أوباما الشرق الأوسط..محاضرة برعاية عمان
الأمريكي ريتشارد: عمان تتفرد عن مثيلاتها في التعامل الجيد مع الأخطار والأزمات
السياسة الامريكية تنطلق من المصالح الوطنية والقوة العسكرية والاقتصادية

متابعة : هلال بن سالم الهنائي
ثمن الرئيس الأمريكي باراك أوباما جهود جلالة السلطان قابوس المعظم والشعب العماني في بناء دولة تعد من أكثر الدول استقرارا وتقدما وأمنا في منطقة الخليج العربي. فعمان دولة معروفة بقدرتها على التعامل بشكل جيد مع الأخطار والأزمات، إلى درجة أن الأمريكيين لا يسمعون كثيرا عن عمان بسبب حالة الاستقرار والنجاح التي تعيشها. في المقابل، نسمع كثيرا عن بعض الدول في المنطقة، واعتقد أننا بحاجة لأن نقرأ كثيرا عن عمان لتفردها عن الدول الأخرى في المنطقة. أكد ذلك ريتشارد راب أستاذ العلوم السياسية بجامعة بورديو الأمريكية وخبير في السياسة الخارجية الأمريكية في محاضرة بعنوان «الرئيس الأمريكي باراك أوباما والشرق الأوسط .. التغيير والاستمرارية في السياسة الخارجية الأمريكية» وذلك برحاب جامع السلطان قابوس الأكبر في ولاية بوشر وبرعاية مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلام وإعلاميا. وكشف الدكتور راب ان أوباما سيجد صعوبة كبيرة في تغيير السياسات الأمريكية السابقة وتجذر السياسة الخارجية لها والمنطقة من قاعدة المصالح الوطنية والقوة والعسكرية والاقتصادية مشيرا إلى القضايا التي أولاها أوباما اهتماما العام الماضي في المنطقة مؤكدا على عدم رغبة الأمريكية إرسال قوات إضافية إلى منطقة الشرق الأوسط او تنبأ المحاضر بحرب مع إيران وعدم استجابتها للمطالب الدولية معتقدا ان مستقبل العراق يشوبه العنف وان حربا أهلية قد تقع وان المؤرخين بقراءة ومراجعة الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق يخلصون إلى أنه كان خطأ فادحا. وفيما يلي نصف المحاضرة:
يتواجد الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى النرويج لاستلام جائزة نوبل للسلام، والتي فاز بها من قبل كل من اندري ساخروف، ومارتن لوثر كنج، ولخ وليسا، والأم تريسا، ونلسون مانديلا.
هذه المجموعة من الرجال والنساء حصلت على الجائزة بعد جهد مضن وانجازات عظيمة. ولكن تم ترشيح أوباما لنيل جائزة نوبل للسلام فقد بعد أيام قليلة من دخوله البيت الابيض. وخلافا للذين فازوا بالجائزة من قبله، لن يقبل الرئيس الأمريكي أوباما الجائزة باعتبارها اعترافا دوليا على إنجازاته، وانما باعتبارها إرادة دولية من أجل تغيير اتجاه السياسة الخارجية الأمريكية والسعي نحو تطبيق سياسات تدعو إلى التعاون وتنبذ الصراع وتشجع التقدم.
هذه المهمة ليست سهلة للرئيس الأمريكي الذي ينحدر من أصول افريقية ويبلغ من العمر 48 عاما، علما بأن كلانا نعيش في مدينة شيكاغو بولاية الينويز.
وكبقية الرؤساء في العالم، يرث جميع الرؤساء الأمريكيين الجدد الشيء الكثير من الذين سبقوهم، فقد ورث أوباما سياسة خارجية أمريكية لم يأت بها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لوحده وانما الذين من قبله ايضا خصوصا أولئك الرؤساء اللذين شكلوا العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
وعلى الرغم من ان الرئيس أوباما رفع في حملته الانتخابية شعار تغيير عدد من السياسات الأمريكية السابقة، إلا انه سيجد صعوبة كبيرة في تحقيق هذه التغييرات، وذلك لأن السياسة الخارجية الأمريكية تعرف الاستمرارية أكثر من معرفتها بالتغيير رغم تعاقب الرؤساء.
وكبقية المجتمعات في العالم أيضا، فإن السياسة الخارجية الأمريكية تقوم على قاعدة متجذرة تنطلق من المصالح الوطنية والقوة العسكرية والاقتصادية.
ان أحد العقبات الرئيسية التي تواجه الرئيس أوباما تتمثل في قدرته على الاعتراف بتقليص هيمنة القوة الولايات الأمريكية والسعي نحو تغيير الفكر السائد الذي بنت أمريكا على أساسه مفهوم المصالح الوطنية وما يتبعها من سياسات وطنية.
في محاضرة هذه الليلة، أود ان اشاطركم بعض التحديات التي تواجه الرئيس الأمريكي أوباما وإمكانية التغيير او الاستمرارية في محاولته للتوفيق بين المصالح الأمريكية والدور الأمريكي في الشرق الأوسط.
وتناول في محاضرته الفروق بين بوش وأوباما قائلا: في حالات كثيرة، توجد فروق جوهرية بين الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش والرئيس الحالي باراك أوباما من أهمها:
ان بوش من المحافظين ذوي التوجه الوطني بينما أوباما من الليبراليين بتوجه دولي، وبوش يؤمن بالسيطرة والتفرد الأمريكي في العالم بينما أوباما يؤمن بالشراكة، وبوشر جمهوري بينما أوباما ديمقراطي، وبوشر أبيض من تكساس وأوباما من أصول افريقية من شيكاجو.
لم تم النظر إلى هذه الفروق من هذه الزاوية، فقد يظن البعض ان الرئيس الأمريكي الحالي سيغير جذريا تجاه السياسة الأمريكية في تعامله مع القضايا المعاصرة.

