الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....  --( هل تقترب المنطقة من السلام في العام الجديد ؟! )--

الجوار الإقليمي ومستقبل السلام في المنطقة
بشير عبد الفتاح
باحث في العلوم السياسية


غير أن التأثير الذي يمكن أن يتركه الجوار الجغرافي على العلاقات الإقليمية ما يرتهن بالآليات التي تتعامل من خلالها تلك الدول مع بعضها البعض ومع التحديات التي تفرض نفسها في تعاملاتها وما يمكن أن تضطلع به القوى العالمية والدولية من دور في التعاطي مع هذه التحديات. وفي منطقتنا، لا تزال المشكلات والصراعات الناجمة عن الجوار الجغرافي قائمة ان لم تكن متنامية، كما لا تزال القوى الإقليمية كما لو كانت متأقلمة، ومستفيدة من هذا الوضع الذي يستنزف دول المنطقة ويدمي شعوبها.
فلا زالت الجراح التي أوجدها الصراع العربي ــ الإسرائيلي تنزف في ظل التعنت الإسرائيلي وإخفاق إدارة الرئيس أوباما في حمل إسرائيل على الاستجابة لنداء السلام وحل الدولتين بما يلقي بظلال من الغيوم على مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة. يأتي هذا بالتزامن مع تصاعد التوتر على خلفية برنامج إيران النووي والتهديدات بالتصعيد العسكري المتبادل بينها وبين إسرائيل، التي لم يقتصر القلق الذي تثيره بالمنطقة على تفاعلاتها مع الدول العربية وإيران فحسب، وإنما امتد ليطول أيضاً دولاً صديقة لها مثل تركيا، حيث تصاعد التوتر بين أنقرة وتل أبيب متخذا أشكالا شتى بدءا بالحروب الكلامية، مرورا بإلغاء كثير من المسؤولين الأتراك للقاءات ومقابلات رسمية مع نظرائهم الإسرائيليين، وتأجيل وتجميد صفقات عسكرية أو إلغاء مناورات عسكرية مشتركة، على نحو لم تشهده تلك العلاقات منذ تدشينها في أعقاب اعتراف البرلمان التركي بإسرائيل في عام 1949.
ويمكن الادعاء بأن التوتر الراهن في العلاقات التركية ــ الإسرائيلية لم يكن وليد اليوم وإنما هو نتاج لتراكمات من المد والجزر والاحتقان المكتوم بين البلدين، ازدادت وطأتها إثر بعض التطورات المحلية والإقليمية المهمة، التي بدأت بوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في نوفمبر من عام 2002 وتشكيله الحكومة التركية منفردا، ومن بعد ذلك الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 وما استتبعه من تداعيات على العلاقات بين واشنطن وأنقرة عقب افتضاح أمر المخططات الأمريكية والإسرائيلية حيال الأكراد في شمال العراق، مرورا بتصعيد تل أبيب لخروقاتها ضد الفلسطينيين على نحو أفرز ضغوطات هائلة على حكومة العدالة والتنمية ذات الجذور الإسلامية، وعزز من فرص تفجر الخلافات بين أنقرة وواشنطن على أكثر من صعيد.
ففي ضربة مدوية للإسرائيليين، تلقى التعاون العسكري بين البلدين والذي يسير بخطى واثقة منذ عام 1996، صفعة قوية مع إقدام السلطات التركية على تجميد عمليات التنسيق والتشاور مع الإسرائيليين في مجال الاستخبارات، ثم إلغاؤها مناقصات وعقودا كانت قد أبرمتها مع الصناعات الحربية الإسرائيلية حول تحديث طائرات ودبابات تركية وعقود الشراء والمشاركة في تصنيع طائرات إسرائيلية، فضلا عن صفقة أخرى في مجال الأقمار الاصطناعية. وفى مايو الماضي، لم يستبعد مسؤول عسكري تركي أن تلغي بلاده صفقة مع إسرائيل لشراء اثنتي عشرة طائرة تجسس من دون طيار من طراز «هيرون» بتكلفة 183 مليون دولار، كانت قد تعاقدت عليها تركيا عام 2005 مع الصناعات الجوية الإسرائيلية على وفي سياق متصل، سددت حكومة العدالة التركية لطمة موجعة لإسرائيل بإعلانها إرجاء المناورات العسكرية الجوية السنوية المشتركة التي كان من المقرر أن تستضيفها تركيا في الفترة ما بين 12 إلى 23 أكتوبر الماضي بمشاركة الولايات المتحدة وعدد من دول حلف شمال الأطلسي إلى جانب إسرائيل للعام السادس على التوالي، والتي يطلق عليها «نسر الأناضول»، إلى أجل غير مسمى وذلك بعد انسحاب الولايات المتحدة منها بسبب رفض تركيا دعوة إسرائيل للمشاركة فيها.
