الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

مراس
رمضان كله رحمة
يكتبها: محمد الحضرمي


* رمَضانُ كله رحمَه، تتوزعُ بركاته في المَوجُودات وبين الكائِنات، وأولُ رحمة تحققت في هذا الشهر أن نزلَ فيه القرآنُ الكريم هُدى للناس وبيِّناتٍ مِن الهُدى والفرقان، ورحمَة رمَضان تتحقق في كبح جمَاح النفس عن الدنايا، والسُّمو بالذاتِ الإنسانية، لتقفَ في مَصافِّ المَلائكة، حيث يُصبحُ الطينُ كائناٌ نورانيا، وتشرقُ النفسُ بنور ربها، ينقيها الصِّيامُ مِن الدنس، ويُطهِّر منها السَّواد العالق بها، فإذا هي شفافة كزجاجَة لامِعَة، ينفذ منها الضوء، وتخترقها الرُّؤية، زجاجَة مَرنة لا تجْرَح، بل تنجَرحُ بفِعل الآثام، وتتشَظى بفعل الكبائر، ويتكدَّر صَفاؤها بفعل الخطايا.
* يشعرنا رمَضان أننا أمَّة واحِدة، تدعو ربها غِبَّ كل صَلاة، وعند كل عَمل خير، وتعتصِمُ عن الأكل والشربِ فحسب، ولا تستجيبُ لنداء شَهوة الطعام في النهار، مهما حَرقَ العَطش الأحشاء، ومهما راودَت المُوبقات النفس، فالمُسلم دائِم الاختبار في ماله وسلوكه وبدنه وشهواته، وفي أيام رمضان يتحقق هذا الاختبار، ليس في الإمساك عن لذائذ الطعام والشراب، إذ المَعَدة بيتُ الداء، بل عن أهواء النفس الأمارة بالإفطار، فتقودُ صاحبها إلى الخرائب والحَضيض، وحتما ستتغلبُ النفس المُعتصمة، الآمِنة المُطمئنة، حيث تبدد أشعتها القدسية ظلمات الباطن، وتفتحُ لصاحبها أبوابَ الجنة، وترجع إلى ربها راضية مَرضية، وتقربهُ من الأنهار الباردة، وهو قائِمٌ في صَلاته أو حين يقرأ القرآن أو يُحسِن على فقير، فيقضِي حاجته، ويفرِّج عنه ضائقته.
* وفي أيام رمضان شهدنا أبوابَ الصَّدقات تتفتحُ على مصراعيها، ورأينا أهلَ الخير والفضل يطرقونَ الأبواب، ويقاسِمون الناسَ مما رزقهم الله، فتسيلُ عليهم أدعية الرِّضا من الأفواه، وتأمَن حَياتهم، وتطمَئنُّ سَرائرهم، لأنهم لم يَحتكروا الأموال لديهم خاصَّة، بل قسَّموها بين الناس، والرِّزق والغنى والمَال والثراء كله بفضل الله وتوفيقه، أولئك محظوظون جدا ببسط اليدِ البيضاء للبسَطاء.
* وشهر رمضان أشبه بحلقة عَملية في فن الإنفاق، وحلقة في فن الرَّحمَة بين الناس، وفن التواصل والتوادد والتحابب، وكلها علائق مُباركة تسعَى إلى التوحيد والتآلف، علائق لا تنفصِمُ عُراها، لأنها تشيعُ المَحَبَّة وتبشر بها، وتنذر مِن البغضاء وتنفِّر منها، فتنصاع النفوسُ إلى نداء الرَّحمَن، وهو ذاته نداء الرَّحمَة الذي يسعى نورُها في أرجاء الكون الفسيح، تضيء مِن مِشكاة الله، مِشكاة المَحبة الخاصَّة الخالصَة، المِشكاة القدسية المُقدَّسَة بكل ما تهبه من لطائفِ الأنوار.
* الرَّحمة اسم اللهِ في البَسملة، نرتلها في صَلواتنا، ونبتدأ بها أفعالنا، ففي رمضان لا ترمض النفوس من العَطش كما كان يقال في الأدبيات القديمَة، إنما يهدأ وجيفُ القلوب، وينطفئ الوَهَج المُشتعل في النفوس، وقد عشنا أحَدَ عَشر شهر بلا صيام، وبلا زمَن يَجمَعنا تحت قبابهِ النورانية، أيام بلا ظِلال نتفيأُ تحتها، فيأتي رَمَضان حامِلا معه اخضرار الدَّوح، ونقاء الرُّوح، ناشِرا الرَّحمة بين الكائنات، التي هي اسمٌ وصِفة في آن لأشياء نسميها ونعرفها وندركها، هي راءُ الرُّوح، وحَاء الحِكمة، وميم المَغفرة، وهاء الهيام بالمُطلق، وبالرَّحمةِ نصبحُ إنسانيينَ مُسالمِينَ ومُسلمين.

  رجوع