القضايا العالمية

والسؤال هو ما هي هذه القضايا؟
بما أن أمريكا قد نصبت نفسها باعتبارها القوة العظمى في العالم، فإن كل القضايا التي تحدث على الساحة العالمية تصبح مجال اهتمام أي رئيس أمريكي. فبالإضافة الى قضية الشرق الأوسط، على الرئيس أوباما ان يتعامل ايضا مع الصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، وتغير المناخ، والسياسة الاقتصادية العالمية وعدد من القضايا.
وفيما يتعلق بالشرق الأوسط والدول المحيطة به، فإن القضايا تشمل: إيران، وأفغانستان، وباكستان، والعراق، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
ومع ان هذه القضايا جسيمة، إلا انها لا تختلف كثيرا عن التحديات التي واجهه رؤساء أمريكا السابقين. فالرئيس كندي ونيكسون وريجان واجهوا جملة من الصراعات العالمية مع بداية مشوارهم الرئاسي.
ما أود التركيز عليه هنا هو ان أمريكا اختارت ان تؤدي هذا الدور في السياسة الدولية.
عندما يتحدث اي رئيس أمريكي عن السياسة الخارجية الأمريكية سواء كان ذلك داخل أمريكا او خارجها، فإنه غالبا ما يتم الحديث عنها في إطار مثالي .. إطار يبرز أمريكا كدولة فريدة ومتميزة على اعتبار انها الراعية لمصالح جميع الدول وجميع الشعوب.
تمعنوا على سبيل المثال في الكلمات التي تضمنتها خطبة الرئيس الأمريكي أوباما الأسبوع الماضي بخصوص أفغانستان والتي جاء فيها وهنا اقتبس: «منذ ايام الرئيس الأمريكي الاسبق فرانلكين روزافلت .. ودولتنا «أمريكا» تتحمل عبئا خاصا في الشؤون الدولية. لقد ضحينا بدماء أمريكية مساعدة الآخرين في إعادة البناء من الحضيض والمساهمة في نمو اقتصادهم الوطني. وشاركنا الآخرين في بناء مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة والناتو والبنك الدولي بهدف تقديم الأمن العام والتقدم للإنسانية
لا تنال كل هذه الجهود على الشكر بصورة مستمرة، وكنا احيانا نقترف أخطاء. ولكن أكثر من أي دولة أخرى في العالم، ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق السلام العالمي لأكثر من ستة عقود، وهي فترة رغم كل المشاكل التي تخللتها، شهدت تحطيم اجدر، وانفتاح أسواق جديدة، وتخليص مليارات من البشر من الفرق، وتقدم علمي غير مسبوق وتزايد المناصرين للحريات الإنسانية».
أود القول أن كل الرؤساء الذين سبقوا باراك أوباما ثنبتوا صيغة خطابية مشابهة.
وأكد الدكتور ريتشارد: قد توجد حقيقة في هذه الرؤية الأمريكية ولكن هناك أيضا حقيقة ملاحظة في ان السياسة الخارجية الأمريكية لها موجه رئيسي واحد وهو: المصالح الوطنية الأمريكية.
شعوب كثيرة في هذا العالم لا تستسيغ قيام أمريكا بتنفيذ سياسات مهمتها الأساسية هي تحقيق مصالحها الخاصة بينما تقدمها في إطار مثالي.