وعلاوة على ذلك، تطل برأسها قضية المياه بين تركيا وكل من سوريا والعراق، إذ لم تكن الانطلاقة التقاربية لحكومة العدالة والتنمية مع دول الجوار التركي وتوقيعها في منتصف أكتوبر الماضي نحو 48 اتفاقية تعاون وشراكة مع الحكومة العراقية، وافتتاحها ثلاث قنصليات في مدن عراقية مهمة كالبصرة والموصل وأربيل لاحقاً، وتوقيعها نحو 40 اتفاقية وفتح الحدود بينها وبين سورية، سبقها توقيع اتفاقيات للتهدئة والانفتاح وفتح الحدود مع أرمينيا، بعد عقود من العداء وإغلاق الحدود، فضلا عن إقامة مجالس للتعاون الاستراتيجي مع جيرانها تشمل القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية والنفطية وغيرها بما يجعل من تركيا واسطة عقد المنطقة وبوابة عبور إلى جهاتها الأربع، لم يكن ذلك كله لينعكس بالإيجاب على مشاكل المياه العالقة بين تركيا وكل من سوريا والعراق.
ومن جانبها، لم تأت حكومة العدالة بجديد ملموس لتسوية تلك القضية المزمنة، حتى إعلان أردوجان في بداية زيارته الأخيرة للعراق، بأنه أمر بزيادة ضخ المياه التركية إلى سورية والعراق لتصل إلى 550 متراً مكعباً في الثانية، لم يكن خطوة على طريق التسوية الدائمة للقضية، إذ توقف هذا الضخ في العشرين من أكتوبر الماضي، ليعود إلى مستويات أقل من ذلك علماً أن اتفاقيات أولية بين تركيا وسورية والعراق نصت على إطلاق وضخ 500 متر مكعب في الثانية كحد أدنى، إلاّ أن الأمر لم يسر حسب تلك الاتفاقيات في السنوات السابقة حتى نهاية العام 2009 التي كان الوضع خلالها كارثياً، إذ وصل الضخ فيها إلى نحو نصف الكمية المتفق عليها في الصيف الماضي الذي كان قاسياً وفائضا، وعادت حكومة العدالة والتنمية مجددا للاستعاضة عن زيادة حصة البلدين من المياه بمطالبتهما بإعادة تأهيل شبكات الشرب والري والصرف فيهما لتقليل الفاقد من المياه. ونتيجة لذلك، هدد العراق بقطع علاقته مع إيران وتركيا إذا استمرتا في حجب المياه عنه، وقال الأمين العام لمجلس الوزراء علي العلاق إن علاقة الحكومة مع كل من تركيا وإيران في الجوانب التجارية والسياسية والاقتصادية ستتوقف مراعاة لضمان حقه في المياه، مشدداً على أن هذا سيستمر حتى يتم وضع اتفاق واضح ومحدد لتأمين استمرار تدفق المياه باتجاه العراق دون الخضوع لأهواء هذه الدول.
