الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....  --( هل تقترب المنطقة من السلام في العام الجديد ؟! )--

البعد الإقليمي للتسوية الإسرائيلية مع سوريا
ماجد كيالي
كاتب فلسطيني


مرة جديدة، وبسبب استعصاء العملية التفاوضية مع الفلسطينيين، عادت إسرائيل إلى نهج التلاعب بالمفاوضات، من خلال محاولاتها استدعاء المسار التفاوضي مع سوريا، وهو ما تجلى بتصريحات بنيامين نتانياهو، رئيس حكومتها، الذي دعا سوريا إلى استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة، وبرعاية فرنسية!
لكن ما يجب الانتباه إليه أن التسوية مع سوريا، بالنسبة لإسرائيل، لم تعد متعلقة فقط بانسحابها من الجولان السورية المحتلة، وعقد تسوية ثنائية بين الطرفين المعنيين، إذ باتت مرتبطة أيضا بملفات إقليمية، مؤثّرة على البيئتين السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، كما بسياسة الإدارة الأمريكية إزاء سوريا.
وكانت إدارة بوش المنصرفة، وبسبب هذا البعد الإقليمي بالذات (للتسوية السورية ـ الإسرائيلية)، انتهجت خط ابتزاز سوريا، والضغط عليها، لإجبارها على فك تحالفاتها الإقليمية (والمقصود مع إيران)، ووقف دعمها لمنظمات المقاومة (مثل حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين)، والعمل على كل ما من شأنه التسهيل على الترتيبات الأمريكية الأمنية والسياسية في العراق). وفي حينه بدا التجاذب بشأن عملية التسوية على المسار السوري وكأنه شأن يخصّ السياسة الأمريكية، أكثر مما يخصّ إسرائيل ذاتها! حيث حرصت إدارة بوش على حضّ إسرائيل على تجميد مفاوضات التسوية مع سوريا، بل إنها شجعتها على المضي بسياسة التهديد والوعيد لسوريا، إلى حد أن إسرائيل ارتكبت العديد من الأعمال العدوانية ضد سوريا، في السنوات الماضية.
ولعل هذا يفسّر تعثّر التسوية مع سوريا، برغم التقدم الحاصل في المفاوضات (المباشرة وغير المباشرة)، وبرغم استعصاء المسار الفلسطيني. وفي هذا الإطار يقول يوسي بيلين: (إذا اتصل نتانياهو باللواء احتياط أوري ساجي، الذي عمل منسقا للاتصالات مع سوريا، فسيكون بوسعه أن يحصل عبر رسالة هاتفية SMS على كل ما تم الاتفاق عليه في الماضي- بما في ذلك حلول لمشكلة المياه والمناطق المنزوعة السلاح، والحديقة العامة التي ستتيح للإسرائيليين الوصول إلى بحيرة طبريا دون تأشيرة دخول). (يديعوت أحرونوت 13/11) وهذا ما يؤكده أيضا المحلل الإسرائيلي تسفي بارئيل، بالعبارات التالية: (الطريق إلى دمشق قصير. الكثير منه شق حتى الآن. ثمنه معروف. انسحاب إسرائيلي كامل من هضبة الجولان مقابل السلام الكامل بما في ذلك التطبيع). (هاآرتس 1/11/2009) حتى أن الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، أكد علنا (9/12) هذا البعد الإقليمي بقوله: (لا يمكن التحدث عن هضبة الجولان دون التحدث عن انفصال سوريا عن إيران وحزب الله). ومعلوم أن إسرائيل باتت تضع إيران على رأس سلم المخاطر التي تتهددها، بدعوى تزايد نفوذها في المنطقة وسعيها لحيازة الطاقة النووية.
وكما أصبح معروفا، فإن سياسة الضغط والابتزاز والتهديد تلك، التي انتهجتها إدارة بوش، أخفقت في ثني سوريا عن مواقفها، مثلما أخفقت في فرض ترتيباتها في العراق وفي عموم الشرق الأوسط. هكذا شهدنا عودة العلاقات الأوروبية ـ السورية إلى سابق عهدها، وتوطد العلاقات السورية ـ التركية (في مقابل انفكاك العلاقة التركية ـ الإسرائيلية)، وتراجع الولايات المتحدة، في ظل الإدارة الحالية (أي إدارة أوباما) عن سياسات سابقتها، إزاء سوريا، بدعوى أن التسوية السورية ـ الإسرائيلية ستفضي حتما لتغيرات في السياسة السورية الخارجية.
لكن مع كل هذا المتغيرات فإن المطلوب من سوريا إقليميا لم يتغير، فقط ما تغير هو التخلي عن طلب (سلفه) من سوريا، تتمثل بإدخال تغييرات على سياساتها الإقليمية، واعتبار هذا الأمر كنتيجة لعملية التسوية، بدل أن يكون مقدمة لها.
لكن كل ذلك لا يعني أن مصير الهضبة السورية المحتلة بات مرتهنا فقط بأثمان في السياسة الإقليمية، ذلك أن ثمة أمرين أساسيين ما زالت إسرائيل تصر عليهما، وهما الترتيبات الأمنية والمصالح المائية. وفي هذا الإطار يقول رؤوفين بدهتسور: (إذا استؤنفت المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، فإنه كون الثمن ـ النزول من هضبة الجولان ـ معروفا، فما سيكون على جدول الأعمال هو أمن إسرائيل.. رغم التغييرات.. التي طرأت على هيكل الجيش السوري، حجمه ومنظومات سلاحه.. يكفي تجريد الهضبة (من السلاح) وحماية مصادر المياه لإسرائيل (بحيرة طبريا ومصادر نهر الأردن)، لضمان شروط أمن كافية.. الانسحاب من الهضبة بالذات سيحسن الردع).
هكذا فإن بقاء الجيش الإسرائيلي في الجولان لدواعٍ أمنية (عند فدهستور) لم يعد له جدوى، على أساس أن (الحرب التالية مع سوريا، إذا ما اندلعت ستتميّز بقدر أقل بمعارك المدرعات واحتلال الأراضي، وبقدر أكبر بإطلاق الصواريخ والمقذوفات الصاروخية نحو الجبهة الداخلية الإسرائيلية. لدى الجيش السوري نحو ألف صاروخ باليستي، مداها بين 300 و 700 كم، تغطي كل نقطة في إسرائيل). ولتدعيم المناخ الأمني يقترح فدهستور مرابطة قوات فصل أجنبية في الهضبة، تفصل بين الجيشين وتراقب الطرفين ينفذان شروط الاتفاق «هاآرتس 25/11». هكذا يبدو أن المسألة الجغرافية محسومة في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، وما تبقى هو ما يتعلق بالترتيبات الأمنية والمائية والسياسات الإقليمية.
على ذلك، ومع أن توقع احتمال إقدام حكومة نتانياهو على تسوية مع سوريا هو مجرد احتمال ضئيل، إلا أنه ينبغي وضعه في الحسبان، في احتمالات الاستراتيجيات السياسية، وفي مجال استشراف السيناريوهات المستقبلية.

  رجوع