المصالح الخارجية الأمريكية

ولكن ما هي مصالح السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط؟
أود القول هنا ان هذه المصالح ابدت استمرارية واضحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فخلال الحرب الباردة، كان هدف أمريكا الرئيسي هو منع الاتحاد السوفييتي من الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط .. وقد تحقق ذلك فعلا.
وبالتالي يمكن تلخيص مصالح السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط في كلمة: الاستقرار.
بالاستقرار نعني تعزيز الوضع على ما هو عليه بشكل يضمن استمرارية المصالح الأمريكية.
وأجاب على سؤاله الذي طرحه وهو ولكن ما هي بالتحديد المصالح الأمريكية قائلا: التدفق الحر وغير المكلف للنفط من المنطقة واستمرار العلاقات الإيجابية مع الحكومات العربية القائمة التي تضمن تدفق هذا النفط أسعار زهيدة، والاحتواء او التخلص من الحكومات التي تهدد بصراح مسلح مع جيرانها وفي المقابل تهدد استقرار المنطقة والمصالح الأمريكية وضمان أمن إسرائيل، هذه المصالح بقت وبشكل جلي كركائز ثابتة لواشنطن لأكثر من 60 عاما.
ومن أجل تحقيق هذه المصالح، لعبت واشنطن دورا حيويا في السياسات المتعلقة بالمنطقة. فقد ترك كل رئيس أمريكي منذ فرانكلين روزفلت وحتى باراك أوباما بصمته الخاصة في منطقة الشرق الأوسط. كما ان أية مراجعة لسياسات كل الرؤساء الأمريكيين تشير إلى أن سياسة أمريكا تجاه المنطقة تأخذ طابع الاستمرارية من أجل تحقيق المصالح التي أشرت لها آنفا.
وبصورة عامة، فإن هذه السياسات حققت لواشنطن الأهداف التالية:
تدفق النفط وبقاء معظم الحكومات المؤيدة لأمريكا في السلطة، وضمان بقاء إسرائيل كدولة حيوية.
وبكل تأكيد ان السياسات التي تم تطبيقها من أجل تحقيق هذه المصالح كانت كلفتها عالية.
في عام 1933، عملت واشنطن عن قرب مع المملكة المتحدة للإطاحة بحكومة محمد مصدق في إيران رغم انها كانت منتخبة ديمقراطيا. هذا الدعم لا يزال تأثيره السلبي باقيا فقد أثار الشكوك حول مصداقية توجه واشنطن نحو المنطقة.
وواشنطن أيضا من أكبر مصدري السلاح للمنطقة. وقد يعلق البعض بالقول ان هذه الأسلحة كانت سببا في تأجيج النزاعات والعداوات وساهمت في تغيير انفاق ميزانيات دول المنطقة من التنمية المدنية إلى التسلح.
وبينما كانت واشنطن وفي عهد الرئيس جورج بوش بالتحديد، عن دعم الديمقراطية وإصلاحات اقتصادية حرة في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن هدف واشنطن الرئيسي في استمرارية الأوضاع علىما كانت عليهن حال دون قيام أمريكا بالدفع بقضايا الديمقراطية، والإصلاح الاقتصادي وحقوق الإنسان.
وبينما كانت واشنطن تحب أن تصف نفسها بأنها «وسيط صادق» في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، في الحقيقة لم تعمل واشنطن بفعالية لحل هذا الوضع الخطير والذي كان سببا لعدد من الحروب في المنطقة ومن المحتمل أن يكون هذا الصراع أيضا سببا لحروب قادمة.
وفي إطار عزمها نحو الإطاحة بالحكومات التي تعترض مصالحها، قامت واشنطن بإسقاط حكومة أفغانستان في عام 2001 وحكومة العراق في عام 2003، ولا تزال تواصل تهديداتها ضد إيران، وبذلك يتبين الثمن الباهظ التي منيت بها أمريكا من أجل تحقيق مصالحها الخاصة في المنطقة؟