وفى سياق مواز، أطل برأسه تعثر جهود تسوية المسألة الكردية المتفجرة، فلم تحل مساعي حكومة العدالة والتنمية التركية لتسوية المسألة الكردية على نحو سلمي وديمقراطي، والتي تلقى ترحيبا غربيا منذ انطلاقها قبل سنوات قلائل، دون بروز معوقات تهدد بإجهاض تلك المساعي وتثير الشكوك حول جدواها. فبعد أن أوقفت السلطات التركية خمسة من «مجموعة سلام» تضم 34 شخصا كان حزب العمال الكردستاني قد أرسلهم من شمال العراق إلى تركيا منذ أسابيع، في انفتاح من الحزب على مبادرة حزب العدالة والتنمية، التي أطلقها مطلع أغسطس الماضي لإنهاء الصراع الكردي، تعطلت مساعي حكومة أردوجان لتسوية المسألة الكردية سلميا على خلفية قيام المحكمة الدستورية العليا التركية في يوم 11 ديسمبر الشهر الحالي، وبإجماع أعضائها الأحد عشر بما فيهم رئيسها هاشم كليج، بإصدار قرار نهائي وقطعي وغير قابل للطعن، بإغلاق حزب المجتمع الديمقراطي الكردي فضلا عن إسقاط عضوية نوابه الثمانية، بمن فيهم أبرز رموزه المعتدلين من أمثال زعيم الحزب أحمد تورك والنائبة أيسل توغلوك في البرلمان التركي ورفع الحصانة عنهم، كما قضت بمنع 37 قياديا في الحزب، على رأسهم تورك نفسه، من ممارسة العمل السياسي والنقابي لمدة خمسة أعوام، فضلا عن مصادرة أموال وممتلكات الحزب وفرض غرامات مالية على عدد من قياداته.
وما من شك في أن قرار الإغلاق، الذي يعد 27 من نوعه منذ عام 1968 والخامس لحظر أحزاب كردية منذ العام 1995، مردودات مهمة على الصعيدين المحلي والإقليمي. فإلى جانب تسببه في اندلاع توترات وحالة من عدم الاستقرار لا سيما داخل المناطق الكردية، فإن القرار سيعيد خلط الأوراق ويلقي بظلال من التحدي على مساعي حكومة العدالة والتنمية فيما يخص تفعيل مبادرة الانفتاح الديمقراطي التي أطلقتها في أوائل أغسطس عام 2009 وتهدف بالدرجة الأولى إلى حل المشكلة الكردية وضمناً مشكلة سلاح حزب العمال الكردستاني، خصوصا وأن حزب العمال الكردستاني سيبقى هو الممثل الوحيد للأتراك.
وليس الوضع بين الجارتين الكبريين تركيا وإيران بالأفضل حالا، فمن جانبها، لم تخف إيران قلقها جراء علاقات تركيا الاستراتيجية بإسرائيل والولايات المتحدة في وقت تشهد علاقات طهران بكلتيهما تدهورا متناميا، أفضى بدوره إلى أن يحظى تعاظم الدور الإقليمي التركي بدعم من واشنطن بينما تقابل مساعي طهران لبسط نفوذها في المنطقة بإجراءات إجهاضية من قبل واشنطن وتل أبيب، فضلا عن عودة أنقرة إلى التحليق مجددا في فضاء ما يسمى بالعالم التركي، الذي تنازعها إيران النفوذ في شطر حيوي منه والمتمثل في آسيا الوسطى والقوقاز وبحر قزوين، والذي يشكل محور ارتكاز لأمن الطاقة العالمي لما بحوزتها من رصيد هائل من النفط والغاز. الأمر الذي يغذي مخاوف طهران من انبعاث الصراع التاريخى بين الجانبين في هذه الساحة منذ تنازع المشروعين الصفوي الإيراني بزعامة الشاه عباس الصفوي من جهة، والعثماني التركي بزعامة السلطان مراد الثالث من جهة أخرى، النفوذ فيها.
