يبدأ
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
تفسيره للآية الأولى من سورة النساء وهي قوله تعالى (يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ
الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) موضحا ان في الفاتحة الشريفة
لهذه السورة يوجه الله تبارك وتعالى نداءه إلى الناس جميعا
نداء يتعدى جميع الحدود الاقليمية والنوعية والجنسية لأنه
خطاب الله تبارك وتعالى لعباده يدعوهم سبحانه وتعالى إلى
تقواه.
وقال: قد وقع لبعض أهل العلم رأي آخر يقول بأن هذا الخطاب
لأهل مكة وهو عجيب؛ فإن ذلك امر اغلبي وليس مطردا في كل
شيء.
وبين ان من غريب الاختلاف ان نذكر عن البعض انه يرى ان مثل
هذا الخطاب لا يكون شاملا للأرقاء من الناس وإنما هو
للأحرار وحدهم وهذا كلام عجيب لأن الأرقاء متعبدون كما ان
الأحرار كذلك لا فرق بينهم.
وقال:إن الأمر بالتقوى شامل وتساءل فلماذا لا يقال بأن
الأرقاء لا يدخلون في هذا الخطاب؟.
واشار إلى ان مناشدة الرحم لم تكن من شأن أهل مكة وحدهم بل
هي من شأن العرب وما يدريك لعل الشعوب الأخرى أيضا تراعي
هذا الجانب.
وإلى نص تفسيره للحلقة الأولى من الآية الأولى لسورة
النساء يقول سماحته: قد وقفنا في آخر درس عند نبذة عن سورة
النساء الكريمة التي نستهل في هذا الدرس بمشيئة الله تعالى
تفسيرها فالله سبحانه وتعالى يقول: (بسم الله الرحمن
الرحيم يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا) في هذه الفاتحة الشريفة يوجه الله تبارك وتعالى
نداءه إلى الناس جميعا ومعنى ذلك ان هذا خطاب لأمة الدعوة
فهو خطاب لكل من ارسل اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
خطاب للجنس البشري لأن يستجيب لداعي الله سبحانه وتعالى
فهو يتعدى جميع الحدود الاقليمية والنوعية والجنسية لأنه
خطاب الله تبارك وتعالى لعباده من الجنس البشري يدعوهم
سبحانه وتعالى إلى تقواه.
وقد وقع لبعض أهل العلم رأي آخر يقول بأن هذا الخطاب خطاب
لأهل مكة وهو عجيب لأن هذه السورة انما هي سورة مدنية وقد
روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما ولا يبعد ان يكون
الأمر كما قال العلامة صاحب المنار بأن منشأ ذلك ما شاع
عند كثير من الناس ان كل خطاب جاء فيه لفظ ( يا أيها الناس)
فهو خطاب مكي وكل خطاب جاء فيه (يأيها الذين آمنوا) فهو
خطاب مدني ولا ننازع في هذا الأخير ولكن بالنسبة إلى الأول
فإن ذلك امر اغلبي وليس هو مطردا في كل شيء فقد يكون
الخطاب بـ(يأيها الناس) في آية مدنية او سورة مدنية ذلك
بأننا نجد في سورة البقرة وهي سورة نزلت في المدينة
المنورة بالاجماع نجد فيها الخطاب بـ(يا أيها الناس) كما
اننا نجد في هذه السورة ايضا هذا الخطاب بـ(يا أيها الناس
) مع ان هذه السورة هي سورة مدنية وكذلك سورة الحج على
الصحيح هي سورة مدنية لأنها اشتملت على احكام كثيرة لم تكن
نزلت في مكة المكرمة وانما نزلت بعد الهجرة من بينها احكام
الحج واحكام الجهاد هذه احكام لم تشرع في مكة المكرمة لذلك
يتوجب ان هذه السورة أي سورة الحج انما نزلت في المدينة
المنورة وقد استهلت بـ(يا أيها الناس).
ومن غريب الاختلاف ان نذكر عن بعضهم انه يرى ان مثل هذا
الخطاب لا يكون شاملا للأرقاء من الناس وانما هو للأحرار
وحدهم هذا كلام عجيب لأن الأرقاء متعبدون كما ان الأحرار
متعبدون لا فرق بينهم في العبادات هناك عبادات عامة
وواجبات عامة مشتركة لا فرق فيها بين حر ورقيق وهناك
عبادات خاصة بالأحرار كوجوب الحج والعمرة والجهاد ووجوب
الزكاة من المال بناء على ان الارقاء لا يملكون.