الشغل الشاغل لأوباما

وذكر الدكتور ريتشارد انه منذ دخوله البيت الأبيض مطلع هذا العام، أصبحت منطقة الشرق الأوسط (وهنا أشمل أيضا باكستان والهند) الشغل الشاغل للرئيس أوباما إضافة إلى اهتمامه بقضايا أخرى مثل الرعاية الصحية، والأزمة الاقتصادية، وانفلونزا الخنازير، وعدد من القضايا الدولية.
دعوني بإيجاز أعلق على عدد من أهم القضايا التي أولاها الرئيس أوباما اهتماما خلال العام الماضي والتي يأتي في مقدمتها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
مثل بقية الرؤساء الذين سبقوه، قام أوباما برفع الآمال في إمكانية التوصل إلى تسوية جوهرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين حيث قام بتعيين جورج ميتشل لمتابعة هذه القضية لما يتمتع به ميتشل من احترام وتقدير.
ما مارس أوباما شخصيا ضغوطات على الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو من أجل الاجتماع وإعادة بدء محادثات السلام. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، طالب الرئيس أوباما مرارا وعلانية الإسرائيليين بإيقاف بناء المستوطنات اليهودية او التوسع فيها. وضغط على الحكومة الفلسطينية والحكومات العربية من أجل تطبيع العلاقات مع إسرائيل .ورغم كل هذه الجهود، إلا انه لا يوجد اية تقدم يذكر.
فإسرائيل لم توقف عمليات الاستيطان، بل على النقبض من ذلك، أعلنت بانها ستبطئ من الاستيطان ولكنها لن توقف بناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية. في الواقع أعلنت إسرائيل انها تخطط انهاء بناء 3000 وحدة سكنية بعضها تحت الإنشاء والأخرى قيد التخطيط.
وفي الوقت ذاته لا تمكن حالة الانقسام التي يعيشها المجتمع الفلسطيني ما بين الرئيس عباس وحماس في غزة الفلسطينيين من إيجاد استراتيجية لمجابهة الإسرائيليين.
وقد يقول البعض وأنا منهم، انه ما لم يكن لدى الفاعلين في هذا الصراع رغبة صادقة لحل الخلافات الدائرة بينهم، فإن القوى الخارجية لا يمكنها ان تعمل إلا النزر اليسير. فحتى الآن لا يبدي الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني إشارات واضحة بأنهما على استعداد للأخذ بحل الدولتين.
صحيح ان القوى الخارجية يمكنها ان تفرض السلام بالقوة. ففي عام 1995 قامت الولايات المتحدة وحزب الناتو بفرض السلام على البوسنة بنشر 60000 جندي، ويرى معظم المحللين ان الأخذ بمبدأ حل الدولتين (فلسطين وإسرائيل) يتطلب نشر قوات خارجية أمريكية في المقام الأول وهو ما يكلف دافعي الضرائب في أمريكا ما بين 10 - 15 مليار دولار سنويا.
وأكد: يمكنني أن أؤكد لكم الآن بأنه لا توجد لدى الأمريكيين من شيكاجو في شرقها إلى سان فرانسيسكو في غربها لإرسال قوات امريكية اضافية إلى منطقة الشرق الأوسط. واعتقد ان الرئيس أوباما يمتلك من الحكمة ما تمكنه من ان يلعب بواقعية دور «الوسيط الصادق» في تعامله مع قضايا الشرق الاوسط. هذا الوسيط الصادق عليه ان يعرف متى يكون الوقت مناسبا ومهيأ للمفاوضات. ولا اعتقد بالطبع ان الوقت المناسب قد حان بعد.
لا أريد ان يساء فهمي هنا بأنه ليس من الضروري العمل تجاه تسوية سلمية او ايجاد تفاهم بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ولكن حسب ملاحظة أحد المحللين السياسيين، فإن النزاع الاسرائيلي الفلسطيني ومنذ عام 1948 كان سببا مباشرا وغير مباشر لتسع حروب، بواقع حرب واحدة كل 7 سنوات. وربما تقع قريبا احد هذه الحروب غير المباشرة مع ايران. فلا يزال الرئيس أوباما يتبنى سياسة المواجهة نفسها التي تبنتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش.
وكما تعلمون فإن المجتمع الدولي يقترب الآن من المهلة التي حددتها واشنطن والامم المتحدة بخصوص برنامج ايران النووي. والاحتمال الارجح هو ان ايران لن تستجيب للمطالب الدولية وبعدها سيتم تطبيق فرض عقوبات قاسية على ايران.
لقد أعلن الاسرائيليون مرارا بانهم لن يسمحوا لايران بان تمتلك سلاحا نوويا وقد هددوا بضربات عسكرية في عام 2010. في العام الماضي، نظم البروفيسور يحيى كماليبور من جامعة بورديو حلقة نقاش حول العلاقات الامريكية - الايراينية وتشرفت ان أكون أحد المشاركين في تلك الحلقة. كل المشاركين في تلك الحلقة لم يشيدوا بسجل الحقوق المدنية للحكومة الايرانية ولا بسعيها الحثيث نحو امتلاك سلاح نووي، ولكنهم لا يوافقون ايضا على استخدام القوة وضرب ايران عسكريا لانها غير مجدية.

