الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....  --( هل تقترب المنطقة من السلام في العام الجديد ؟! )--

حدود الدور الخارجي في سلام واستقرار المنطقة
سامح راشد
باحث في العلوم السياسية


مع حلول العام الجديد، لا تزال منطقة الشرق الأوسط تبحث عن الاستقرار والسلام في معظم القضايا والملفات المفتوحة فيها. وليس من المتوقع بحال أن يشهد عام 2010 طفرة مفاجئة باتجاه حل أو تسوية مشكلات المنطقة. لكن المأمول أن تحدث انفراجات تدريجية وتطورات إيجابية تساعد لاحقاً على إحلال السلام والأمن بالمنطقة.
ولما كانت قضايا ومشكلات المنطقة معقدة ومتداخلة بطبيعتها، فإن شروط ومتطلبات ذلك السلام والاستقرار متعددة بدورها. ومن بين تلك المتطلبات أن يكون لكل الأطراف المعنية بشؤون وأوضاع المنطقة دور في السعي نحو إحلال السلام والأمن فيها، بما في ذلك أطراف المشكلات الأصليين، وكذلك الأطراف ألأخرى المعنية بها سواء استفادة أو تضررا. ومن المعروف أن للأطراف الخارجية دوراً أساسياً في قضايا المنطقة منذ زمن طويل، حتى أصبح العامل الخارجي يمثل حالياً جزءاً لا يتجزأ من تفاعلات المنطقة وصيرورة أحداثها. وقد لا يكون صحيحاً ما يطلق عليه «نظرية المؤامرة» في تفسير الأحداث والتطورات الداخلية والإقليمية، تلك النظرية التي شاعت طويلاً في فترة الحرب الباردة عندما كان الاشتراكيون وأنصار المعسكر الشرقي يعزون كل تطور سلبي أو مشكلة داخلية أو إقليمية إلى مؤامرة يحيكها الغرب.
ورغم أن تلك النظرية لم تعد رائجة حالياً بعد ثبوت مسؤولية الدول والمجتمعات عما يجري فيها ولها، إلا أن انتفاء المؤامرة أو عدم القدرة على إثباتها لا يعني بحال أن العامل الخارجي ليس موجوداً أو أنه غير مؤثر في الشؤون الإقليمية والداخلية. فإذا لم يكن العامل الخارجي حاضراً من مدخل التسبيب بتحريك المشكلات والقضايا لتحقيق مصالحه، فعلى الأقل هو حاضر من مدخل التعامل مع تلك المشكلات والقضايا للغرض ذاته وهو الحفاظ على مصالحه وتعظيمها.
بالنظر إلى قائمة القضايا والمشكلات العالقة في منطقة الشرق الأوسط حالياً، يمكن بسهولة ملاحظة أن عام 2009 لم يشهد نقلات إيجابية ملموسة في أي من المشكلات والتحديات المطروحة أمام المنطقة، بل على العكس، شهدت المنطقة انتكاس بعض الملفات، وتفجر أخرى كانت كامنة، وظهور مشكلات جديدة لم تكن موجودة من الأصل. بالتالي ليس من المتوقع أن يكون عام 2010 عام التسويات والانفراجات الإقليمية على نطاق واسع، لكن المشكلات القائمة والأخرى التي تفجرت من الخطورة والسخونة بما يكفي لضرورة تحرك مختلف الأطراف المعنية بأمن وسلام المنطقة بهدف تطويق وتحجيم المخاطر المرتبطة بتلك المشكلات سواء ما ظهر منها بالفعل أو المخاطر المؤجلة. في ظل هذه المعطيات من الطبيعي أن تزداد أهمية ومحورية أدوار القوى والأطراف الخارجية في التعامل مع المنطقة خلال العام الجديد. والسؤال، إلى أي مدى يمكن للأطراف الخارجية المساهمة في إرساء السلام والأمن المرجوين؟
إجابة هذا السؤال تتضمن شقين، الأول يتعلق بامتلاك الأطراف المعنية مقومات وإمكانات تلك المساهمة. والثاني هو مدى رغبتها في ذلك أو بالأحرى مدى توافق أو تعارض تلك المساهمة مع مصالح وأهداف وسياسات تلك القوى الخارجية.