ووجوب الجمعة والجماعات هذه احكام انما هي واجبة على
الأحرار وهناك احكام ايضا واجبة على الارقاء تعبدات كأن
يتعبدوا بطاعة ساداتهم لأن ذلك مما يجب بجانب طاعة الله
سبحانه وتعالى واستدل الذين قالوا بعدم دخول الأرقاء بأن
المملوك انما منفعته لسيده فلما كانت منفعته لسيده فإنه
لايصلح لمثل هذا الخطاب وهذا مردود لأن كون منفعته لسيده
ليس ذلك على اطلاقه فلو انه ضاق وقت الصلاة ولم يبق منه
الا مقدار ما يمارسها فيه الرقيق ففي هذه الحالة لو امره
سيده بأمر فإنه لا يطيعه بل يطيع ربه سبحانه وتعالى عليه
ان يستجيب لداعي الله.
وكذلك استدل القائلون بأن هذا الخطاب لا يدخل فيه الأرقاء
استدل هؤلاء بأن الأرقاء غير متعبدين بمجموعة من الأحكام
منها ان الجمعات والجماعات والحج والعمرة والجهاد
والتكاليف التي تحتاج إلى انفاق الأموال هذه التكليف هم
غير متعبدين بها وهذا ليس بمشكل فإن ذلك انما هو كما يخرج
بعض الأحرار عن بعض عمومات الأحكام لأسباب خاصة فقد يخرج
المريض عن بعض التكاليف فلا يكلف بها كذلك المسافر قد لا
يكلف ببعض التكاليف كذلك العاجز بسبب من الأسباب وهذا لا
يمنع ان يكون داخلا في عموم الخطاب الموجه إلى الناس.
ونحن نرى ان الأمر الذي جاء عقب هذا الخطاب انما هوالأمر
بالتقوى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)
والأمر بالتقوى شامل للجنسين جميعا شامل للأرقاء كما أنه
شامل للأحرار فلماذا لا يقال بأن الأرقاء لا يدخلون في هذا
الخطاب.
ولا ريب في دخول النساء في هذا الخطاب فإنهن من جنس الناس
والناس هنا جمع معرف بالألف واللام واصلا يحمل على العموم
فيدخل في ذلك الرجال وتدخل في ذلك النساء ومما يؤكد ذلك ما
ولي ذلك من الأمر بالتقوى وكون هذه التقوى مضافة إلى الرب
سبحانه والذي خلق جميع الناس من نفس واحدة وخلق منها زوجها
وبث منهما رجالا كثيرا ونساء وهذا مما دخل فيه الامتنان
على النساء كما هو امتنان على الرجال فإذن الخطاب شامل
الجميع ، ولكن هل هذا الدخول بطريق الحقيقة او بطريق
المجاز؛ اما بالنسبة الى الناس فلا ريب انه خطاب للنساء
بطريق الحقيقة لأنهن داخلات في جنس الناس.
واما بالنسبة إلى ما بعده من قوله (اتقوا ربكم) فطائفة من
الناس يقولون بأن هذا الخطاب جاء بصيغة التذكير فدخول
الاناث انما هو بطريق التغليب الذي هو مبني على المجاز لأن
الخطاب انما هو خطاب جمعي موجه إلى جمع الذكور والجمع انما
هو بنية تكرار المفرد فالمفرد الذي يكرر حتى يصاغ منه
الجمع ان كان الجمع بصغة التذكير فهو مفرد مذكر وان كان
بصيغة التأنيث فهو مفرد مؤنث.
وآخرون يقولون لا بل دخول النساء ايضا في هذا الخطاب في
قوله تعالى (اتقوا ربكم) انما هو بطريق الحقيقة بأنه إذا
اجتمع الانسان فجنس الذكور مغلب على جنس الاناث وذلك واضح
فيما اذا قال احد أوصى فلان لفلان بكذا ولفلان بكذا ولفلان
بكذا واوصى لفلانة بكذا والفلانة بكذا ثم عمم الجميع في
وصية ما واوصى لهم بكذا فلا ريب في دخول الاناث في هذا،
وهذا الدخول انما يعلم من غير قرينة ولما كان معلوما من
غير قرينة فدلالته انما هي دلالة حقيقية وليست دلالة
مجازية؛ هذا ما ذهبت اليه طائفة ، وقيل بل لا تدخل النساء
في مثل هذا الخطاب وهذا كلام بعيد لأنهن مكلفات كما ان
الرجال مكلفون فهن مأمورات بتقوى الله تبارك وتعالى وما
قيل من انهن مخصوصات ببعض الحكام فذلك انما هو لمخصصات دلت
على ذلك وهنا لا يوجد المخصص اذ الأمر إنما هو امر بالتقوى
وكل احد انما يتقي الله تبارك وتعالى بحسب ما آتاه الله
تبارك وتعالى من طاقات وبحسب ما كلفه من تكاليف وحتى الجنس
الذكري قد يتفاوت الناس في التكاليف وهم من افراد هذا
الجنس بحسب تفاوتهم في قدراتهم او بحسب تفاوتهم في
مؤهلاتهم فإذن الجنس البشري بأسره هو داخل في هذا الخطاب.
