تعتبر الخلافات البينية العربية واحدة من أهم
الظواهر الأساسية التي سيطرت على تفاعلات
النظام الإقليمي العربي خلال العام 2009،
والمصاحبة له خلال العام الجديد. والمتأمل
للواقع العربي ويقلب في دفتر أحواله السنوية
لن يجد عناء في اكتشاف تلك الخلافات، وما زالت
أنماطها متعددة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية
أو ثقافية أو إعلامية أو رياضية أو حتى نفسية،
لدرجة أن هذه الخلافات باتت نوعاً من «الطقوس»
الشائعة بالعلاقات ما بين الدول العربية.
وهناك مقولة شائعة تطرح في هذا السياق، وهي «أن
الدول العربية إما في حالة خصام أو داخلة في
خصام أو خارجة من خصام»، لدرجة دعت البعض إلى
المطالبة بتأسيس مركز لدراسات الخلافات
العربية. والأجواء الحالية قد لا تبشر كثيراً
في إمكان تجاوزها مستقبلاً.
فعلى الصعيد السياسي، برزت الخلافات في
القضايا الثنائية بدرجة واضحة بين الدول سواء
الواقعة داخل نظام إقليمي فرعي (إقليم المغرب
العربي وإقليم المشرق العربي وإقليم وادي
النيل) أو المتباعدة جغرافيا، لاعتبارات خاصة
بخلافات حدودية أو مطالب قطرية أو أدوار
إقليمية. واقتصاديا، لم تصل التجارة البينية
العربية إلى 9% وأصبح الحديث عن السوق العربية
المشتركة مجرد «كلام في الهواء» لا يستند إلى
واقع فعلي، ويتمثل التعاون العربي في الأطر
غير العربية مقارنة بالأطر العربية، ولم تنجح
الدول العربية في تصدير منتج واحد حتى لو كان
مسماراً أو عود ثقاب. وإعلاميا استخدمت الصحف
والقنوات الفضائية كمنبر للسب والقذف والتجريح
بين الدول العربية وبعضها.
فقد كانت الأداة الدعائية هي الوسيلة الرئيسية
التي استخدمتها الدول العربية في إدارة
الصراعات فيما بينها.
ونفسيا ازدادت درجة الحساسية بين الدول
العربية، بما يعكس تغلب النزعة القطرية على
النزعة القومية. ولذا فإن الملفات غير
السياسية التي يمكن التعويل عليها في تدعيم
الاستقرار والتعاون الإقليمي باتت مهددة
لآفاقه.
وهناك اتجاه في الكتابات يعزو هذه الخلافات
إلى «نظرية المؤامرة» التي تستند إلى وجود
تأثير للعامل الخارجي، في إضعاف بنية العلاقات
العربية، حتى يستمر الوجود الدولي في المنطقة
وتأمين إمدادات النفط فضلا عن اختلال ميزان
القوة الإقليمي لمصلحة إسرائيل.
أما الاتجاه الآخر فيشير إلى ضعف مناعة العامل
الذاتي، وأن تلك الخلافات لم تكن إلا انعكاساً
للمظاهر الجديدة لأزمات العلاقة بين الدولة
الوطنية والمجتمع بالمنطقة العربية، على نحو
ما توضحه حالات العراق والسودان والصومال،
والتي تشير بعض التقارير الدولية إلى أن بعضها
يندرج تحت مسمى «الدولة الفاشلة». فضلا عن أن
ظاهرة الانقسام العربي الداخلي، ليست مقصورة
على الدولة القائمة وإنما تشمل أيضا «الدول
القادمة»، والذي يعتبر الداخل الفلسطيني
نموذجا بارزا لها، نتيجة تعثر الحوار بين
الفصائل السياسية المختلفة.
كما امتد الخلاف العربي إلى مسألة دعم أو نقد
المقاومة تجاه إسرائيل، وهو ما برز جليا في
حرب غزة الشتاء الماضي. الانقسام الحاد بين
محوري الاعتدال والممانعة.
وإن تراجعت حدة هذا الانقسام نتيجة رحيل إدارة
بوش، والتسوية النسبية للعديد من مواطن
الخلافات، إلا أن آثارها ما زالت مستمرة
ومرشحة للبقاء خلال العام الجديد.
كما انتقلت الصراعات البينية العربية من
الدوائر الرسمية إلى المستويات الشعبية، على
نحو ما توضحه مشكلات القوى العاملة العربية
داخل الدول العربية، وأبرزها تصاعد مشكلات
الأيدي العاملة المصرية في بعض الدول العربية،
رغم الدور الذي يفترض أن تقوم القوى العاملة
في تدعيم أواصر العلاقات بين دول الإرسال ودول
الاستقبال. فضلا عن ذلك، بدأ سؤال الهوية يطرح
من جانب عدد من المجتمعات العربية، فيما يشير
إلى مسألة نعي العروبة.