مواقف حاسمة

كما امكن لواشنطن ان تقلل من حدة مناشدتها للفلسطينيين والاسرائيليين باتخاذ مواقف حاسمة للوصول الى اتفاق سلام، قد تجد ام مصلحتها تكمن ايضا في التحاور مع ايران بدلا من تهديها وتصعيد الموقف. فمنذ عام 1979 تعاملت الولايات المتحدة الامريكية وايران وكأنهما عضوان من اعضاء هيئة التدريس يعيشان تحت سقف واحد ولكن لا يكلم احدهما الآخر. والمعلوم ان فقدان الحوار البناء يمنع من احراز تقدم.
واستطرد خلال حملته الانتخابية تحدث الرئيسي أوباما عن محادثات مباشرة مع الحكومة الايرانية اذا تم اتنخابه. وقد واجه انتقادات جمة بسبب هذا التوجه. وازداد موقف الرئيس أوباما سواء في امكانية عقد مباشرة بسبب الاسلوب الخطابي الذي تبناه الرئيسي الايراني أحمدي نجاد.
شخصيا، اشجع ان تقوم واشنطن بالولوج في حوار مباشر مع ايران واحثها بشدة على التخلي عن الخيار العسكري ضد ايران. يمكن لايران ان تطور اسلحة نووية. فهناك عدد من الدول تمتلك هذا السلاح من بينها الولايات المتحدة الامريكية، والاتحاد السوفييتي والصين وفرنسا وبريطانيا واسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية.
واستدرك الدكتور ريتشارد: ان امتلاك سلاح نووي لا يعني بالضرورة استخدامه. فسياسة او نظرية الردع تشكل قوة كفيلة بمنع إيران من استخدام هذا السلاح لأن استخدامه يعطي تصريحا مباشرا بمهاجمتها. لقد عملت هذه السياسة بنجاح خلال الـ60 عاما الماضية، وفيما لو امتلك الإيرانيون هذا السلاح فإن سياسة الردع يمكن تطبيقها عليهم خاصة وانها نجحت في الماضي.

حرب اهلية

في الوقت الذي تم فيه انتخاب باراك اوباما رئيسا لأمريكا، بدأ معظم الأمريكيين ينظرون إلى الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان باعتباره خطأ. وكما تعلمون، فإن الرئيس اوباما قد أعلن عن سحب جميع القوات الأمريكية من العراق. وعلى الرغم من حالة الاستقرار الكبيرة التي يشهدها العراق اليوم مقارنة ما بين عامي 2003 و2007، الا انه لا يمكنني توقع مستقبل النظام السياسي في العراق.
ان الاضرار الناجمة عن غزو واحتلال العراق سواء كانت للولايات المتحدة الأمريكية او العراق او الاقليم عموما يصعب قياسها. واعتقد انه عندما يبدأ المؤرخون بقراءة ومراجعة الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق سيخلصون إلى انه كان خطأ فادحا.