والذين قالوا: بأن هذا الخطاب ليس هو خطابا عاما لجميع
افراد هذا الجنس وانما هو خاص لأهل مكة كما روي ذلك عن ابن
عباس رضي الله عنهما كما سبق انما استدلوا لهذا لما جاء من
بعد من قول الله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي
تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) فقالوا بأن المناشدة
بالرحم انما هي من شان العرب فقد كانوا يسألون بالأرحام
ينشد بعضهم بعضا مراعاة حق الرحم وبهذا يتبين ان الخطاب
لأهل مكة وقد اعترض على ذلك بأنه ان وجد خطاب عام ووليه ما
هو موجه إلى الخصوص فيما بعد فإن ذلك الجزء الموجه الى
الخصوص انما يكون خطابا خاصا وما سبقه وهو المعطوف عليه
يظل خطابا عاما كما يدل عليه لفظه ولا يعدل عنه هذا الظاهر
على ان مناشدة الرحم لم تكن من شأن اهل مكة وحدهم بل هي من
شان العرب وما يدريك لعل الشعوب الأخرى أيضا تراعي هذا
الجانب وينشد بعضها بعضا حق الرحم ولما كان الأمر كذلك لا
أرى داعيا للقول بأن مثل هذا الخطاب إنما يقال هو خاص بشعب
دون شعب.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم) جيء هنا بهذا
الوصف؛ وصف الربوبية المشعر بالنعمة البالغة من الرب
سبحانه وتعالى على عباده فإن الرب هو الذي يرب مربوبيه
بنعمته وتربيته اياهم واصلاحه لهم، ولما كان ذلك فإن الرب
الخالق سبحانه وتعالى الذي اخرج الانسان من العدم إلى
الوجود واسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ومن عليه بما من عليه
من الآلاء هو حقيق بأن يتقى فإن ذلك من حقه وفي هذا
استجاشة لعزيمة التقوى في نفوس الناس ليراعوا حق الله
تبارك وتعالى الذي خلقهم.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) هنا دعوة إلى التقوى مع
مراعاة اسبابها فالأمر اذا علق بوصف فإن ذلك الوصف اما ان
يكون علة له او سببا او مماثلة فاذن خلق الله تبارك وتعالى
الناس من نفس واحدة علة للأمر بتقواه ذلك لأن الأمر
بالتقوى اقترن بذكر خلقه سبحانه وتعالى اياهم وكونه خلقهم
من نفس واحدة، فأما بالنظر إلى كونه تبارك وتعالى خلقهم
فذلك لاريب موجب لأهل التقوى؛ هو موجب لأن يتقوه لأن من
كان خالقا لهذا الانسان فقد من عليه باخراجه من العدم إلى
الوجود أوجده بعد ان كان معدوما وأحياه بعد ان كان ميتا
وبصره بعد ان كان اعمى واسمعه بعد ان كان أصماً وعلمه بعد
ما كان جاهلا؛ فهو جدير بأن يتقى إذ معنى التقوى كما سبق
الطاعة المطلقة في امره ونواهيه بأن تؤتى أوامره وتجتنب
نواهيه فمن كان خالقا لأحد فهو جدير بالطاعة المطلقة من
ذلك المخلوق اذ المخلوق ما كان ليوجد لولا ان الخالق اخرجه
من العدم إلى الوجود وما كان ليتمتع بنعمة من النعم لولا
انه سبحانه وتعالى أسبغ عليه هذه النعم وقد جعل الله تعالى
النعم بأسرها مترتبة على نعمة الخلق فإن العدم لايمكن ان
يكون منعما عليه انما ينعم على الموجود، ومع ذلك فإن هذا
الخلق لم يكن في مقابل شيء من العبد إذ العبد المخلوق
يستحيل ان يكون قدم إلى خالقه شيئا وهو في العدم قبل يخلقه
ثم بجانب ذلك هو أيضا بعد خلقه اياه فإنه لايستطيع ان يقوم
بواجب أداء شكره هذه النعمة العظيمة نعمة الاخراج من العدم
إلى الوجود عندما كان عاجزا عن ذلك فإن التقوى من حق
الخالق على المخلوق.
مع ان هذه التقوى في الحقيقة ليست من قبل العبد فلما كانت
ليست من قبل العبد وانما هي من قبل الخالق سبحانه وتعالى
إذ هو الذي يخلق القدرة في العبد على التقوى ويخلق في نفسه
داعية التقوى فلأجل ذلك كان القيام بالتقوى نفسه بتوفيق
الله فهي نعمة ثانية من نعم الله تبارك وتعالى تلي نعمة
الخلق وهذا يعني ان القيام بتقوى الله تبارك وتعالى واداء
جميع الواجبات التي تقتضيها لا يعني ذلك ان العبد يقدم إلى
الله تبارك وتعالى ما يستحق بسببه ثوابا فكيف والله سبحانه
وتعالى يثيب العباد.