يمكن تحديد عينة من القضايا الكاشفة لحجم
الخلافات التي عرفتها العلاقات البينية
العربية والمرشحة للاستمرار خلال عام الجديد،
وتحديد مدى تأثيرها من حيث اتجاهها نحو الصراع
وعدم تحويلها نحو التعاون، في خمس قضايا على
النحو التالي:
أ- الخلاف العراقي ــ الكويتي. برزت قضية
عالقة بين الكويت والعراق منذ الغزو تتعلق
بالديون والتعويضات، والاستغلال المشترك
للآبار النفطية، وأخذت شكل سجال إعلامي بين
البلدين، وتختلف الديون الكويتية عن التعويضات
التي تتلقاها الكويت من العراق، والتي ترتبط
بقرارات دولية واجبة التنفيذ حيث فرض مجلس
الأمن سلسلة من العقوبات على العراق تحت الفصل
السابع من ميثاق الأمم المتحدة عام 1990 منها
دفع تعويضات تصل إلى 5% من إجمالي عائدات
النفط كتعويضات عن غزو العراق للكويت إبان حكم
صدام. وقد دفع العراق 14 مليار دولار كتعويضات
للكويت وما زال مطالبا بدفع تعويضات تبلغ
قيمتها 25 مليار دولار. أما بالنسبة للديون
المستحقة للكويت على العراق فهي تقدر بـ 16
مليار دولار (يمثل الدين قروضا كويتية للعراق
خلال عهد نظام صدام جاء معظمها خلال الحرب
العراقية الإيرانية)، حيث تطالب الدولة
العراقية بإعفائها أو إطالة فترة التسديد أو
إعادة جدولتها وإعفاء قسم منها، أما الكويت
فترفض إعفاء العراق من ديونها أو تخفيضها.
الاتجاه المعارض يرى أن العراق يمتلك ثروة من
الموارد الطبيعية بما يمكنه من تجاوز الأوضاع
الصعبة التي يمر بها وتسديد الديون المتراكمة
عليه، علاوة على أن الموازنة العراقية حققت
فائضا ماليا هذا العام نتيجة ارتفاع أسعار
النفط. كما أن هناك شرائح ليست بالقليلة داخل
المجتمع الكويتي سوف ينتابها الشعور بالغبن في
حال إسقاط الديون لا سيما مع معاناة بعضهم من
مشكلات تتعلق بارتفاع الأسعار والقروض فضلا عن
الأزمة المالية العالمية، فهذه الشريحة لن
تقبل بإسقاط ديون العراق ما لم يحدث تحسن في
أوضاعهم أولا.
أما الاتجاه المؤيد لإسقاط الديون والتعويضات
يشير إلى أن عراق اليوم يختلف عن عراق الأمس،
وأن قرار الغزو لم يكن قرار الشعب العراقي،
ولا يمكن أن يدفع الشعب العراقي ثمن المهاترات
التي ارتكبها نظام حكم سابق، ولم يعد زعماء
العراق الجديد يتعاملون مع الكويت كمحافظة
عراقية وإنما كدولة مستقلة ذات سيادة. كما أن
هناك فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقة بين
الدولتين والشعبين، لا سيما في ظل جيل جديد من
أبناء الكويت لا يعرفون شيئا عن دولة تقع في
قلب الجوار الجغرافي لهم سوى أنها قامت
باحتلال أراضيهم واغتصبت ثروتهم.. كما أن فرض
التعويضات سيؤدي إلى زيادة مساحة الكراهية بين
البلدين.
ب- الخلاف السوري ــ العراقي. تصاعدت حدة
الخلاف بين بغداد ودمشق على خلفية اتهامات
الأولى للثانية بإيواء عناصر من حزب البعث،
تسببت في عمليات عنف ودمار في الداخل العراقي،
وكان آخرها ما يعرف بتفجيرات الأربعاء الدامي،
والتي نتج عنها 127 قتيلا فضلا عن الجرحى،
وتدمير لعدد من مؤسسات الدولة، الأمر الذي أدى
إلى تدخل أطراف إقليمية مثل تركيا وإيران
للوساطة بين البلدين.
لم تؤد الوساطة إلى حدوث تغير في مسار الخلاف
بين البلدين، حيث أكد وزيرا الدفاع العراقي
عبد القادر العبيدي والأمن الوطني شيروان
الوائلي في جلسة استماع أمام البرلمان العراقي
في 12 ديسمبر الماضي «أن معظم الأسلحة التي
استخدمت في تفجيرات بغداد قادمة من سوريا».
ووفقا لوجهة النظر العراقية، إن العلاقات مع
سوريا وصلت لمفترق طرق، حيث يتعين على دمشق أن
تختار بين إقامة علاقات جيدة مع بغداد وحماية
أشخاص يستهدفون العراق. وزاد من حدة هذه
الخلافات التفجيرات التالية، التي باتت لا
يعرف كونها موجهة للسياسة العراقية الداخلية
وتحديداً التأثير على الانتخابات البرلمانية
القادمة، أن لها طابع استراتيجي غير مرتبط
بهذا المحدد الآني.