في الشق الأول، ينبغي التعرف على خريطة القوى الخارجية المنغمسة في قضايا الشرق الأوسط، وتحديد إمكانات وحدود التأثير المتاح لكل منها. وبداهة تأتي الولايات المتحدة الأمريكية على رأس القائمة، يليها الاتحاد الأوروبي سواء ككيان واحد أو الدول الأعضاء فيه. بعد ذلك تأتي كل من روسيا واليابان والصين. وواضح أن القائمة تضم تقريباً كل الدول المؤثرة في التفاعلات الدولية ككل وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، مما يحمل دلالة مهمة لجهة مكانة المنطقة ومركزيتها في الساحة الدولية، بما يكفي لتكالب القوى الكبرى عليها والاهتمام بمتابعة ما يجري فيها والتأثير فيه.
بالنظر إلى القوى المشار إليها، يمكن بسهولة من خلال الترتيب المعروض إدراك التفاوت في قدرات كل منها التأثيرية على المنطقة، بيد أن الجدير بالملاحظة هو طبيعة ونطاق التأثير الخاص بكل منها. بالولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر الأطراف العالمية قدرة وتمكناً من التأثير في قضايا المنطقة بل وربما توجيه دفتها بالصورة في الاتجاه الذي تريده، ويشمل ذلك مختلف أنواع الإمكانات التأثيرية بدءاً بالقدرات العسكرية مروراً بالسياسية والدبلوماسية انتهاء بالأداة الاقتصادية. في حين تتوزع أوجه وصور القوة والتأثير بين الأطراف الأخرى بشكل متفاوت كماً ونوعاً؛ فالصين مثلاً تفتقد القدرة السياسية على التأثير مقارنة بقدراتها الاقتصادية الهائلة التي بدأت تستخدمها بالفعل في المنطقة. وتشاركها اليابان في هذا الوضع الأقرب إلى الاقتصاد منه إلى السياسة. بينما تختلفان عن روسيا التي ورثت عن الاتحاد السوفييتي الدور التاريخي من التدخل والانغماس في مشكلات وقضايا المنطقة، بينما فقدت كثيراً من قوتها الاقتصادية خصوصاً مع تفكك الدولة الاتحادية، واحتفظت بكثير من قوتها السياسية وبعض قوتها العسكرية.
إذن هناك تفاوت واضح في نوعية ومستوى القدرات المتاحة، وهو ما يفسر نسبياً تفاوت درجة حضور وتأثير كل من تلك القوى. لكن يتبقى عامل الرغبة والإرادة. وهو الشق الثاني المحدد لكيفية ودرجة تأثير كل دولة في توجيه دفة تفاعلات وتطورات المنطقة.
بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، يمكن بعد النظر إلى تاريخ التدخلات الأمريكية في قضايا المنطقة تأكيد أن الرغبة الأمريكية في الوجود بالمنطقة وتفاعلاتها تصل على حد التحكم في تفاعلاتها بشقها التعاوني والصراعي، وليس مجرد التأثير أو التداخل معها. بيد أن هذه الرغبة ليست مطلقة، إذ تختلف من قضية إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى أيضاً. والمثال الأبرز على ذلك التفاوت هو الموقف الأمريكي من إسرائيل وتطورات الصراع العربي ــ الإسرائيلي.
أما اليابان فلديها ما يمكن وصفه بالقدرة المعطلة أو الكامنة، حيث لا تزال تفضل الاقتصار على التفاعل الاقتصادي البعيد عن الاعتبارات السياسية، وفي مرحلة تالية للتسويات والاتفاقات التي تتولاها القوى الأخرى. أما روسيا والصين فإن إرادة التدخل لديهما محصورة في نطاق مصالحهما بغض النظر عن توافقها أو تعارضها مع مصالح هذه الدولة أو تلك من دول المنطقة.