مستقبل أفغانستان وباكستان

وتناول في محاضرته عن المستقبل في أفغانستان وباكستان قائلا: يوم الثلاثاء الماضي من الاسبوع الماضي، اعلن الرئيس اوباما عن قراره بارسال 30.000 الف جندي أمريكي إضافي إلى أفغانستان ستنضم إلى القوات الأمريكية الموجودة اصلا هناك مع عدد من الفرق العسكرية من دول حزب الناتو. الأمريكيون منقسمون حول الحكمة من هذا القرار. فالحكومة الأمريكية اطاحت بحكومة طالبان ولا تزال القوات الأمريكية مرابطة في أفغانستان لتسع سنوات الآن.
في عام 2006، نشرت كتابا بعنوان «حرب الناتو بعد 11 سبتمبر»، وكانت الصراع في أفغانستان من إحدى القضايا التي يناقشها الكتاب. ثم قمت باعادة قراءة الكتاب مرة أخرى ووجدت انني في عام 2006 وصفت أفغانستان بانها دولة متعثرة في كل الجوانب تقريبا. وان التدخل الغربي الذي قادته الولايات المتحدة لم يفلح كثيرا في احداث تغيير. فلا تزال تجارة المخدرات على اوجها، ولا يزال الفساد في الحكومة مستشريا، ولا تزال سيطرة القوات الغربية خارج العاصمة كابول محدودة.
وبعد 3 سنوات أصبح الأمر اسوأ من ما كان عليه الوضع في عام 2006 على الرغم من زيادة حجم القوات والمساعدات الغربية. وقد دافع الرئيس اوباما عن موقفه من أفغانستان بالقول ان الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لا يمكن ان تسمح لأفغانستان ان تسقط في ايدي طالبان والقاعدة. والمحصلة النهائية لهذا المنطق هو ارسال مزيد من القوات. شاكا في الوصول إلى نجاح جراء هذا التوجه. فأفغانستان هي واحدة من أفقر الدول في العالم، وتبعد آلاف الاميال عن مناصريها في الغرب، وقاومت في الماضي مرارا وبنجاح كل التدخلات الخارجية. وكاستاذ في العلوم السياسية قمت بدراسة عدد من الصراعات والتدخلات العسكرية، وعمري الآن 46 عاما، اتمنى ان تكون توقعاتي صحيحة بحيث عندما يصبح عمري 66 عاما سأتحدث في محاضراتي للطلاب عن اخفاق الغرب في تأمين الاستقرار في أفغانستان.
وأوضح قد يبدو الأمر وكأنني ناقم على الرئيس اوباما ولكني في الحقيقة لست كذلك. فقد كنت في شيكاغو مسقط رأسي ورأس ليلة توليه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت واحدة من اسعد الليالي في حياتي لانه اعاد الحلم الأمريكي إلى اذهاننا. خطبه تثير اعجابي واعتقد جازما بان نيته صادقة ومدفوع بأسباب نبيلة.
كلمته في القاهرة مطلع هذا العام، وكلمته أمام الامم المتحدة الخريف الماضي، وكلمته التي سيلقيها في النرويج بعد ايام قليلة، تشعرني بالفخر بهذا الرجل الطيب وطموحه في ان يجعل من أمريكا قوة دافع للسلام العالمي والتقدم الاقتصادي.
ولكن اوباما يعيش الآن في عالم حقيقي يختلف عن المثاليات الكامنة في مخيلة أي فرد. فقد ورث ماضي أمريكا بعظمته ومساوئه. ورث سياسة خارجية لها باع طويل وهي التي تعمل على تشكيل توجهاته. والتغييرات التي يود القيام بها تواجه رفضا من داخل الولايات المتحدة الأمريكية ومن الدول الأخرى. ومع ذلك، يظل الرئيس اوباما متفائلا ويجعل الأمريكيين من امثالي يتعاونون معه.
واختتم محاضرته: لم تتح لي الفرصة كي اتحدث إلى الرئيس الأمريكي اوباما عن عملي هنا في السلطنة ولكني اعتقد بانه سيسر بذلك. واظنه سيقول «ما اروعه من عمل» عندما نخبره انا وزملائي باننا قمنا ببناء شراكة اكاديمية مع كلية البيان حيث يحصل الطلاب العمانيون على شهادات جامعية ويتعلمون مهارات وثقافات تمكنهم من حياة ناجحة ومسالمة.
هذه هي زيارتي الثالثة لعمان خلال السنوات الثلاث الماضية. واتمنى الا تعتقدوا انه مفروض علي ولكني احب ان أرى نفسي كسفير عمان للمساعي الحميدة في الولايات المتحدة الأمريكية. فكثيرا ما ألقي محاضرات عن السياسة العمانية وكثيرا ما اشجع طلبتي على زيارة هذا البلد العظيم. وانا كلي أمل في زيارتي القادمة للسلطنة.