وفقًا لما
أعلنته المصادر القريبة من ملف الحوار
الفلسطيني ـ الفلسطيني بالقاهرة، فإن 28 يوليو
الحالي هو موعد التوقيع على اتفاق المصالحة
الذي طال انتظاره، بدلا من يوم السابع من
يوليو الذي كان محددًا سلفا.
ومع أن المواعيد في ذاتها ليست أمرًا يصعب
تجاوزه لأنها يمكن أن تعدل لأي تطور مفاجئ،
إلا أن وضع سقف زمني للمرة الثانية لإعلان
الاتفاق بهذا التاريخ الجديد يعني شيئين
أولهما أن هناك إنجازا تحقق بالفعل يجعل من
الاتفاق أمرًا مفروغ منه خصوصًا بالنسبة لملف
المعتقلين لدى الجانبين فتح وحماس. وثانيهما
أن القاهرة أرادت وضع فتح وحماس أمام أمر واقع،
مما يعني ضرورة أن يتراجع كل طرف عن تشبثه
بقضايا فرعية تعرقل الاتفاق، وللضغط عليهما
أمام الرأي العام العربي الفلسطيني لإنهاء
جولات الحوار القائمة منذ نحو 5 شهور بنتيجة
إيجابية، وأنه لا مناص من هذه النتيجة كما
يفهم من تعبير مصدر مصري مسؤول قريب من ملف
الحوار الذي قال إن المصالحة لا تحتمل التأجيل.
حقيقة الأمر أن الشهور الخمسة الماضية مرت
عبثًا برغم الخلافات التي كانت تنشب بين جلسة
وأخرى لأنها شهدت متغيرات عربية وإقليمية
ودولية خلقت مناخًا مواتيًا إلى حد كبير
لإنجاز المصالحة.
وكانت هذه المتغيرات على عكس سياق العلاقات
الفلسطينية ـ الفلسطينية التي لم تشهد في
الحقيقة مبادرات من أطرافها تساعد على حلحلة
الموقف، بمعنى أن المتغير الخارجي (عربيًا
وإقليميًا ودوليًا) دفع في اتجاه إتمام
المصالحة، بينما كان المتغير الداخلي (الموقف
الفلسطيني نفسه) في الاتجاه المضاد. وما حسم
التطورات في ملف الحوار هو أن المتغير الخارجي
فرض التزاماته على أطراف الصراع الفلسطينى
الداخلية مما أدى إلى تخفيف مطالبهم تجاه
بعضهم البعض ومن ثم تقريب المواقف حول العناصر
الأساسية التي تضمنتها أجندة الحوار.
ومنها المعتقلين والأمن والانتخابات وحكومة
الوحدة الوطنية، ولم لم يكن المتغير الخارجي
بالقوة الكافية لما أمكن الحديث عن قرب إتمام
المصالحة.
عربيًا أمكن تجاوز الخلاف الذي دب على خلفية
أحداث غزة (ديسمبر 2008) عندما انقسم العرب
آنذاك وبين فريقين تحت تعبير قوى الممانعة
وقوى الاعتدال، الأول يتهم الثانى بالتفريط في
المقاومة والحقوق الفلسطينية والانحياز للموقف
الإسرائيلي أو بالأحرى التقاعس الخطير في
مساندة أبناء غزة وبالمشاركة فيما وصف بأنه
مؤامرة لتصفية القضية الفلسطينية، والثاني
يتهم الأول بالمتاجرة بالقضية وشق الصف العربي
والانحياز لتطبيق أجندة إقليمية تريدها إيران
لإعادة رسم سياسات المنطقة العربية بعيدًا عن
العالم العربي من خلال تفاعلات القضية
الفلسطينية وتعقيداتها. وبعيدًا عن حملات
الإعلام المتبادلة على خلفية هذا الخلاف، عملت
القيادات السياسية العربية في اتجاه مختلف هو
البناء على أوجه الاتفاق في الموقف العربي
وتجنب أوجه الخلاف، واحتاج ذلك سلسلة من
اللقاءات التصالحية بدأت بقمة الكويت
الاقتصادية أوائل العام ثم تتابعت عبر لقاءات
ثنائية على مستوى القمة شملت مصر والسعودية
والأردن وسوريا والسلطة الفلسطينية في مسارات
متنوعة وتوقيتات مختلفة، كما ظهرت في القمة
العربية بالدوحة في مارس الماضى. ومن المؤكد
أن هذه اللقاءات أوجدت مناخًا عربيًا من
التهدئة حتى وإن لم تكن قد قطعت بأن المصالحة
العربية قد تحققت بالفعل. وكان أبرز ما في هذه
اللقاءات هو العمل على ألا تؤدى الخلافات
العربية إلى تأجيج الخلاف الفلسطيني ـ
الفلسطينى، بل على العكس ضرورة أن يساعد
الجميع في إنجاح الحوار واضعًا مواقفه الذاتية
جانبا. وعربيًا أيضا أمكن فصل ملف حزب الله
الذي دخل طرفًا في أزمة العلاقات العربية حول
الموضوع الفلسطينى عن مجريات الحوار
بالقاهرة.وحيث كان الحوار الفلسطيني قد بدأ
بالفعل مع بداية موجة الخلافات العربية
الجديدة، فإن من تابع تطوراته لمس توافر
الأجواء العربية لإنجاحه، وإلا ما كان قد
استمر 6 جولات.
