سيتم جلاء
القوات الامريكية عن مدن العراق الثلاثاء (نشر
المقال يوم الاثنين 29يونيو) وفقا لاتفاق تم
التفاوض حوله في عهد بوش. وعلى الرغم من ان
الرئيس اوباما أجاز الى حد كبير الموعد الذي
قرره بوش لتقليل حجم الوجود العسكري الامريكي
في العراق الا انه ليس من الواضح تماما الى أي
مدى يتبنّى تقدير سلفه لأهمية تحقيق أهداف
أمريكا الاستراتيجية هناك. ورغم كل اخطاء
ادارته في العراق الا ان بوش كان قد فهم بوضوح
ضرورة تحقيق النصر بمجرد التوصل الى قرار
ارسال قوات الولايات المتحدة الى العراق . وهو
كان يعلم ان سحب القوات اثناء قعقعة السلاح من
شانه ان يكون كارثيا. فالقاعدة وايران كانتا
ستستمدان الجرأة من مثل ذلك الانسحاب. وكانت
صدقية الولايات المتحدة في الشرق الاوسط
ستتبعثر أشلاء. وكان العراق سينحدر الى الفوضى
مما يؤدي الى مزيد من التقويض للاستقرار في
منطقة حيوية لمصالح الولايات المتحدة. والاكثر
ايجابية ان بوش ادرك ايضا ان الايفاء
بالتزامنا في مساعدة العراق في تأسيس
دموقراطية قد يدفع الى الامام وعلى نحو درامي
بالمصالح الامريكية طويلة الامد. فالشرق
الاوسط العربي (وهو المنطقة التي كانت مصدرا
للايدولوجيا والتمويل والقيادة والمنفذين
لهجمات 11 سبتمبر) سيحصل على نموذج قوي
لدمقراطية ناجحة وتحديثيه. كما أن الولايات
المتحدة ستؤمن لها موطئ قدم استراتيجي في احد
المراكز التاريخية للنفوذ السياسى والدينى
والثقافي للعالم الاسلامى. قد تهزأ النخبة
الغربية من ذلك . ولكن كثيرا من الناس في
الشرق الاوسط يقدرون لبوش صحة بصيرته
الاستراتيجية. ان عراقا تشيع فيه الدمقراطية
ومتحالفا مع الولايات المتحدة وباحتياطياته
النفطية الضخمة وموارده المائية وكثرة سكانه
ذوي الهمة والنشاط سيكون في مقدوره تحويل
المنطقة الى وضع افضل ، وتعزيز قوى الاصلاح
التقدمي على حساب المتطرفين من السنة والشيعة
. لقد اختفي في عهد اوباما إلتزام بوش بكسب
الصراع في العراق. فاوباما المقتنع منذ
البداية بان الحرب كانت غلطة ( وهى قناعة
عززتها خراقة أداء فريق بوش في مرحلة ما بعد
الحرب ) ظل على مدى اعوام يؤدي دور كبير مروجي
رواية الفشل (في العراق). فالتدخل هناك اعتبر
كارثة مهولة وتشتيت غير ذى معنى للانتباه أدى
الى تجفيف موارد الولايات المتحدة ونفّرعنها
باقي العالم. وفي حين ان اوباما يقر بواجب
غامض لمساعدة العراقيين في صنع مستقبل افضل
الا ان خلاصة سياسته سهلة الفهم وواضحة . فحوى
تلك السياسة ان الحرب كانت خطأ استراتيجيا
وانه كلما اسرعت الولايات المتحدة بغسل يديها
منها وحولت نظرها الى اولوياتنا "الحقيقية" في
الشرق الاوسط كلما كان ذلك افضل. وبالنظر الى
ان اوباما تبنى الى حد كبير الجدول الزمنى
الذي اختطه بوش لسحب القوات الامريكية فللمرء
ان يتساءل اذا كان هنالك حقا فرق في كونه لا
يزال يرى العراق عبئا يجب الهرب منه اكثر منه
شيئا ثمينا يلزم تأمينه. الاجابة السريعة هى
نعم. فمن الممكن ان تكون هنالك اثار
استراتيجية للبعد النفسى في الشؤون الدولية.
