«بدلا من عقد
المقارنات البلهاء، ينبغي على جيرالد رايت
وأمثاله في هذا العالم أن يقبلوا ببعض الحقائق،
ومن بينها أن الجميع يواجهون مشكلات واحدة. إن
أغلب هذه المصادر النفطية غير المتجددة
متواجدة في العالم العربي. وهي تتبدد بإيقاع
متسارع، وأن مستويات الإنتاج الحالية قد
تتضاءل تماما في فترة ما بين 30 إلى 50 عاما.
وأنه من الأفضل أن يشرع العلماء في بذل مزيد
من الجهود لتوفير الاحتياجات اللازمة لمرحلة
ما بعد النفط».
نشرت صحيفة لوس انجلوس تايمز يوم السبت الرابع
عشر من يونيو عام 2008 رسالة قصيرة إلى المحرر
وجهها مقيم في المدينة يدعى جيرالد رايت، نصها
كالتالي: «تروق للسعوديين العاديين فكرة ثروة
بلادهم المضافة ولن يزيدوا إنتاج النفط.
ولكنهم مع ذلك يتوقعون صفقة أسلحة بقيمة 1,4
بليون دولار أمريكي! لم لا نرفع من سعرنا إلى
1,4 تريليون دولار أمريكي ونقول إنها مسألة
عرض وطلب؟. هم لديهم النفط، ونحن لدينا السلاح.
ومرحبا بالجميع في السوق».
كانت هذه الرسالة الدالة رد فعل على مقالة
نشرتها الصحيفة في الثامن من يونيو بعنوان «النفط
يلهب العلاقات الأمريكية - السعودية» وكانت
تبرز المشكلات القائمة بين البلدين في أعقاب
11/.9 اختصارا، مع ارتفاع أسعار النفط، نجد
دول القوة والثراء تطلب العون من الدول الاصغر.
يعتبر جيرالد رايت أن الـ 140دولارا لبرميل
النفط والـ 4,90 دولار لجالون الجازولين (بعض
محطات النفط تجاوزت بالفعل حد الخمسة دولارات
برغم أن متوسط السعر في أوروبا هو 1,5 يورو
لكل ليتر) سعر مفرط في الارتفاع. وبما أنه ليس
بوسعه أن يفعل أي شيء تقريبا إزاء مقتضيات
العرض والطلب، وبما أنه لا يوجد الكثير من
وسائل المواصلات العامة في المدينة مما يجبره
أن يدفع ليسوق سيارته، فإن رايت يلجأ إلى
الربط بين موضوعين غير مرتبطين .
غير أن جوهر رسالته الغاضبة يكمن في إيمان
عميق يشترك فيه الكثيرون والكثيرون سواء في
الحكومة أو خارجها بأن الغرب والولايات
المتحدة على وجه التحديد هما اللذان يقومان
بحماية الدول المنتجة للنفط ضد القوى المختلفة.
وفي مقابل هذا السخاء، يفترض الكثيرون أن يكون
انخفاض أسعار النفط لزاما على هذه الدول. أي
أن حماية واشنطن لمنتجى النفط يستوجب منهم أن
يؤمنوا دوام العرض الرخيص للنفط .
قليل من يشير إلى أن للتضخم أو المضاربة دورا
في ارتفاع أسعار النفط. لعل جيرالد رايت لا
يعرف أن الدولار الأمريكي الذي لا يزال العملة
الأساسية في كبرى صفقات النفط قد تدنت قيمته
بمقدار خمسة وعشرين بالمائة على مدار السنوات
السبع الماضية. وفي حين أنه صحيح أن أسعار
النفط العالمية قد تضاعفت منذ منتصف ،2007
وازدادت إلى أربعة أمثال ما كانت عليه منذ
2003 إلا أن السعر للمستهلك اليوم أقل مما كان
عليه في مطلع السبعينيات بعد حساب التضخم
والقوة الشرائية.
ولو لم تكن هي الحقيقة لما شهد العالم ذلك
الكم القياسي من إنتاج السيارات الجديدة
والشاحنات. ففي الولايات المتحدة وحدها كان
ثمة 110 ملايين مركبة مسجلة في عام 1975 (ما
بين سيارات وشاحنات وغيرهما) في مقابل 250
مليونا في عام .2006 أما عدد السيارات في
أوروبا فقفز من 550000 عام 1918 إلى 165 مليون
عام .2004
والحال مماثل في اغلب الدول النامية. فالصين
تقول إن لديها اليوم نحو 25 مركبة وأقل من سبع
سيارات لكل ألف نسمة، وأن 33 مليون مركبة
تتحرك على طرقاتها. وبمعدل المبيعات الحالي
سوف يبلغ عدد المركبات فيها 130 مليونا بحلول
عام .2020
ومن نافلة القول التأكيد على أن أغلب هذه
المركبات سوف تعتمد على النفط الخام. والهند
لديها مثل هذا الموقف برغم أن اختناقاتها
المرورية ترجع إلى كثرة الدراجات النارية
ومركبات التوك توك ثلاثية الإطارات التي تسير
بالغاز المسال لحسن الحظ.
والخلاصة أنه لو كانت الأسعار أعلى مما كانت
عليه في السبعينيات لما استطاع أغلب
المستهلكين أن يدفعوا ثمن هذه المركبات
الإضافية.
ولعل جيرالد رايت وأمثاله ممن يتبنون نفس
المنطق يعرفون أن أسعار النفط لم تتجاوز حدود
الاحتمال، مثلما يعرفون بوجود منافسة عالمية
بين مصنعي الأسلحة. وبالإضافة إلى أوروبا
وروسيا والصين وجنوب أفريقيا وإسرائيل على نحو
خاص، هناك رواد إنتاج السلاح الشغوفون بحصد
ثمار بيع الأسلحة. ولكن عبارة «هم لديهم النفط
ونحن لدينا السلاح» تعني أكثر من مجرد
التبادل، عندما تقفز صفقة سلاح عادية قيمتها
1,4 بليون دولار إلى 1,4 تريليون دولار، فهذا
لا يعني أننا في السوق، بل أننا انتقلنا إلى
ديزني لاند. فالنفط مقابل السلاح يتحول إلى
النفط الرخيص مقابل السلاح الباهظ.
قبل قرارها الصادر مؤخرا برفع إنتاج النفط
يوميا بـ 200000 برميل، كانت السعودية تضخ 9,5
مليون برميل يوميا أي ما يقترب من سقفها
البالغ 11 مليون برميل يوميا.
وقد ترفع الرياض سقف إنتاجها بمقدار مليون أو
مليوني برميل يوميا، ولكن ذلك لن يحدث فارقا
في ضوء متطلبات السوق.
وبدلا من عقد المقارنات البلهاء، ينبغي على
جيرالد رايت وأمثاله في هذا العالم أن يقبلوا
ببعض الحقائق، ومن بينها أن الجميع يواجهون
مشكلات واحدة. إن أغلب هذه المصادر النفطية
غير المتجددة متواجدة في العالم العربي.
وأن هذه المصادر تتبدد بإيقاع متسارع، وأن
مستويات الإنتاج الحالية قد تتضاءل تماما في
فترة ما بين 30 إلى 50 عاما. وأنه من الأفضل
أن يشرع العلماء في بذل مزيد من الجهود لتوفير
الاحتياجات اللازمة لمرحلة ما بعد النفط، وأن
العالم لا يوفر من نفقاته التسليحية السنوية
الرهيبة ما ينفقه من اجل احتياجاتنا الأساسية
من الطاقة