ولم تكن المتغيرات الإقليمية أقل تأثيرًا فيما
يتعلق بتوفير أجواء مناسبة للحوار الفلسطينى،
فمن ناحية تحسنت إلى حد كبير العلاقات السورية
الأمريكية في ظل إدارة أوباما الجديدة واختفت
أجواء الاستقطاب السياسي التي سادت المنطقة
بسبب التوتر بين دمشق وواشنطن أيام الرئيس
السابق جورج بوش. وأزاح هذا التطور قدرًا
كبيرًا من القلق السوري من مجريات عملية
السلام وتحديدًا فيما يتعلق بتسوية القضية
الفلسطينية، الأمر الذي عكس نفسه في تجاوب
حماس والفصائل الموجودة مقراتها بدمشق مع
أجندة الحوار.
ومن ناحية ثانية فإن إيران انشغلت بقضية
الانتخابات بكل تفاعلاتها الجديدة وبدت
سياستها تجاه المنطقة في مرحلة مراجعة على ضوء
الخلاف بين الإصلاحيين والمحافظين مما قلل من
حدة دورها في ملف الصراع في الشرق الأوسط وجعل
الأطراف الفلسطينية خصوصًا حماس تعيد حساباتها
على ضوء تطورات الواقع الإيراني الجديد،
والنتيجة أن هاجس التدخل الإيرانى الذي ظل
يقلق أطراف عربية أساسية في الصراع توارى إلى
حد ما أو أن الساحة الفلسطينية خلت من
تداعياته.
ومن ناحية ثالثة فإن الساحة الإسرائيلية ساهمت
بدورها في دفع الحوار الفلسطينى برغم وجود
حكومة يمينية متشددة بقيادة بنيامين نتانياهو،
فقد تم الحفاظ على التهدئة التي تحققت بجهود
مصرية بين إسرائيل وحماس وتوقف قصف المناطق
الإسرائيلية القريبة من غزة بالصواريخ وامتنعت
حكومة نتانياهو عن مباشرة أعمال عدائية تجاه
القطاع، كما حدث تقدم كبير في ملف الأسرى
الفلسطيني وفي قضية الجندي الإسرائيلى جلعاد
شاليط، بينما كانت قضية المعابر قد تمت
حلحلتها بفعل تحركات عربية ودولية عديدة مما
أشاع قدرًا من الهدوء داخل غزة وساهم في تخفيف
معاناة أبناء القطاع ولو نسبيًا.
وأما دوليًا فإن وجود إدارة أمريكية جديدة
بقيادة أوباما كان له وقع السحر في تحريك
الملف الفلسطيني بالقدر الذي أعطى الفلسطينيين
والعرب شعورًا بالأمل في المستقبل مما ألقى
بالكرة في ملعب الأطراف الفلسطينية وحفزها على
أن تبدو شريكًا قويًا في أى تسوية سياسية
مقبلة، ولا يتحقق لها هذا الدور إلا من خلال
وحدة الصف أو بالأحرى إنجاح الحوار والوصول
إلى اتفاق للمصالحة.
فمع كل التحفظات التي طرحتها حماس على سياسة
أوباما، إلا أنها لم تشأ أن تدخل في مواجهة مع
الإدارة الجديدة، بل على العكس عملت على فتح
الأبواب للحوار معها كلما أمكن ذلك. ومن تابع
أطروحات أوباما سواء عقب توليه الحكم أو كما
جاء في خطابه بجامعة القاهرة، وكذلك ما ورد
على لسان هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية
الأمريكية وجورج ميتشيل مبعوث الإدارة
الأمريكية للشرق الأوسط يلمس حقيقة جديدة في
الموقف الأمريكي هي الاستعداد لقبول حماس
طرفًا أساسيًا في الحل مقابل أن تقبل الأخيرة
شروط الدخول في العملية السلمية.