بتطبيق هذه الخريطة النظرية على قضايا المنطقة واستحقاقاتها في العام الجديد، يمكن القول إن فرص تسوية أو إرساء السلام بشكل شامل ونهائي في الشرق الأوسط تبدو منعدمة، أو ضعيفة في أحسن التقديرات. وذلك لعدة اعتبارات من بينها:
أولاً: تبدو الملفات والمشكلات المعلقة بالغة التعقيد بشكل يجعل الاعتماد على الدور الخارجي في حلها رهاناً في غير محله. وذلك في ضوء التفاوت في قدرات القوى الخارجية وبالتالي ارتباط مردود تدخلاتها بمصالحها وأهدافها نتيجة عدم قدرة بعضها على موازنة البعض الآخر.
ثانياً: تتجلى صعوبات تحقيق التسوية والسلام في المنطقة ككل بالنظر إلى الاعتبارات والدوافع الداخلية في تلك المشكلات والقضايا، مما يجعل العامل الخارجي فيها مكملاً أكثر منه عاملاً أساسياً أو سببياً. والأمثلة على تلك الحالة عديدة، من بينها قضية التمرد الشمالي باليمن، والملف اللبناني، والعلاقات اللبنانية ــ السورية، والخلافات الفلسطينية ــ الفلسطينية، والوضع المتدهور في العراق في ضوء الانقسامات الداخلية السائدة، وذلك برغم أنها تفجرت بفعل الاحتلال أي بواسطة العامل الخارجي، إلا أنها أصبحتا أمراً واقعاً، فحتى لو ترك الأمر بين يدي العراقيين بشكل مطلق، ليس من المتوقع أن ينعم العراق بالاستقرار والهدوء قريباً.
ثالثاً: يقوم دافع الإرادة أو بالأحرى المصلحة بدور اساسي في توجيه بوصلة القوى الخارجية وهي بصدد تشكيل مواقفها من قضايا المنطقة، وهو ما يتضح جلياً في الملف النووي الإيراني، فرغم الضجة الكبيرة التي أثارها المجتمع الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران بسبب برنامجها النووي، إلا أن السلوك الفعلي الأمريكي والغربي بشكل عام لم يعكس ذلك الخطاب المتشدد ضد إيران، وسواء كان ذلك التراجع بسبب حسابات خاصة بواشنطن والغرب وحفاظا على مصالحهما مع إيران، أو بسبب مهارة ونجاح طهران في فرض أمر واقع وامتلاكها أوراق ضغط حجمت رد الفعل الأمريكي والغربي، الثابت أن القضية النووية الإيرانية ليست في سبيل الحل النهائي في القريب العاجل، وحتى وإن شهدت تطورات إيجابية خلال عام 2010 فغالباً ستنحصر تلك الإيجابيات في إطار ما يوصف بالصفقة بين إيران والغرب، ما لن يصب بالطبع في الصالح العربي.
إن هذه العوامل وغيرها، تدفع إلى القول إن الدور الخارجي في إحلال السلام والأمن في المنطقة خلال العام الجديد، فرصه تتراوح من محدودة إلى منعدمة، ويتبقى فقط التمييز بين أسباب تلك المحدودية أو ذلك الانعدام، فعدم القدرة أو افتقاد الإمكانات ربما يغفر للقوى الخارجية العجز عن تحقيق الأمن وإرساء السلام، أما امتلاك لقدرات الكافية مع غياب الإرادة أو تعارض المصلحة مع سلام المنطقة واستقرارها، فهو أمر يفرض على العرب التوقف طويلاً عنده والتفكر في دوافعه وكيفية مواجهته، فربما يستحق هذا كثيراً من العمل العربي كمتطلب أساسي قبل مواجهة المشكلات والقضايا العالقة ذاتها.

  رجوع