ج- الخلاف المصري ــ الجزائري. تحولت مباراة
كرة القدم بين منتخبي البلدين للتأهل لمونديال
كأس العالم بجنوب إفريقيا 2010 إلى حالة
صراعية واضحة، سواء بين نظامي الحكم أو أفراد
المجتمع، وإن مست بدرجة أكبر البعد الشعبي في
العلاقات العربية الراهنة، بحيث كانت نتيجة
الاختبار الكروي للوحدة العربية محبطة. إن أحد
التفسيرات المطروحة للحالة المصرية ــ
الجزائرية، هو أن المشتركات التي تجمع الدول
العربية ببعضها، بقدر ما تمثل أساسا للتضامن،
فإنها تعبر عن رغبة كل مجتمع في المنطقة
للتميز والاختلاف، وهو ما يأخذ شكلا عدائيا في
لحظات المنافسة.
فالمنافسات الرياضية خاصة في كرة القدم يفترض
أن تكون ساحات للتقارب والتعارف وليس للتنافر
والتباعد، على نحو ما أوضحته تجارب دولية
سابقة، مثل دبلوماسية البنج بونج التي ساهمت
في ترطيب أجواء العلاقات بين واشنطن وبكين،
لكن في الحالات العربية تنعكس الألعاب
الرياضية على العلاقات السياسية بل والمصالح
الاقتصادية. فقد تم استهداف المصالح المصرية
في الجزائر، حيث تعرضت الشركات المصرية
العاملة في مجال الطيران والاتصالات
والمقاولات لخسائر، الأمر الذي هدد
الاستثمارات المصرية البالغة في الجزائر نحو 6
مليارات دولار. فقد أسهم الإعلام الرياضي في
البلدين في «عسكرة المباراة»، عبر نشر معلومات
مغلوطة وإذاعة بيانات كاذبة ونشر حوادث مفتعلة
وتصوير أوضاع لا وجود لها، لدرجة لا يمكن
تخيلها.
هـ- الخلاف المصري ــ العربي. امتدت الخلافات
بين الدول العربية إلى الساحة الفنية، بحيث
وصل الأمر إلى حد محاولة نقيب الممثلين
المصريين تحجيم الحضور العربي في الفن المصري،
بحيث لا يزيد مشاركة الفنان القادم من أي دولة
عربية على عمل واحد في العام، ومن ثم كسر
تقليد عرفته الحياة العربية منذ عقود طويلة من
الزمن، وهو تقليد لا يعرف فيه الفن حدوداً
قطرية، وتستوجب بموجبه الأعمال الفنية أفضل ما
في الوطن العربي من خبرات في مجال الكتابة
الدرامية والإخراج والتمثيل، وهي محاولة باءت
بالفشل.
ويبدو أن الخلافات العربية تتسم بالشمولية.
فإذا ثار خلاف بين دولتين عربيتين حول قضية ما،
لم يقتصر الخلاف على تلك القضية، لكنه يمتد
بسرعة إلى جوانب أخرى بين الطرفين المباشرين
والأطراف المتداخلة. ويترافق مع ذلك «حملات
إعلامية» وربما إجراءات سياسية، تهدد بانتقال
الصراع في أحوال عديدة إلى علاقات الشعوب
العربية.
إن القضايا السالف ذكرها تمثل بارومتر لحالة
التردي في النظام الإقليمي العربي، مرشحة
للوجود على الساحة العربية خلال العام الجديد.
ولم تنجح جامعة الدول العربية في وضع حد لهذه
الخلافات عبر قممها الدورية وتحديداً قمة
طرابلس في مارس 2010، فإن العمل العربي
المشترك والسلام الإقليمي لن يكون في منأى عن
التصعيد وتهديد الاستقرار الإقليمي الهش. إذ
ان محاولات التهدئة وإشاعة السلام بالمنطقة لم
تتعد العبارات الإنشائية والدلالات اللفظية،
لتتحول إلى سياسات فعلية. رغم أن جامعة الدول
العربية يمكن أن تتحول إلى أداة فعالة في حل
الخلافات البينية العربية، لكنها تحتاج إلى
صلاحيات أوسع وسلطات إقليمية أقوى، تتيح لها
أن تكون منظمة فاعلة ومؤثرة على المسرح العربي.
لكن الخلاف ازداد حدة بعد تسلله إلى نخاع
الشعوب.
فالتقييم العام لحصاد عام 2009 بهدف استشراف
رؤية العام الجديد، يشير إلى ازدياد حدة
الخلافات البينية العربية، وهو ما يمثل تهديدا
مباشرا ليس للمصالح العربية المشتركة فحسب،
وإنما أيضاً لمصالح كل دولة عربية على حدة في
ظل الخلل في النظام الإقليمي العربي لصالح
أطراف إقليمية غير عربية. فالعالم العربي يسير
بمنطق «للخلف در» أكثر من واقع «للأمام سر»،
ليصبح «ساحة للعب» بدلا من أن يكون لاعبا في
الإقليم.