وعندما صادق بوش على زيادة اعداد القوات
الامريكية في العراق كان يمكن المحاججة بان
الاثر النفسى له نفس اهمية الاثر العسكري.
فوسط دعاوى المسلحين بتحقيق النصر وباستنزافهم
للدعم الداخلى في الولايات المتحدة بعث قرار
بوش برفع الرهان بدلا عن التراجع برسالة قوية
الى الاصدقاء والاعداء معا بان الولايات
المتحدة ليست لديها أية نية في التخلى عن
العراق. دفعت هذه الطمأنة العراقيين كى يعززوا
من جهودهم لمواجهة القاعدة والمليشيات
المدعومة من ايران . والزموا انفسهم ببناء
دموقراطية مستقلة وتعددية. ان اوباما يغامر
باشعال دينامية معاكسة وتراجعية. فالعراقيون
ينصتون الى احاديثه ويسمعون أن الانسحاب وليس
الانتصار هو اولويته القصوى. وهم يرون امريكا
وهى تبدو اكثر انشغالا بالارتباط بايران
(الباسطة لنفوذها) بدلا عن توطيد عراق
دموقراطى . وفي زياراتهم الى واشنطن فان
العراقيين كانوا يعلمون انه لا يوجد مسؤول
كبير قريب من اوباما يتولى الاشراف على
السياسة الامريكية تجاه العراق ( على الاقل
حتى تاريخ تعيين مسؤول للقيام بذلك في الاسبوع
الماضي) . وكان زعيم عراقى قد وجه لى سؤالا
نصف هازل اثناء زيارة قمت بها مؤخرا الى
العراق اذ خاطبنى متسائلا " هل لا يزال
الامريكيون موجودين هنا؟" ان الفراغ الذي
اوجده الادراك بتزايد عدم الاهتمام الامريكى
بالعراق محسوس .
وكان ذلك الفراغ تشغله باطراد الجمهورية
الاسلامية حتى اندلاع اضطرابات هذا الشهر في
ايران. وكانت قد تزايدت عمليات تمدد النفوذ
الايراني على نحو مهم منذ تولى ادارة اوباما
لمهامها. وتجلى ذلك بوضوح اكثر في تزايد
الزيارات الايرانية رفيعة المستوى الى العراق.
ومرة اخرى بدأ العراقيون الذين باتوا يفتقرون
بشدة الى اليقين بالتزام امريكا على المدى
البعيد تجاه مستقبلهم في المراهنة بطرق غير
مفيدة.
فقد اصبحوا يوطنون انفسهم على مقدم الهيمنة
الايرانية اكثر من توطين أنفسهم على مغادرة
المحررين الامريكيين. وعلى الرغم من ان ادارة
بوش ارتكبت الكثير من الاخطاء المكلفة في
العراق الا ان زيادة القوات الامريكية كان
نجاحا مدويا اعاد الى حيّز الامكان هدف اقامة
عراق مستقل ودموقراطى ، كما دللت على ذلك
الانتخابات الاقليمية الناجحة التي اجريت في
يناير.
ان اوباما في وضع يمكنه من إحراز ذلك الهدف
ولكن فقط اذا تمت موازنة الانسحاب العسكري
الامريكي بتعميق مواز لارتباط دبلوماسي
واقتصادي عالي المستوى (بالعراق). غير أن ذلك
يتطلب من الرئيس أوباما انفاق وقت اقل في
الايحاء بتلهفه على الخروج من العراق وقضاء
وقت أطول في العمل مع العراقيين للتفكير في
الطريقة المثلى التي يمكننا بها البقاء هناك.
جون حنا
ترجمة قاسم مكي
لوس انجلوس تايمز
جون حنا زميل معهد واشنطن لسياسات الشرق
الأوسط. ومستشار الامن القومى لنائب الرئيس
الامريكي ديك شيني في الفترة من 2005 -2009.