنان أو بين لبنان وسوريا.
انقلاب حماس، الذي اتخذ طابعا عنيفا، على
اجهزة نواة الدولة الفلسطينية التابعة للسلطة
الوطنية برئاسة محمود عباس، وليس الحكومة التي
ترأسها وزير من الحركة الإسلامية، ادى الى
تفرع (التسوية) الى ثلاثة اقسام: واحدة
استكمالاً لأوسلوا وما تليها من اتفاقيات مع
نواة الدولة، أي السلطة الوطنية في رام الله،
والأخرى بين اسرائيل ومن يحكم غزة (حماس الآن)
وهي تسوية ستبدأ من الصفر أو المربع الأول إذ
لا تعترف اسرائيل بشرعية تمثيل حماس
للفلسطينيين، بينما لا تعترف حماس اصلا بحق
اسرائيل في الوجود، كما كان حال الفلسطينيين
قبل تعديل ميثاقهم الوطني في اعلان جنيف عام
1988.
أما القسم الثالث من التسوية ـ وهو يهم
اسرائيل بالدرجة الأولى ـ فهو التسوية
الفلسطينية ـ الفلسطينية بين حماس، وبقية
الفلسطينيين، وهو اكثر التسويات تعقيدا من
الناحية القانونية (كل التسويات قانونية
بالدرجة الاأولى)، فمثلا كانت هناك حرب استمرت
ثلاثة أسابيع بين اسرائيل وحماس (والتي يفترض
مشاركتها حكومة ائتلافية مع فتح حسب اتفاق مكة)
في مثل هذا الوقت من العام الماضي، بينما كانت
العلاقات طبيعية بين اسرائيل والسلطة الوطنية
الفلسطينية في رام الله من تجارة واتصالات
يومية وتعاون امني وتنقل الأفراد.
وإذا كان هذا حال ما كنا نعتبره قبل سنوات
مصطلحاً أسهل على الفهم وقابلا للتحديد والحصر،
فما بالك بمصطلح (السلام في الشرق الأوسط)؟
ولا يصعب على القارئ العزيز استخلاص ان مرور
الوقت، يزيد من تعقيدات مشاكل المنطقة ولا
يحلها، بعكس الوضع الطبيعي بحل مرور الزمن
لمعظم المشاكل، خاصة ان كل من هب ودب أو أراد
أن يخلص من مشكلة محلية في منطقته أو داخل
بلده، يتشبث بتلابيب المشكلة الفلسطينية.
فعندما بدا صدام حسين حربه ضد إيران عام 1980،
وعندما احتل الكويت بعدها بعشر سنوات، ربط بين
الحرب في كل حالة وبين عزمه على (تحرير)
فلسطين رغم اتجاه مدرعاته في كلتا الحالتين
عكس وجهة فلسطين.
الثورة الإسلامية في إيران تحدثت أدبياتها
وشعارتها عن القضية الفلسطينة وكذلك أسامة بن
لادن عندما يوجه خلاياه لأعمال دموية سواء في
إسقاطها الطائرات أو تفجيرها القطارات
والحافلات وصرع آلاف الأبرياء تجده يبررها
بنصرته للفلسطينيين.
ولذا لم تعد عبارة (فرص السلام في الشرق
الأوسط) تعني ما قصده أول من استخدموها قبل
نصف قرن.
في استطلاعين للرأي أجرتهما مؤسستان أمريكيتان
بطرح ثلاثة أسئلة محددة على عينتين بشريتين،
إحداهما ممثلة للمصريين بكل طوائفهم، والأخرى
ممثلة لسكان الحضر من السعوديين، ساهمت
النتائج في تعقيد المصطلحات.
سؤال: هل تؤيد ضربة إسرائيلية ضد إيران عند
حصولها على القنبلة النووية؟ أم تؤيد أمريكا
للقيام بهذه الضربة؟
اعتبر 17 في المائة من المصريين ان الحق مع
اسرائيل، بينما دعم 25% منهم امريكا، والنسبة
بين السعوديين كانت 25% و 35% على التوالي.
(أي 20 مليون مصري وسبعة ملايين سعودي يؤيدون
ضربة أمريكية لإيران). وعندما طرح السؤال عن
ترتيب التهديدات لأمنهم قال 26% من المصريين
ان إيران هي التهديد الأول ووافقهم 40% من
السعوديين (ارتفعت النسبة للثلثين في المنطقة
الشرقية).
أي أن أعدادا معتبرة من سكان أكثر بلدين
تأثيرا في سياسة المنطقة ترى ان مشكلة الشرق
الأوسط التي تهدد امنهم لم تعد قضية اسرائيل
وفلسطين.
والمجال لا يتسع لتحليل اكثر عمقا بتشريح
تركيبة العينات البشرية للاستفسار، لكن
المقصود ان الجماهير التي تهمها القضايا
الشخصية في المقام الاأول كالصحة والخدمات
والاقتصاد، أصبحت تعي الآن أن سلام الشرق
الأوسط لم يعد محصورا في الدائرة الفلسطينية ـ
الإسرائيلية، بل أصبحت هناك قوى مؤثرة، بل
ومرتبطة من الخارج كالإرهاب العالمي وغيره،
تدخل الدائرة بل تعتبر تهديداً لهم إذا لم
يشملهم السلام.
خبرتي الشخصية بتغطية أحداث المنطقة تبعدني عن
قائمة المتفائلين بإمكانية تسوية مشكلة الشرق
الأوسط ـ أيا كان تعريفها ـ لبضعة أجيال.
فدبلوماسي أوروبي شارك في معظم محادثات السلام
أخبرني مرة أن أقصى ما يمكن تحقيقه واقعيا من
جولة المفاوضات التي تعقب أي قتال في المنطقة
هو إطالة الاستراحة أو الهدنة للحد الأقصى قبل
اندلاع الحرب الجديدة.