أما تركيا من جهتها، وعلاوة على ما يثيره تقارب حكومة العدالة مع إيران من قلق دوائر تركية علمانية وعسكرية ترى أن إيران مثقلة بمشاكل وخصومات مع إسرائيل والغرب بالقدر الذي يهدد بتعكير صفو علاقات أنقرة مع كليهما، فينتابها قلق من تعاظم النفوذ والحضور الإيرانيين داخل العراق في الوقت الذي يبدو نفوذ تركيا هناك غير متناسب مع مصالحها وتطلعاتها للمجموعة، استنادا إلى عوامل شتى لعل أبرزها تواضع الثقل الديمجرافي والسياسي للأقلية التركمانية في العراق بالتزامن مع التضييق الكردي عليهم مقارنة بتعاظم نفوذ الشيعة الموالين لإيران، وهو ما يزج بتركيا إلى مؤازرة التحالف العربي والغربي المناهض للنفوذ الإيراني في العراق. وبرغم ما تبديه تركيا من تفهم للمقاصد المدنية للبرنامج النووي الإيراني، تشكل الطموحات النووية العسكرية الإيرانية غير المعلنة مصدر إزعاج حقيقي لها من جهتين: تتجلى أولاهما في أنه إذا ما تسنى لإيران إنتاج السلاح النووي عبر صفقة سرية مع واشنطن وتل أبيب، فمن شأن ذلك أن يخل بالتوازن الاستراتيجي الذي يعد الدعامة الرئيسية لاستقرار العلاقات بين أنقرة وطهران، مما قد يدفع أنقره هي الأخرى إلى إعادة النظر في حيادها النووي، خاصة وأنها دولة غير نفطية بينما تلاحقها حاجة متزايدة للطاقة. وهو توجه ليس بالمستحدث على تركيا، حيث لاحت بوادره بعد ساعات من إعلان إيران نجاحها في تخصيب اليورانيوم، حينما أعلنت أنقرة اختيار مدينة سينوب على البحر الأسود موقعاً لإقامة أول المفاعلات النووية التركية الثلاثة التي تنوى إقامتها، توطئة للخروج من إطار الدولة المستودع للذخيرة النووية الأمريكية وإنهاء تبعيتها في ميدان الطاقة للدول النفطية المجاورة.
أما ثانيتها، فتكمن في أن فشل طهران في إبرام صفقة مع واشنطن وتل أبيب تخولها امتلاك السلاح النووي وما يستتبعه ذلك من إقدام إسرائيل أو أمريكا أو كليهما معا على القيام بعمل عسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية، من شأنه أن يضع تركيا في موقف لا تحسد عليه، إذ ستدخل في دوامة جديدة من الجدل حول السماح أو عدم السماح بتسخير أجوائها وقواعدها الجوية لهذا الغرض على نحو يحمل في طياته تهديدا ليس فقط للأساس التفاهمي للعلاقات التركية الإيرانية، وإنما يطوي بين ثناياه أيضا احتمالات لانبعاث التوتر في علاقات أنقرة بواشنطن مجددا كما بتل أبيب هي الأخرى على غرار ما جرى في عام 2003 إبان الغزو الأمريكي للعراق.
هذا ناهيك عن اضطرار تركيا إلى تحمل التبعات الأمنية والسياسية والاقتصادية الثقال لمثل هذا العمل العسكري ضد إيران حالة وقوعه.
وانطلاقا من خبرة العلاقات والتفاعلات بين دول المنطقة فيما بينها من جهة وبينها وبين القوى الإقليمية والدولية من جهة أخرى.
ولذا يبدو جليا أن الجوار الجغرافي لا يمكن أن يصير عنصر سلام واستقرار وتنمية من خلال الأمنيات والتصورات التفاؤلية وحدها خلال العام الجديد، وإنما يتطلب تحول هذا التصور إلى واقع عملي خطوات وإجراءات وسياسات تنتهجها دول المنطقة ومعها القوى الإقليمية والدولية الأخرى المتفاعلة معها في ذات الإقليم والمعنية بما يجري فيه، من أجل إقرار السلام والأمن والاستقرار في المنطقة ودفع شعوبها باتجاه التنمية والديمقراطية.
ويأتي في صدارة تلك الخطوات والإجراءات التنسيق ما بين تلك القوى والأطراف وبعضها البعض بما يساعد على إيجاد تسوية دائمة وعادلة للقضايا الخلافية العالقة والمشكلات والصراعات المزمنة كالصراع العربي ــ الإسرائيلي وفى القلب منه قضية الفلسطينية، علاوة على قضايا المياه والحدود والمجموعات الإثنية وانتشار أسلحة الدمار الشامل والديمقراطية والفقر وغيرها.
وحالة ما إذا تحقق ذلك، يمكن حينئذ للجوار الجغرافي في منطقة الشرق الأوسط أن يتحول إلى ركيزة للاستقرار وضمانة للأمن والسلام وقاعدة للتنمية والديمقراطية، ليس لدول المنطقة ككل فحسب، وإنما للعالم أجمع.

  رجوع