وقد لوحظ أن أوباما لم يصف حماس في خطابه
بجامعة القاهرة بالمنظمة الإرهابية، كما لوحظ
الدور الذي يلعبه جيمى كارتر الرئيس
الديمقراطى الأسبق صاحب التأثير في تعديل
مواقف الإدارة الأمريكية من حماس وسوريا.
وبالمقابل فإن حماس قابلت هذه التطورات
الإيجابية في الموقف الأمريكى بقدر من الحكمة
التي تشير إلى استعداد للتعاون في إنجاز
العملية السلمية.
لقد توافرت بالفعل أجواء عربية وإقليمية
ودولية مواتية للحوار الفلسطيني، ولكن ذلك لم
يقلل من تأثير الانقسام الفلسطيني الداخلي،
ولذلك فإن جولة الحوار التمهيدية السادسة وصفت
بالحاسمة لأنها تركزت على إغلاق الخلافات في
الملفات الشائكة التي تمثل مصالح مهمة لدى كل
من الطرفين الرئيسيين وهما فتح وحماس ومنها
الملف الأمني وتحديدًا الإفراج عن المعتقلين
لدى كل طرف ووقف المطاردات المتبادلة بين
عناصر كل منهما، وكيفية تشكيل حكومة الوحدة
الوطنية بما لا يؤدى إلى أن تكون على حساب طرف
ضد آخر، وإدارة غزة وكذلك معبر رفح من جهة
الأراضي الفلسطينية وقواعد إجراء الانتخابات
البرلمانية والرئاسية المقبلة. وإذا كان من
الصعب الجزم بأن الخلافات لم تعد قائمة في أي
من هذه الملفات إلا أنه من المؤكد القول إن
هناك صيغة ما أمكن للوسيط المصري التوصل إليها
في هذا الشأن تحقق بعض المطالب لكل طرف لا
كلها وأن أي من الطرفين عليه أن يتقبلها
ويتعامل معها إيجابيًا في المستقبل المنظور
على الأقل خصوصًا إذا صدقت الأنباء بأن ملف
تبادل الأسرى وملف الجندي شاليط سيشهدان
تطورات مهمة في القريب العاجل. وكانت إسرائيل
قد أفرجت عن قيادات فلسطينية مهمة كانت معتقلة
لديها منذ أيام.
المصالحة بالمعنى السابق تحولت اليوم إلى هدف
سياسى في حد ذاته يجب تحقيقه بعيدًا عن
ملابساتها الفنية، أي الوفاء بمطالب هذا الطرف
الفلسطيني أو ذاك، ومن هنا إصرار الطرف المصرى
على أن تتم في موعدها المقترح، ليس فقط حتى لا
يكون الحوار بلا نهاية، وإنما لاستغلال الفرصة
المتاحة الآن للتوصل إلى تسوية سياسية لأزمة
الشرق الأوسط، تلك الفرصة التي يعتبرها الجميع
تاريخية نظرًا لوجود رئيس أمريكي مثل أوباما
أخذ على عاتقه تفعيل حل الدولتين (أي إقامة
دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة)، ومن
ضرورات هذه الفرصة وجود طرف فلسطيني واحد قادر
على تحمل المسؤوليات التي ستلقى عليه في هذه
التسوية وهو ما لن يتحقق إلا بإتمام المصالحة
الفلسطينية.
واليوم ينظر لهذه المصالحة على أنها قرار
سياسي فلسطيني عام لا تختلف فيه حماس عن فتح
أو غيرهما، يتعالى فوق الخلافات المباشرة التي
لا يمكن لأحد الجزم تمامًا بأنها ستنتهي بسبب
خلفيات الصراع العميق بين الفصائل لأسباب
تاريخية ومعاصرة ليس هذا مجال الخوض فيها. ولو
نظرنا للمسألة من جانبها الآخر وهو احتمال
الفشل، فإن الطرف الذي سيتحمل المسؤولية
التاريخية فيه هو كل الفصائل الفلسطينية،
خصوصًا أن هناك خطة لإعادة إعمار غزة تنتظر
هذا الموقف التاريخى بإتمام المصالحة
الفلسطينية، وهناك حكومة إسرائيلية يمينية
تراهن على استمرار الانقسام الفلسطيني، وهناك
قوى عديدة في الولايات المتحدة وأوروبا ذات
ميول صهيونية تراهن على أن يفشل أوباما في فك
عقدة السلام بالشرق الأوسط، فضلا عن أن الموقف
العربي من الممكن أن يخسر حالة التهدئة
القائمة الآن بين أطرافه أمام أى مظهر للفشل
يمثله عدم التوصل إلى المصالحة الفلسطينية..
إنه اختيار سياسي للفلسطينيين جميعًا، بين
الانطلاق إلى الأمام أو العودة إلى الوراء.